الوصول السريع للمحتويات

القاعدة في أبين تتحدث عن إستراتيجية جديدة وتسخر من حديث وسائل الإعلام عن خسائرها



عبدالرزاق الجمل —Aligné à droite

على خلفية وجود كثيرٍ من أطراف الصراع فيها، تعيش محافظة أبين بمديرياتها العشر وضعا استثنائيا بكل المقاييس. أنصار الشريعة، والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية، وجيش يقال إنه موال للثورة، وآخر يقال إنه موالٍ للنظام، ومليشيات قبلية مسلحة موالية للثورة، وأخرى موالية للنظام، وسكان طحنهم الفقر وعجنهم النزوح، كل هؤلاء ينشطون في محافظة أبين.


يعمل نظام الرئيس صالح على إثبات أن القاعدة في أبين تشكل خطرا كبيرا على المصالح الغربية، كما تقول المعارضة، ويعمل قادة المعارضة وغيرهم ممن أعلنوا عن انضمامهم للثورة الشبابية على إثبات أن القاعدة لن تشكل أي خطر إن سقط نظام صالح، على اعتبار أن نظام صالح هو من يديرها، من وجهة نظر المعارضة، وتعمل القاعدة على نفي كل تلك الإثباتات.

والأمر الذي صار ثابتا وطنيا لدى السلطة والمعارضة، ولدى كثير من القوى الفاعلة في الساحة اليمنية، بعد أن كان تفريطا في السيادة الوطنية، هو أن للطائرات الأمريكية التجسسية وغيرها، حق التحليق في الأجواء اليمنية طولا وعرضا، وحق القصف ولو لمواطنين يمنيين بحجة أنهم ينتمون إلى تنظيم القاعدة. فإذا كان الرئيس صالح قد وافق على ذلك سرا قبل فضائح وثائق ويكيليكس المسربة، فإن قيادات المعارضة، كما تقول القاعدة، وافقت على ذلك علنا وعلى الهواء مباشرة عبر القنوات الفضائية، لتبقى القاعدة، من وجهة نظر القاعدة أيضا، هي الطرف الوحيد الذي ينكر هذا الأمر.

وعلى الرغم من أن القضاء على تنظيم القاعدة في أبين هدف مشترك لباقي الأطراف، ولو بشكل ظاهر، بالنسبة للبعض، إلا أن لكـل طرف غرضه الخاص في ذلك، وهو أمـر ـ لا شك ـ يصب في صالح التنظيم ويجعله الأكثر قوة ويوطد علاقته بالسكان المحليين، تماما كما هو حاصل.

على طريق حروب الجيوش النظامية، القاعدة تسيطر على أبين
غيَّـر تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب إستراتيجيته العسكرية فتمكن من الاستيلاء على محافظة أبين كاملة قبل أشهر، لكن المعارضة اليمنية اتهمت نظام الرئيس صالح بتسليم المحافظة للقاعدة، لغرض لفت نظر الغرب عن قضية الثورة المطالبة برحيله وإسقاط نظام حكمه، إلى القضية الأهم والأكثر حساسية في القاموس الغربي.

ولم يكن تنظيم القاعدة في السابق يخوض حروبا تقليدية على طريقة الجيوش النظامية، أو يسعى للسيطرة على مناطق ليستقر فيها، كما يفعل اليوم، فحربه تعتمد على التنقل الذي يرى أنه يرهق خصمه ويشتته، إضافة إلى أن الحرب بهذه الطريقة تتناسب وإمكاناته العسكرية، فعلى الرغم من سقوط دولة طالبان مركزيا في أفغانستان قبل أكثر من ثمان سنوات، إلا أن القاعدة حققت في ظل حرب العصابات بعد ذلك، ما لم تكن لتحققه في ظل بقاء دولتها المركزية، لكنها في أبين عادت لتسيطر وتستقر.

وتسيطر القاعدة إلى جانب مدينة زنجبار عاصمة محافظة أبين على معظم مديريات المحافظة، حتى المديريات التي خرجت عن سيطرتها كمديريتي لودر ومودية، لديها فيها الكثير من الأنصار وبعض النقاط العسكرية، كما استطاعت من خلال ردها الشرس على القبائل التي جُنِّدت ضدها أن تحيد هذه القبائل تماما عن لعب أية أدوار تصب في صالح خصومها. وإن كان معظم من جُـنِّد من القبائل، بحسب القاعدة، هم من المنتسبين أصلا إلى المؤسسة العسكرية. وفي أحد إصداراته عرض التنظيم هويات عدد من القتلى الذين سقطوا في عملية “العرقوب” وتظهر الهويات أنهم بالفعل ينتسبون إلى المؤسسة العسكرية. وعملية العرقوب استهدفت تجمعات قيل إنها قبلية كانت تستعد لشن هجوم على مقاتلي التنظيم في بعض مناطق محافظة أبين.

ومع أن الأمور الداخلية لمحافظة أبين، خصوصا في جانبها الأمني، استقرت بشكل كبير في ظل سيطرة التنظيم عليها، إلا أن معركة جديدة كان عليها أن تبدأ، يخوضها جيش قيل إنه مؤيد للثورة أُسند بمحاربين قيل إنهم من أبناء القبائل وبدعم أمريكي وسعودي كبير، ومنذ أكثر من ثلاثة أشهر بقي هذا الجيش المؤيد والمدعوم عاجزا عن رفع الحصار عن اللواء 25 ميكانيكي وعن تحرير مدينة زنجبار وباقي مناطق محافظة أبين من مسلحي القاعدة.

وبدورها اتهمت قوىً معارضة النظام اليمني أو قيادات فيه بدعم تنظيم القاعدة في محافظة أبين، وإلى هذا الدعم أرجعت تلك القوى صمود التنظيم كل هذه الفترة، وإن لم يسهم الدعم الأمريكي والسعودي للجيش المؤيد للثورة، كما يسمونه، في إحراز أي تقدم على الأرض طوال أشهر.

ودعم القاعدة الذي تحدثت عنه القوى المناوئة لنظام الرئيس علي صالح تنكره القاعدة جملة وتفصيلا، وتعتبره “هراء و تلفيقات من قبل أطراف تعمل دائماً في التشويه والبلبلة حتى تعطي صورة مغلوطة عن المجاهدين” كما تنفي القاعدة أن يكون الجيش الذي تقاتله “مؤيدا للثورة الشبابية” فحربها كما تقول هي مع “قوات الأمن المركزي ووحدات مكافحة الإرهاب في زنجبار والكل يعرف أنها هي من تقمع الثورة وتقتل الناس, واللواء 25 أعلن قائده الصوملي أنه ليس مع الثورة في لقاء مع جريدة الشرق الأوسط, ولا يشرف الثورة أن ينظم إليها أمثال هذا اللواء المجرم”، حد تعبيرها، وتدلل القاعدة على صحة ما تقوله بلقاء اللواء مهدي مقولة بقائد اللواء المحاصر الصوملي بعد عملية التحرير، مع أن مقولة متهم بدعم القاعدة في أبين وبمحاولة إفشال جهود رفع الحصار عن اللواء 25 ميكانيكي.

تجنيد القبائل وتبعاته
تمكنت جهات عسكرية وأخرى قبلية يُقال إنها محسوبة على الثورة الشبابية من تجنيد عدد من أبناء قبائل محافظة أبين لمحاربة تنظيم القاعدة في المحافظة، وجاءت هذه الخطوة بعد الصعوبات والإحراجات التي واجهتها قوات الجيش في معاركها ضد القاعدة، لكن هذه الخطوة أدخلت المحافظة في مأزق صعب ربما يغرقها في الفوضى لأعوام قادمة.

فكما هو معلوم أن كثيرا من المنتسبين إلى القاعدة أو “أنصار الشريعة” كما يحلوا لهم أن يسموا أنفسهم، هم من أبناء المحافظة، وبالتالي فإن أي اقتتال داخلي لا بد وأن تمتد آثاره لسنين قادمة في بلد يحتل الثأر فيه رأس قائمة مشاكله، ومع أن المجنِدين لأبناء القبائل يدركون التعبات السلبية لأمر كهذا، إلا أن اهتمامهم بإثبات ما يتهمون النظام به طغى على كل شيء. وإن كان معظم من شاركوا في القتال إلى جانب الجيش باسم أبناء القبائل، هم من الجيش نفسه، بحسب القاعدة، كما أشرنا قبل قليل.

وتقول معلومات القاعدة إن بعض أبناء القبائل وافقوا على العرض بدافع من حاجة بسبب الوضع المعيشي الصعب الذي يعيشه أبناء المحافظة، رغم أن المبالغ التي كانت تُصرف لهم زهيدة جدا، ومع ذلك سوِّق الأمر باسم “القبائل المؤيدة للثورة”، رغم أن المناطق التي لا تسيطر عليها القاعدة، أو التي يقال إنها في أيدي القبائل المؤيدة للثورة، تشهد تفلتا أمنينا غير مسبوق، فعلى سبيل المثال احتجنا إلى التوقف أكثر من ثلاثة وعشرين مرة عند أكثر من ثلاثة وعشرين نقطة قبلية في مديرية “أحور” التي لا تتواجد فيها القاعدة، وفي كل نقطة يجب على السائق أن يدفع ما يسمونه “حق النقطة” إلى درجة أن كثيرا من سائقي السيارات التي تمر من ذاك الخط، خصوصا أصحاب الشاحنات الكبيرة، يتمنون لو أن أنصار الشريعة يسيطرون على المنطقة.

وبخصوص تعامل أنصار الشريعة مع أبناء القبائل المنضمين إلى صفوف قوات الجيش فقد أخذ طابعا لينا في بدايته، لكن ذلك، كما يقول مسلحو الجماعة، شجع بعض أبناء القبائل على التمادي أكثر، حيث قاموا باختطاف عدد من مقاتلي التنظيم وتسليمهم لقوات الجيش، ولم يكن أمام التنظيم سوى الرد الرادع، حد قولهم. وجاء الرد على شكل عمليات انتحارية، الأولى استهدفت اجتماعا للقبائل في مديرية مودية وقتلت فيه عددا من المجتمعين من أبرزهم “أبو بكر عشال وجمال بدر وشخص ثالث يُلقب السيد”، وهم من المسئولين البارزين في جهاز الأمن القومي والسياسي بحسب معلومات الجماعة، والثانية استهدفت تجمعا آخر للقبائل في منطقة العرقوب وأودت بحياة ما يزيد عن أربعين شخصا، وكان للعملية الثانية مفعولا قويا، حيث توقف بعدها عدد من أبناء القبائل عن مساندة الجيش.

وتقول القاعدة إنها قادرة وفي أي وقت على بسط سيطرتها على كامل محافظة أبين، لكنها لا تريد الدخول في حروب مع القبائل التي حُرِّضت ضدها ما لم تكن هذه القبائل هي البادئة، كما حدث في مدينة شقرة الساحلية التي يقول مسلحو التنظيم إنهم استعادوها من القبائل بستة عشر مقاتلا فقط، كما أنها لا تريد أن تفرض نفسها على من لا يريدون أن تتواجد في مناطقهم.

وبعد عمليتي مودية والعرقوب التي سقط فيها عدد كبير من أبناء القبائل رفعتْ القبائل جميع نقاطها من الأماكن التي كانت تتواجد فيها إلى ما بعد مديرية لودر، ولم تبق سوى النقطة العسكرية التي عند الكهرباء في المديرية. وكان أبناء القبائل قد استعادوا مدينة شقرة في وقت سابق، وتقول المعارضة إن صالح سلمها مجددا لمقاتلي التنظيم بعد الضغوط الخارجية التي مورست عليه للتوقيع على المبادرة الخليجية، مع أن المدينة لم تُسلم لقوات الجيش حتى يسلمها النظام للقاعدة، بل استعادتها القاعدة من أبناء القبائل.

القاعدة والمعارضة
تصر قوى المعارضة اليمنية وكثير من منتسبي طبقة النخبة المثقفة على أن تنظيم القاعدة في اليمن ليس أكثر من صناعة رسمية يدار ويمول من داخل القصر الجمهوري في العاصمة صنعاء، وأن كل ما يحدث كان بالإمكان أن لا يحدث إن وجد نظام آخر.

وفي كل مناسبة يظهر فيها تنظيم القاعدة عبر عمل عسكري أو إصدار إعلامي تكون للمعارضة اليمنية مناسبتها في الربط بين ظهور التنظيم وبين حاجة النظام اليمني إلى ذاك الظهور، ولا أسهل من الربط بين حادث وحاجة اجتمعا في وقت واحد، كما حدث في محافظة أبين.

المعارضة وهي تكثر الحديث، بمناسبة أو بدون مناسبة، عن علاقة النظام اليمني بتنظيم القاعدة، وتحشد للتدليل على ذلك نماذج من الواقع، تعتقد أنها تعري النظام وتكشف ألاعيبه، لكنه اعتقاد خاطئ فوَّت عليها استغلال ما يقوم به النظام اليمني كما ينبغي، وأظهرها كمن يجهل الكثير عن التنظيم.

والنظام اليمني، كما لم تفهم المعارضة بقصد أو بدونه، لم يصنع تنظيم القاعدة ولا يديره، وإنما يستغل وجوده للأهداف التي يعرفها الجميع، وبطرق لا يعرفها الكثير وعلى رأسهم المعارضة اليمنية وجمع من المثقفين، بل وحتى المهتمون والمختصون بشئون تنظيم القاعدة. واستفادة النظام من وجود القاعدة أمر لا تتحمل القاعدة جرمه، بل لا مانع أن تستفيد القاعدة من هذه الاستفادة، إن وجدتْ فعلا.

كما أن المعارضة وهي تسوق هذا الخطاب حول علاقة تنظيم القاعدة بالنظام اليمني للغرب في إطار صراعها السياسي مع نظام الرئيس صالح، تظهر نفسها كمن يجهل الكثير عن الواقع اليمني في هذا الجانب، فالغرب، والأمريكان على وجه الخصوص، يعرفون أكثر من غيرهم بأن هناك وجودا قويا وحقيقيا للقاعدة في اليمن جعلهم يعتبرونها أخطر من القاعدة في أفغانستان وباكستان، وبأن النظام يستغل هذا الوجود أو يستفيد منه، وبالتالي فإن حديث المعارضة سيكون خارج سياق ما تفكر فيه الإدارة الأمريكية، وخارج سياق ما ترغب فيه وما تريده من المعارضة اليمنية أيضا.

وكما هو معلوم فإن تنظيم القاعدة تنظيم عالمي، ويتواجد بكثرة في البلدان التي تشكل بيئتها حاضنا آمنا له، لأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد أو بالجانب الأمني أو بالطبيعة الجغرافية الصعبة، واليمن من البلدان التي اجتمعت فيها كثير من عوامل تلك البيئة، إضافة إلى موقعه الجغرافي الهام، والعلاقة المقدسة للتنظيم ببعض المناطق اليمنية التي تحدثت عنها النصوص الدينية كمحافظة أبين.

هذا الاطمئنان إلى هذا التفسير لما يجري، بالنسبة للمعارضة، سيصدمها قطعا بواقع مختلف إن انتهى نظام صالح ووصلت هي إلى الحكم، وستجد نفسها في حرج كبير أمام الوعود التي قطعتها للغرب بخصوص معالجة هذا الملف المقلق له، وربما بدأتْ تدرك ذلك بعد فشل القوات النظامية بمعية القبائل المنضمة إليها في حسم المعارك بمحافظة أبين الجنوبية منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

ويعتقد تنظيم القاعدة، بحسب كثير ممن التقيت بهم من مقاتلي وقيادات التنظيم، أن الإخوان المسلمين يقفون بكل ما أوتوا من قوة وراء الترويج لهذه الشائعة التي أصبحت ثقافة سائدة لدى الناس. فالإخوان ـ حد قولهم ـ هم المرغوبون أمريكيا بإدارة شئون البلدان العربية في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي، كونهم الجهة التي لديها قابلية لتقديم التنازلات في سبيل الوصول إلى الحكم، وتصريحات بعض المسئولين الأمريكيين تؤكد ذلك. (مؤخرا قالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إن الولايات المتحدة الأمريكية سترحب بوصول الإسلاميين المعتدلين إلى الحكم بعد الربيع العربي، وهو موقف يناقض الموقف الأمريكي في وقت سابق من القضية ذاتها).

ومن خلال الأيام التي قضيتها مع مقاتلي التنظيم، واطلاعي عن قرب على تفاصيل حياتهم وسلوكياتهم، بدا لي أن ربط التنظيم بالنظام أمر ساذج للغاية، وكلام لا يستند على أكثر من الاستنتاج المصحوب بقناعات وبأحكام مسبقة، بل له علاقة بما يتم في إطار المكايدة السياسية بين المعارضة والنظام، فكثير من المقاتلين كانوا في مراكز علمية سلفية، وكثير منهم ممن شارك في القتال بأفغانستان والعراق، ولديهم الشيء الكثير من العلم الشرعي، ويستحيل أن يجند النظام هؤلاء ليلعبوا دورا يدر عليه بعض المال، كما أن النظام أضعف بكثير من أن يجند ويدعم كل هذا العدد من المقاتلين من داخل اليمن وخارجها.

ويؤمن كثير من أعضاء التنظيم الذين التقيت بهم أن المعارضة اليمنية، وقادة التجمع اليمني للإصلاح بوجه خاص، يدركون أن لا علاقة للتنظيم بالنظام سوى علاقة الاستفادة التي لا ينكرها التنظيم نفسه ولا يتحمل جرمها، لكن المعارضة، كما يرى التنظيم، تبحث دوما عما يمكن أن يضعف موقف النظام، وكان هذا الملف الحساس أهم ما تثيره المعارض لذلك الغرض.

من أخرج التنظيم عن صمته في أبين؟
منذ انطلاق الثورة الشبابية وحتى شهرها الرابع، التزم تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب الصمت، وتوقف نشاطه العملياتي، كباقي فروع التنظيم في البلدان التي شهدت ثورات مشابهة، خشية أن يؤثر ذلك على سير الثورة، فجميع الأنظمة التي طالبتها شعوبها بالرحيل، اشتركت في مسألة التخويف بهذا الملف، لإجبار الغرب على التمسك بها، وجاءت توجيهات الدكتور أيمن الظواهري لفروع تنظيمه بالتوقف عما يمكن أن يؤثر على هذه الثورات، لتؤكد هذا الأمر، والتزم التنظيم بتلك التوجيهات حرفيا.

كما جاء حرص التنظيم على عدم الظهور خلال الثورات الشعبية العربية من منطلق إيمانه بأنه يشترك مع هذه الشعوب في نقاط مهمة، كرفض الوصاية الغربية على المنطقة، وقد ترجمت ذلك ثورة مصر بفتح معبر رفح وكذا مطالبة المصريين بضرورة إعادة النظر في بعض بنود اتفاقية كامب ديفيد بعد أسابيع قليلة من نجاح ثورتهم.

لكن المشهد اليمني كان مختلفا تماما في هذه القضية، ففي مقابل تخويف نظام صالح الغرب بملف تنظيم القاعدة، سارعت المعارضة إلى طمأنته بأنها ستكون الحليف الوفي والمخلص في التعاطي مع ملف الحرب على الإرهاب، رغم أن المعارضة كانت تشنع على نظام صالح أيما تشنيع بسبب إخلاله بالسيادة الوطنية، خصوصا بعد مقتل القيادي القاعدي أبي علي الحارثي في صحراء مأرب عام 2002م بواسطة طائرة أمريكية بدون طيار، وكذا بعد تسريبات وثائق ويكيليكس التي تحدثت عن سماح نظام صالح للطيران الأمريكي بضرب أهداف مفترضة للقاعدة في اليمن.

وتؤكد التصريحات الأخيرة للناطق باسم أحزاب اللقاء المشترك السيد محمد قحطان، وكذا تصريحات القيادي المعارض عبد الرحمن بافضل، أن المعارضة ستكون أكثر تفريطا في السيادة الوطنية، كما يقول ويفهم تنظيم القاعدة، وبالتالي لم تعد مراعاة الثورة من الأمور التي تهم التنظيم، مادام أن سقف أهدافها لا يتجاوز استبدال نظام علي صالح بنظام بديل يفتح الأجواء اليمنية على مصارعها للطيران الأمريكي والفرنسي، كما يؤكد عبد الرحمن بافضل.

هذا التسابق نحو الغرب بين نظام الرئيس صالح وأحزاب المعارضة في ظل تأكيد شباب الثورة على رفض الوصاية الخارجية، أقنع “تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” بأن الثورة لم يعد لها من أمرها شيء، وجاءت التطورات الأخيرة بناء على هذه القناعة، رغم تأكيدها على وقوفها إلى جانب الثورة الشبابية واتفاقها معها في كثير من الأهداف.

ويقول من التقيت بهم من أعضاء وقيادات التنظيم إن السيطرة على مدينة زنجبار جاءت بعد ثلاثة أشهر من انطلاق الثورة الشبابية في اليمن، وإن هذا الوقت كان كافيا لأن تحقق الثورة ما تريد قبل أن تتدخل الأحزاب في شؤونها، لكنها لم تفعل، بل تحولت إلى ورقة ضغط سياسية بيد أحزاب المعارضة وبعض القوى القبلية والعسكرية.

ويتساءل قادة التنظيم الذين التقيت بهم (هناك حوار سينشر لاحقا) عن سبب كيل المعارضة بمكيالين، ففي حين تقول إن الجيش سلم أبين للقاعدة دون قتال، تشيد بسقوط ألوية عسكرية في نهم وأرحب وغيرها بأيدي رجال القبائل، كما أنها تدين العمل المسلح للقاعدة في أبين، وتقره للقبائل في الحصبة وأرحب ونهم وفي محافظة تعز وغيرها.

ولا يخفي تنظيم القاعدة ألمه من تمرير ما تقوله المعارضة حول علاقة النظام بالتنظيم على كثير من شباب الثورة، رغم أن الأمور واضحة كثيرا في هذا الجانب، كما يقولون.

اللواء علي محسن من “أنصار الله” في صعدة إلى “أنصار الشريعة” في أبين
يتساءل مقاتلو أنصار الشريعة عن الأسباب التي دفعت اللواء على محسن الأحمر إلى التخلي عن محافظة صعدة لأنصار الله “الحوثيين” وإصراره على تحرير محافظة أبين من أنصار الشريعة “القاعدة”. ويتوقعون أن إظهار حسن السيرة والسلوك أمام الولايات المتحدة الأمريكية هو الدافع الأبرز، بالإضافة إلى إضعاف موقف نظام صالح، لكنهم لا يبالون بذلك في النهاية، فمنذ اندلاع الحرب بين تنظيم القاعدة والولايات المتحدة الأمريكية لم يملك العالم أجمع إلا أن يقف في صف الثانية، وكما يقولون فإنهم قد قبلوا التحدي بهذا الشكل ولم يعد أمر الـ”ضد” والـ”مع” يمثل فارقا في قاموسهم.

ماذا تعني سيطرة الجيش على مدينة زنجبار
بوصول الجيش اليمني عبر الساحل إلى المنطقة التي يتواجد فيها اللواء 25 ميكانيكي احتفل الإعلام الرسمي، وكذا الإعلام المعارض، بتحرير مدينة زنجبار من مسلحي القاعدة، وتبادل الطرفان التهاني مع الولايات المتحدة الأمريكية، كلٌ على طريقتـه. وعلى طريقتها هنأت الولايات المتحدة الأمريكية نظام صالح بشكل رسمي، وهنأت المعارضة بالشكل الذي يتناسب مع وضعها كجهة غير رسمية، أي عبر الاتصالات الخاصة.

وسيقت لعملية السيطرة روايات مختلفة لا يتطابق أي منها مع ما جرى ويجري على الأرض، دون الأخذ في الحسبان ما قد تتمخض عنه الأيام بل الساعات القادمة من أمور قد تناقض كل ما قيل، والمهم أن كل طرف يريد أن يحسب النصر لصالحه الخاص.

وبغض النظر عن صحة أخبار السيطرة بالشكل الذي صورته وسائل الإعلام الرسمية والمعارضة، لا يعتقد “تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” أنه سيخسر الكثير إذا ما فقد السيطرة على مدينة زنجبار التي يفرض سيطرته عليها منذ التاسع والعشرين من شهر مايو الماضي، فهو في كل الأحوال، سيعود إلى إستراتيجيه الخاصة والمتمثلة في حرب العصابات، وهي الإستراتيجية المناسبة له مقارنة بإمكاناته العسكرية وبوضعه الأمني بشكل عام.

وتعني سيطرة قوات الجيش على مدينة زنجبار أو على محافظة أبين أن تنظيم القاعدة سيبدأ مرحلة جديدة أكثر شراسة، يمتزج فيها العمل العسكري النظامي بحرب العصابات التي يجيدها التنظيم، كما تعني السيطرة أن التنظيم سيكون أقدر على الوصول إلى هدفه، فمعارك منطقة دوفس كانت تدور في منطقة مكشوفة لم يستطع فيها الجيش التقدم نحو زنجبار واللواء المحاصر، ولا المسلحون دحر هذه القوات.

فبعد أن تمكنت قوات الجيش من رفع الحصار عن اللواء 25 ميكانيكي والوصول إلى ملعب الوحدة القريب من اللواء، عقب الانسحاب التكتيكي للمقاتلين من جبهة دوفس، تمكن مقاتلو التنظيم عبر كمين نصبوه من قتل عشرة جنود في دوار أبين بالقرب من منطقة الملعب يوم الأحد الماضي، وقد تشهد الأيام القادمة عمليات كثيرة من هذا النوع.

وعلى الرغم من أن التطورات الأخيرة بدت مفاجئة أو مهمة، على الأقل في نظر أصحابها، ونعني بها التقدم على الأرض الذي أحرزته قوات الجيش من جهة الساحل، إلا أنها في نظر مسلحي تنظيم القاعدة، أو أنصار الشريعة في أبين، غير مهمة، بل تأخرتْ كثيرا، لأن التنظيم كان قد أفسح المجال لهذه القوات قبل أسبوع من تقدمها، في إطار إستراتيجيته الجديدة.
وكان تنظيم القاعدة في مدينة زنجبار قد واجه صعوبات كبيرة في المواجهات التي دارت في منطقة دوفس مع الحملة العسكرية المكلفة بشكل رئيسي برفع الحصار عن اللواء 25 ميكانيكي، لأسباب تتعلق بطبيعة الأرض التي يحارب عليها وبفارق إمكانات التسليح العسكري، رغم أن هذا الفارق لم يساعد قوات الجيش على التقدم إلا بصورة نسبية جدا من جهة الساحل كما أسلفنا، وجاء تقدمها الأخير بعد تراجع التنظيم بمحض إرادته.

وخلال الجولة التي كنت أقوم بها بشكل يومي برفقة مسلحي التنظيم أثناء تواجدي في مدينة زنجبار ومديرية جعار قبل التطورات الأخيرة بأسبوع، كان مسلحو التنظيم يخبرونني بأن ما سأنقله عن المعارك لن يكون له أهميته بعد أيام، لأن جديدا ما سيطرأ على الإستراتيجية العسكرية للتنظيم، دون أن يعطوني تفاصيل إضافية عن هذا الجديد، لكن ومن خلال حديثهم لي عن طبيعة المعارك في دوفس، أدركت أن للإستراتيجية علاقة بالانسحاب أو التراجع من جبهات القتال في تلك المنطقة المكشوفة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن خسائر التنظيم خلال المواجهات الأخيرة، لم تكن كبيرة، رغم الأرقام المهولة التي تتناقلها وسائل الإعلام المحلية والخارجية، والتي تعتمد عادة على مصادر مناوئة للتنظيم، فخلال عشرة أيام قضيتها هناك وتابعت فيها أخبار المعارك دقيقة بدقيقة، سقط سبعة مقاتلين من مسلحي التنظيم فقط، منهم أربعة عن طريق الطيران الأمريكي بدون طيار، ليس في منطقة المواجهات بدوفس بل في مدينة شقرة الساحلية وفي مديرية المحفد البعيدة.

وسخريةً مما تتناقله وسائل الإعلام من أخبار عن أرقام ضحايا القاعدة في أبين، قال لي مقاتلو التنظيم إن هؤلاء السبعة سيكونون سبعين في أخبار الصحف والقنوات الفضائية، لكنهم أبدوا عدم اكتراثهم بذلك، وكل ما يهمهم، كما يقولون، هو ما يحرزونه على الأرض، وما تحرزه قوات النظام على صفحات الصحف يهم قوات النظام فقط، حد تعبيرهم.

وبالعودة إلى أخبار السيطرة على مدينة زنجبار، فعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الرسمية تحدثت عن سيطرة كاملة لقوات الجيش على المدينة وأنها تقوم بعملية تمشيط لها، وأن مقاتلي القاعدة تراجعوا إلى مدينة جعار القريبة، إلا أنها لم تعرض صورة واحدة من داخل المدينة تؤكد صحة ذلك، واكتفت بنقل صور من منطقة الملعب والمناطق القريبة من اللواء، مع العلم أن هناك مسافة بين المدينة والملعب ليست بالقصيرة.

عن جيش عدن أبين
رغم الأعداد الكبيرة لمقاتلي التنظيم في محافظة أبين إلا أن عدد من كان يقاتل بهم في جبهة “دوفس” لا يتجاوز الأربعين مقاتلا، بقليل من قذائف الآر بي جي والهاون ومعدلات البيكا، بالإضافة إلى الأسلحة الشخصية.

ورغم أن التنظيم لا يمتلك إحصائية دقيقة لأعداد مقاتليه في محافظة أبين، أو لا يريد أن يتحدث عن إحصائية، إلا أن أعدادهم تبدو كبيرة جدا، فبالإمكان أن تشاهد كل يوم أشخاصا جددا قدموا من مختلف المحافظات اليمنية، بالإضافة إلى وجود مقاتلين من دول أخرى، عربية وإسلامية وأجنبية.

ورغبة منه في إشراك أكبر عدد ممكن من مقاتليه في حرب تقليدية لم يسبق لهم أن خاضوها، كان التنظيم يستبدل المقاتلين في الجبهة بآخرين بشكل شبه يومي، لكن كثيرين لم يأت عليهم الدور بعد. ولدى التنظيم مراكز تدريب وتأهيل في مناطق أخرى بمحافظة أبين وكذا محافظة شبوة.

وعلى غير ما كان متوقعا كانت المعارك تدور عن قرب، بل تصل أحيانا إلى الالتحام المباشر، وتظهر مقاطع فيديو للتنظيم عناصر من مقاتليه وهم يعتلون الدبابات ويلقون القنابل داخلها. وبحسب المشاركين في معارك “دوفس” فإن المسافة التي كانت تفصل بينهم وبين قوات الجيش في الأوقات الطبيعية (غير أوقات المعارك) لا تتجاوز الخمس مئة متر.

ومن خلال حديثي إلى مقاتلي التنظيم عن المشاركة في القتال، كانوا يبدون متحفزين جدا لخوض المعارك في جبهة القتال بدوفس أو لتنفيذ عمليات استشهادية، كما يسمونها. وعلى ذكر العمليات الاستشهادية أو الانتحارية يوجد لدى قيادة التنظيم كشف يضم أسماء مقاتليه الذين يرغبون في تنفيذ هذا النوع من العمليات، وتجاوز عدد من في الكشف الألف متطوع لتنفيذ عملية، ومعظمهم يستعجلون تكليفهم بالمهمة.

وحول نوعية العبوات التي يستخدمها “تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” في عملياته، يقول التنظيم إن العبوات الأخيرة “طُنية” أي يتجاوز وزنها الطن، وإن لها مفعولا مضاعفا جدا، كعملية العلم الأخيرة التي دمرت دبابات وبعضا من ناقلات الجند، وعملية المجمع الحكومي بمحافظة الجوف أو ما عرف بعملية المطمة، ويأمل أن يرفع وزنها إلى خمسة أطنان.

وعلى مستوى التسليح الشخصي لمقاتلي التنظيم يوجد في جعبة كل مقاتل أربعة مخازن رصاص، وأحيانا تُضاعف فتصبح ثمانية، ومكانان لقنبلتين، توضع في أحدهما قنبلة يدوية ويوضع في الآخر مصحف وكُتيب صغير يحتوي على مجموعة من الأذكار.

أما على مستوى الوضع المعيشي فلا يعاني المقاتلون أية مشاكل، لأن لديهم ما يكفيهم لأشهر، ويقولون إنهم يحصلون على الدعم في هذا الجانب من جهات وأشخاص يؤمنون بقضيتهم ومن خلال عملياتهم المالية.

عمليات خارج الحدود
لم يحُل انشغال التنظيم بمعارك محافظة أبين ضد قوات الجيش دون تنفيذه لعمليات ضد خصوم آخرين خارج حدود المحافظة، فعملية المطمة بمحافظة الجوف التي استهدفت المبنى الحكومي الشهر الماضي واتهم حزب الإصلاح نظام صالح بالوقوف وراءها لغرض إعادة الاقتتال الداخلي مع جماعة الحوثي، واتهم الحوثيون أمريكا بالوقوف وراءاها، كانت عملية انتحارية نفذها أحد عناصر تنظيم القاعدة يُدعى خطاب الحوطي، من مديرية الحوطة بمحافظة شبوة، ومؤخرا تبنى التنظيم هذه العملية.

وتقول معلومات التنظيم إن العملية التي قالت وسائل الإعلام إنها أودت بحياة شخصين كانوا في مبنى المجمع الحكومي، أودتْ في حقيقة الأمر بحياة أكثر من مئة شخص من جماعة الحوثي كانوا مجتمعين في المبنى، وإن انتشال الجثث استمر لأكثر من ثلاثة أيام.

ولا يعرف سبب دقيق لاختيار التنظيم ذاك التوقيت لتلك العملية لكنه يتحدث عن وجود لعناصر تابعة لجماعة الحوثي ضمن الحملة المكلفة برفع الحصار عن اللواء 25 ميكانيكي، ويقول إن لديه أدلة تؤكد ذلك.

الوضع العام في المحافظة
لا شيء يقلق السكان في المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو “أنصار الشريعة” بمحافظة أبين سوى التحليق الدائم للطيران الأمريكي بدون طيار، ومؤخرا القصف العشوائي للطيران اليمني والطيران السعودي، كما حدث في مديرية جعار القريبة من مدينة زنجبار.

أما مدينة زنجبار فتبدو خالية من سكانها، إلا من قلة قليلة بقوا في المدينة لعدم تمكنهم من النزوح، ويخشى هؤلاء السكان من أن يكونوا هدفا قادما لأية ضربة عشوائية لا تفرق بين مواطن وغيره.

ويعيش من تبقى من سكان مدينة زنجبار على ما يقدمه لهم مقاتلو التنظيم المتواجدون في المدينة من طعام ودواء، ويناشدون المنظمات الحقوقية سرعة النظر في وضعهم.

ومن جانب آخر يبدو حجم الدمار في مدينة زنجبار مهولا جدا، حيث طال كل شيء تقريبا، خصوصا المعالم البارزة، كمتحف زنجبار، ومبنى المحافظة، والجامعة، ومنزل الشيخ طارق الفضلي، وكثيرا من المساجد المدارس وأقسام الشرطة، وكذا ملعب الوحدة الرياضي الذي دُمر بشكل كبير، بالإضافة إلى منازل المواطنين التي سوي معظمها بالأرض.

ويبدو أن مديرية جعار القريبة ستكون أول مناطق محافظة أبين لحاقا بمدينة زنجبار، حيث أجبر القصف الجوي الأخير كثيرا من سكانها على النزوح إلى مناطق بعيدة، خصوصا وأن الأهداف التي قُصفت في المديرية لم يكن لها علاقة بمقاتلي القاعدة، كمستشفى الرازي العام وسوق المدينة وبعض المساجد والفنادق وكذا منازل المواطنين.

ويقول مقاتلو القاعدة إن الغرض من هذا القصف هو خلق حالة من الامتعاض لدى السكان من تواجد القاعدة في مناطقهم، ووضعهم تحت حرج الوضع الإنساني الصعب للنازحين، وإن النظام أو من يحاربهم يتعمدون إهمال نازحي أبين لهذا الغرض، وللغرض ذاته اتجه القصف الجوي إلى منازل ومحال المواطنين، كما يقولون.

وخلال تواجدهم في مديرية جعار وفي كثير من مناطق محافظة أبين، نجح مقاتلو القاعدة في خلق حالة من الود بينهم وبين سكان تلك المناطق، خصوصا وأن كثيرا من المقاتلين ينتمون إلى هذه المناطق، وكان نموذج القاعدة مثاليا جدا مقارنة بنموذج نظام صالح، بالنسبة لهم، فإضافة إلى الاستقرار الأمني غير المسبوق، يقوم التنظيم بتقديم بعض الخدمات للمواطنين، خصوصا في الجانب المعيشي، وقد أطلعني مسئولو إعلام التنظيم على كشوفات تحتوي على نوعية المعونات التي يقدمونها للمواطنين والتي شملت عددا كبيرا منهم، كما أن هناك “بوزتين” خُصصتا لتوزيع الماء إلى المنازل، وهو شيء يعني الكثير بالنسبة لشعب لم يعتمد على حومته يوما.

ويقول المواطنون في مديرية جعار إن كثيرا من الجرائم كالقتل والسرقة وغيرها اختفت بشكل كبير منذ أن دخل أنصار الشريعة مناطقهم، كما انتهت ظاهرة التقطع في طريق مديرية المحفد العام، وكان هذا الطريق قد عُرف بعمليات تقطع مفزعة للغاية، ووصل الحد بقطاع الطرق هناك إلى نـزع “خرص الذهب” من آذان النسـاء.

وخلال تجولنا في مديرية جعار كان كثير من الأطفال يقابلوننا بإشارات النصر ويهتفون بالتكبير والتحميد.

حالة قصاص
خلال أيام العيد أعدمت القاعدة مواطنا في مديرية جعار قصاصا، وقالت بعض وسائل الإعلام إن الحادثة جاءت في إطار تصفية القاعدة حساباتها مع أبناء القبائل المنقلبين عليها، وهو ما أنكره أهالي هذا المواطن أثناء لقائي بهم.

جدل حول مشروعية قتل الجنود ابتداءً
يبدو أن هناك اختلافا بينهم حول مشروعية قتل الجنود. لكنهم متفقون على أن ليس كل جندي مشروع قتل. فهناك الكثير من منتسبي المؤسسة العسكرية لا يتعرضون لهم، كقوات النجدة والقوات الجوية، وغيرها، كما أنهم لا يستهدفون الجنود في المحافظات الأخرى، وبمقدورهم، حد قولهم، أن يقتلوا الكثير يوميا لو أرادوا، لكنهم يستهدفون قوات الجيش والأمن في المحافظات التي تدور فيها المعارك في إطار ردة الفعل على استهداف الجنود لهم، ويبدو أن قضية قتل الجنود، بشكل عام، لم تُحسم بعد.

وكان تنظيم القاعدة يقول في السابق إن معركته ليستْ مع الجنود بل مع أمريكا ومن تحالف معها ضده، وفي عملية مأرب عام 2009م أطلق التنظيم سراح سبعة من الجنود وقعوا في قبضتهم بعد معارك مع قوات الجيش.

وأكد لي أحد قادة التنظيم الذين التقيت بهم أنهم أطلقوا سراح عدد كبير من الجنود وقعوا في الأسر خلال معارك مدينة زنجبار الأخيرة، خصوصا المعارك التي دارت في محيط ملعب الوحدة الرياضي، ونفى هذا القيادي ما تناقلته وسائل الإعلام عن إعدامات قام بها مقاتلو التنظيم للجنود الأسرى، بل إنهم دفعوا لهم تكاليف عودتهم إلى مناطقهم.

لكن عملية استهداف الجنود توسعت قليلا، ويفسر أحد قادة التنظيم هذا الأمر بأن “الذي تغير أن الجنود والمؤسسة العسكرية لم يقبلوا الحياد ووقفوا في طريقنا وقاتلونا, وأرسلوا لنا الحملات تلو الحملات”.

وللتنظيم إصدار جديد بعنوان “اذهبوا فأنتم الطلقاء” يوثق كثيرا من عمليات إطلاق سراح الجنود الذين وقعوا في الأسر، وفي فيلم “فتح زنجبار” أظهرت لقطات للمقاتلين وهم يطلقون سراح الجنود الأسرى بعد أن تعهد الجنود أن لا يقاتلون ضدهم مجددا، وقوبل هذا الأمر بارتياح واسع من قبل مواطني زنجبار.

هربوا ولم يُهرَّبوا
التقيت في أبين بثلاثة ممن هربوا من سجن المكلا المركزي في عملية الهروب الأخيرة التي شكك كثير من المتابعين في صحتها، واتهموا ـ كالعادة ـ نظام الرئيس صالح بالوقوف وراء العملية، وحجتهم أن السجن يقع في منطقة جبلية يصعب الحفر فيها، بالإضافة إلى أن العملية تشبه عملية الهروب من سجن الأمن السياسي بصنعاء في عام 2006م لثلاثة وعشرين من أخطر قيادات التنظيم، لكن للهاربين رأي مغاير تماما، فالمنطقة التي تم الحفر فيها كانت مردومة بالتراب ولم تكن أرضا صلبة، ولعل ذلك تم أثناء البناء، وقالوا إنهم واجهوا أثناء الحفر بقايا إطارات لسيارات وغيرها من المخلفات التي تدل على ردم. علما أنهم كانوا الوحيدين الموجودين في السجن، أي السجناء الثمانية والسبعين، وكانت غرف السجن مفتوحة على بعضها.

وأطلعني السجناء الفارون على إصدار الملاحم الجديد “قصة النجاة” وفيه توثيق لعملية الحفر كيف تمت، وفي التسجيل تصوير لمعظم فترات الحفر داخل السجن بكاميرا جوال.
الجدير بالذكر أن عملية العلم الأخيرة والتي راح ضحيتها عدد من الجنود، نفذها أحد هؤلاء الفارين، وبهذا تكون جهيزة قد قطعت قول كل “معارض” لصحة عملية الهروب من سجن المكلا المركزي.

استياء من أداء قناة الجزيرة
يعتقد التنظيم أن تعاطي قناة الجزيرة مع ملف القاعدة تغير كثيرا منذ بداية الثورات الشعبية العربية رغم مستجدات التنظيم الكبيرة، في اليمن وخارجه، ويجتهد البعض فيرجع هذا التغير إلى توجه إدارة القناة الإخواني، حيث تتعامل قناة الجزيرة ـ كما يقول ـ مع الثورات الشعبية كما لو أنها ثورات إخوانية بحتة، بدليل أن تفاعلها مع ثورة مصر كان مختلفا.

ويستشهد بعض أعضاء التنظيم بتعاطي قناة الجزيرة مع خبر تحرير قوات الجيش لمدينة زنجبار، فعلى الرغم من أن المصدر الرئيس للخبر هو الإعلام الرسمي اليمني والإعلام المعارض إلا أن الجزيرة بدت واثقة جدا وهي تتحدث عن سيطرة الجيش على المدينة، وكأنها رافقت عملية التحرير خطوة بخطوة قذيفة بقذيفة، كما يقولون.

وأبدوا استغرابهم من إرسال القناة مراسلين أو موفدين إلى أكثر مناطق العالم اضطرابا وتخوفهم من إيفاد من ينقل لها الحقائق من محافظة أبين، وذكروا أن نزول مراسل القناة أحمد الشلفي إلى المحافظة لم يجاوز مدينة شقرة الساحلية والتي تقع على الأطراف، رغم أنهم كانوا سيوفرون له الحماية اللازمة إن أراد أو وافق على القيام بجولة داخل المحافظة.

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية