الوصول السريع للمحتويات

القاعدة في مصر.. وإمكانيات الوجود تنظيميًا

علي عبد العل —
يكاد يجمع الباحثون وعدد من الجهاديين السابقين ومسؤلون أمنيون على نفي أي وجود تنظيمي للقاعدة في مصر، لكن لم يستبعدوا إمكانية وجود خلايا أو بعض عناصر يمكن أن تستقبل رسائل القاعدة وتوجهاتها وتتفاعل معها في وقت من الأوقات أو في ظل أحداث ما। وقد كان للقاعدة عدد من المحاولات التي سعت من خلالها إلى إيجاد موطيء قدم لها في مصر إلا أنها لم تنجح حتى الآن، وظل التنظيم يعول على الخلايا المجهولة والعناصر ذات الاستعداد

ومنذ تأسيس التنظيم الجهادي العالمي “الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والنصارى” في أفغانستان عام 1998 ومصر في عيون القاعديين، وذلك لعدد من الأسباب: فهي من أولى بلدان العالم التي نشأت فيها جماعات العمل الإسلامي، وفي عقود لاحقة ظهر فيها الفكر الجهادي، والعمل المسلح، والخروج على النظام السياسي الحاكم فيها. وكانت ومازالت مصر إحدى أهم البلاد المنتجة للجهاديين، وقد خرج منها عدد كبير من القيادات الجهادية، فهي تحظى بنصيب الأسد من بين جنسيات قادة القاعدة في العالم وربما عناصرها أيضًا. فضلا عن موقعها في قلب صراعات العالم العربي والإسلامي.

ولقد اعتمدت القاعدة في تأسيسها وانطلاقتها الأولى على نتاج الحالة الجهادية المصرية التي برزت أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وخرج قادتها من البلاد عقب الصدام مع نظام الرئيس حسني مبارك. فقد شارك في عملية التأسيس الأولى للقاعدة عدد كبير من المصريين على رأسهم زعيم تنظيم “الجهاد” الدكتور أيمن الظواهري، الرجل الثاني في القاعدة، منظّر التنظيم وعقله الإستراتيجي، والرجل الأكثر تأثيرًا حتى في شخص زعيمها (أسامة بن لادن) وأفكاره. ورغم خروجه من مصر بما يزيد عن عقدين إلا أن الظواهري (وهو طبيب جراح) يعد متابعًا دقيقا لكل ما يجري في البلاد، أصدر ـ وما يزال ـ عددا كبيرا من التسجيلات التي تناقش أدق القضايا المصرية، الداخلية والخارجية، وتواترت خطاباته في نقد الحكومة وسياساتها، ساعيًا لأن يكون حاضرًا في كل الأحداث والمجريات.


ومن بين من شهد الإنطلاقة الأولى للقاعدة من المصريين: رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية السابق (رفاعي أحمد طه) ومسؤل جناحها العسكري، الموجود حاليًا في السجون المصرية. و(محمد إبراهيم مكاوي) الشهير باسم “سيف العدل” الذي تعتقد المصادر الإعلامية وأجهزة استخبارات غربية أنه مسؤول عن جهاز الأمن في التنظيم، وأنه تولى معظم مهام القيادي الراحل في القاعدة (محمد عاطف) وهو مصري أيضا قتل مع عائلته في غارة جوية قرب العاصمة الأفغانية كابل، ويعتقد أن عاطف الذي عرف باسم “أبو حفص المصري” كان القائد العسكري للتنظيم. و(مصطفى أبواليزيد) عضو مجلس شورى القاعدة، ورجل الاقتصاد الأول فيها، وهو الرجل الثالث بعد بن لادن والظواهري، وكان يمثل همزة الوصل بين الأول وحركة طالبان في أفغانستان، كما كانت له يد في كل شئ من الشؤون المالية إلى تخطيط العمليات.

محاولات القاعدة لإنشاء فرع لها في مصر

بذلت القاعدة عددا من المحاولات التي سعت من خلالها إلى إيجاد نواة تنظيمية لها داخل البلاد، ففي أوائل أغسطس من العام 2006 أعلن أيمن الظواهري، في تسجيل له أن جناحاً في “الجماعة الإسلامية” المصرية قد انضم إلى القاعدة. وكان حريصًا في إعلانه على التوضيح أن الذين انضموا يمثّلون فقط “جناحاً” في الجماعة التي كانت قيادتها في مصر متمسكة بالمبادرة السلمية التي أعلنتها منذ سنوات وأصدرت لها تأصيلات شرعية دانت فيها بشدة أفكار القاعدة وممارساتها. ذكر الظواهري “من هذه الكوكبة الثابتة المرابطة” أبو جهاد المصري محمد خليل الحكايمة، وهو أحد قيادات الصف الثالث السابقين بالجماعة الإسلامية في صعيد مصر، وقد ظهر في الشريط بجوار الظواهري يقرأ بيان الانضمام. وكان مما قاله الحكايمة: إن للجماعة الإسلامية “أدبيات وأبحاثاً حددت أصولها الشرعية وعرضت تلك الأبحاث علي بعض هيئة كبار العلماء بمكة المكرمة عام 1988 حيث أقروها”. منتقدا أعضاء الجماعة الذين تراجعوا عن أفكارهم من داخل السجون المصرية، إذ “لا يصح للأخوة أن يبدلوا هذا المنهج الذي اتفقت عليه الجماعة”، واعتبر ذلك الرجوع ينطوي على أخطاء شرعية وانه ناجم عن ضغوط أمريكية وحكومية.

وفي محاولة لتأكيد هذا الانضمام، صدر بيان منسوب لبعض العناصر السابقة في الجماعة الإسلامية يصفون أنفسهم بـ “الثابتين علي العهد” يكرر أن الجماعة انضمت لتنظيم قاعدة الجهاد، وأن قطاعاً ضخماً منها “لا صلة له بما قامت به فئة من الجماعة”، في إشارة إلى مبادرة وقف العنف، التي “بدلت منهجها تحت مكر وضغط كبيرين” وأضاف أن الجماعة الإسلامية “مازالت مصوبة بنادقها ضد الصليبيين واليهود ومن حالفهم من الحكام الخونة”.

لكن قيادات الجماعة الإسلامية في الداخل والخارج وعلي رأسهم (كرم زهدي) رئيس مجلس شوري الجماعة نفوا هذا الكلام جملة وتفصيلا، وأكدوا تمسكهم بمبادرة نبذ العنف. وقال بيان للجماعة صدر عقب إعلان الظواهري مباشرة أن ما قاله الرجل الثاني في القاعدة لا يعبر إلا عن وجهة نظر شخصية، لا تمس بصلة من قريب أو بعيد الجماعة الإسلامية في مصر.

ويكشف الجهادي الليبي السابق، نعمان بن عثمان (وهو قيادي في الجماعة الليبية المقاتلة كان قد شارك في الجهاد الأفغاني قبل أن يساهم بشكل كبير في المراجعات التي أجرتها جماعته) أن الحكايمة تولى عند التحاقه بـالقاعدة مسؤولية اللجنة الأمنية في التنظيم، لكن جهده الأكبر كان منصبّاً على «إحياء الحالة الجهادية» في مصر وليس تنفيذ عمليات مسلحة. أظهر الحكايمة بعض النشاط وبدأ اتصالات، بعضها من خلال استخدام الإنترنت، محاولاً أن يعيد الاتصال خصوصاً بالأعضاء القدامى في الجماعة الإسلامية الذين خرجوا من السجون نتيجة المبادرة السلمية أو الاتصال بناشطين جدد. فقد عمل الحكايمة على إنشاء نواة للتنظيم في مصر باسم «القاعدة في أرض الكنانة» وبدأ ينشط عبر موقع على شبكة الإنترنت باسم «الثابتون على العهد» بهدف استقطاب العناصر الجديدة، وتحديداً من أبناء «التيار الجهادي»، وبدا في موقعه حريصاً على أن يؤثر في عناصر جماعته السابقة كي يعودوا إلى مسارهم القديم ويتمسكوا بخطهم الجهادي السابق. فكان يحاول جمعهم في إطار تحرك لإطلاق مشروع «القاعدة في أرض الكنانة»، ولكن ليس من خلال الطريقة التنظيمية السابقة والقائمة على نظام الشبكات، بل كان يريد أولاً أن يشتغل على الصعيد التعبوي. وهو كونه من أعضاء الجماعة الإسلامية بدأ يعطي النصائح ويصدر التوجيهات، فكان يركّز دائماً على ضرورة أن «تعودوا إلى الطريق الأول» وأن «تعودوا إلى عهدكم»، وعلى ضرورة أن «تنظّموا أنفسكم وتقوموا ببناء الخلايا»() ففي المراحل الأولى دائما ما يكون التركيز على إعادة بناء التنظيم.

وفي 25 أبريل 2007 أصدر القيادي السابق في جماعة “الجهاد” وأحد أبرز منظريها، السيد إمام الشريف المعروف بـ “الدكتور فضل” المسجون حاليًا في مصر منذ تسلمه من اليمن عام 2004 بيانًا يدعو فيه الحركات الجهادية إلى ترشيد عملياتها بما يتوافق مع الشرع، ويستنكر فيه ظهور صور مستحدثة من القتل والقتال باسم الجهاد انطوت على مخالفات شرعية. ثم تبعه بعدد من الأبحاث الفقهية أبرزها ما عرف بـ «وثيقة ترشيد الجهاد» كما دعا إلي وثيقة مصالحة مع الحكومة المصرية علي غرار مبادرة الجماعة الإسلامية عام 1997 . وهو ما شكل تحديا كبيرا لرجال القاعدة واستفزهم نظرًا للهجوم الشديد الذي شنه الدكتور فضل فيما بعد، وما لقيته هذه المراجعات من قبول واستحسان كافة الفصائل والقيادات الجهادية المصرية في الداخل والخارج، فتبنتها أساساً للتوجه السلمي لوقف الصدام بينها وبين الحكومة “حقناً للدماء وتحقيقاً لمصالح شرعية معتبرة”. فرد عليه من قادة القاعدة د.أيمن الظواهري، في كتاب له حمل عنوان “التبرئة”، اعتبر فيه مبادرة سيد إمام «محاولة يائسة (برعاية أمريكية) للتصدي للموجة العاتية من الصحوة الجهادية». لا تخدم سوى «مصالح التحالف الصليبي – اليهودي مع حكامنا”، وهي في الوقت نفسه “ثمرة ما تريده أجهزة المباحث والمخابرات الأمريكية من تخذيل للمجاهدين وخداع للأمة”. كما رد عليه محمد خليل الحكايمة في بيان بثه تحت عنوان “مراجعات الجهاد… حقائق ومسلمات”، قال فيه: إنّ “الأبحاث الشرعية الجديدة الصادرة من وراء شمس الحرية ما هي إلا نتاج مشروع استراتيجي للمخابرات المصرية”، وأضاف أن هذا المشروع بدأ قبل عشرة أعوام وأُطلق عليه: “خطة الاستقطاب والحوار، أي اضرب بقوة ولكن في الوقت نفسه لا مانع من أن تحاور؛ ولكن شرط أن تستقطب أنت من تحاوره إلى ما تريده”. متهما إمام بـ “قذف قيادات الجهاد بجرائم هم منها براء ثمناً لتخفييف الحكم أو طمعاً في الخروج من السجن”. ثم دعا الحكايمة شباب الأمة المجاهد “أن لايعبأ كثيراً مما يقال في السجون أو حتى من خارجها فإن قيادات الجماعات الإسلامية في مصر لا تفكر إلا في مصلحة جماعتها وهي على استعداد أن تقول أو تكتب أي شيئ من شأنه أن يحفظ هذه الجماعة أو يخرجها من السجون، على حد قوله.

وفي 24ـ 6ـ 2007 دعت «القاعدة في أرض الكنانة» إلى ضرب “كل الأهداف الصهيوصليبية” في مصر وذلك من خلال بيان وزعه “المكتب الإعلامي” التابع للتنظيم لمحمد خليل الحكايمة.
وفي بيانه دعا الحكايمة الإسلاميين المصريين إلى «نصرة إخوانهم المجاهدين في فلسطين»، قائلا: «إن الأحداث الأخيرة في فلسطين المحتلة وما ينتج عنها من قرارات صهيوصليبية بنشر قواتهم على الحدود المصرية – الفلسطينية لتؤكد على ضرورة الإعداد لمواجهة طويلة وحاسمة». وتابع، موجهاً كلامه إلى الإسلاميين المصريين: « قوموا بسواعدكم الفتية وبكل الوسائل الشرعية المتاحة لكم بضرب كل الأهداف الصهيوصليبية على أرض الكنانة مع أخذ الحيطة لدماء المسلمين المعصومة». ويشير تأكيد الحكايمة هنا على حفظ الدماء المعصومة إلى توجه جديد للقاعدة يتضمن نفي تهمة المخالفات الشرعية عن أفرادها وما يقومون به من أعمال، وهي تهمة طالما رموا بها خاصة في ظل تتابع المراجعات في السنوات الأخيرة.. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها بيان عن مسئول للقاعدة في مصر يدعو إلى تنفيذ عمليات تفجيرية.

لكن لعدد من الأسباب، لم تلق محاولات القاعدة إيجاد تنظيم لها في مصر نجاحا، ذلك لأن القائمين عليها كانوا بعيدين عما يحصل على الأرض في الساحة المصرية، ومعلوماتهم لم تكن دقيقة. كما أن وضع الحالة الجهادية في مصر كان قد تغيّر جوهرياً وتحديداً منذ أن خرجت الجماعة الإسلامية من الصراع، فالساحة الجهادية المصرية لم تكن هي الحالة نفسها التي كانت سائدة في الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي عندما كانت الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد يشنان هجماتهما. وقد تعرّضت جهود بناء «القاعدة في أرض الكنانة» إلى انتكاسة شديدة في آب (أغسطس) 2008، عندما قُتل الحكايمة في غارة أمريكية بطائرة بلا طيّار في مناطق القبائل الباكستانية. ولم تُعلن «القاعدة» رسمياً مقتله بُعيد حصوله، لكنها أقرت به بعد فترة طويلة (في 2010) من دون أن تعلن تنصيب أمير جديد لفرعها في «أرض الكنانة» بعد رحيل الحكايمة. وهي قد تكون فعلاً أجرت مثل هذه التعيينات لكن ذلك لم يُعلن بعد في شكل رسمي.

وفي 11/ 9 / 2008 كشفت القاعدة في مقال لأحد قادتها الإعلاميين ضمنًيا أن التنظيم لا يعتزم تنفيذ عمليات في مصر ولا في عدد من الدول العربية، انتظاراً لما يتمخض عن الحالة الاقتصادية والاجتماعية والظروف التي تعيشها تلك الدول من تدخل الولايات المتحدة في سياساتها، والتي في رأي صاحب المقال، ستسفر في النهاية عن مزيد من الرغبة والمسارعة إلى الانضمام إلى تنظيم القاعدة بصفته المخلص لكل تلك الظروف والمشاكل. وجاء في المقال المعنون بـ (إستراتيجية تنظيم القاعدة وبدء مخططه العظيم) … “إن الضغوطات على المسلمين كما يحدث في سوريا ولبنان ومصر والسودان والمغرب وتونس وكذا الأمر في جزيرة العرب (…) لهي مهيأة لقيام تنظيم القاعدة بتخليص الناس من معاناتهم ومحاربة هذا الظلم. مشيرا إلى أن تنظيم القاعدة “يتلقى العديد من الرسائل والوفود من أقطار الأرض” التي تطلب منه الموافقة على الانضمام للتنظيم المعولم، لكنها “ليست عجولة في اتخاذ القرارات، وتدرس الأمور دراسات مستفيضة” بحسب قوله.

مجموعات مرتبطة بالقاعدة

وإذا لم تنجح القاعدة في إيجاد تنظيم لها في مصر فإنها عملت على أن تكون مصدر إلهام لمجموعات وخلايا محلية، من خلال استمالة بعض العناصر التي تحمل أفكارًا جهادية ومستعدة للتحرك على توجهات ووسائل القاعدة الحركية. وهو جوهر ما تتضمنه فلسفة القاعدة الإدارية بأنها “مركزية في القرار ولا مركزية في التنفيذ”. وهي أيضا فكرة أو على الأرجح تكتيك صاغه محمد خليل الحكايمة في دراسة له بعنوان “الجهاد الفردي والخلية الفردية” أبان فيها عن الطريقة الأمثل للجهاديين للهروب من عيون أجهزة الأمن ومتابعاتهم، وهي التي تتحقق حينما يكون الفرد نفسه خلية، هو قائدها، وممولها، ومسئول تنظيمها، وقائد جناحها العسكري، أو أن تكون الأسرة الواحدة بمثابة خلية جهادية لا يمكن اختراقها، ولا تستطيع أجهزة الأمن أن تتابع تحركاتها، لأنها طبيعية وفي سياق اجتماعي عادي، مما يجبر أجهزة الأمن في أحيان كثيرة على القبض على خلايا من مجموعة من الأصدقاء أو الجيران دون أن تتورط الخلية أصلاً في تنفيذ عملية ما. حيث يتم تحريض خلايا منفصلة وعناصر غير معروفة (بالنسبة للأمن والمحرض على حد سواء) وتدريبها على تنفيذ عمليات انفرادية، دون أي تنسيق تنظيمي، إذ لا يربطها بالتنظيم المركزي أي رابط سوى الرابط الفكري والروحي والهدف المشترك، الذي تتحرك عليه تلك الخلية من تلقاء نفسها. فتجد أجهزة الأمن نفسها في ورطة شديدة بسبب قلة المعلومات وعدم قدرتها علي التوصل إلى الخلايا قبل أن تنفذ عملياتها.

وتلعب شبكة الإنترنت دورا كبيرا في هذا الإطار، سواء في تجنيد العناصر أو في تدريبها، حيث تمثل غرف الدردشة التي يتجاوز عدد زوارها عشرات الملايين إلى جانب المنتديات وشبكات التعارف الاجتماعي ساحات خصبة لهذا النشاط ، وقد باتت الشبكة العنكبوتية أكبر من قدرة أي جهاز أمني على اكتشافها ومتابعتها. وهو ما أتاح للقاعدة وغيرها من التنظيمات أن تُرسي لها نظاما آمنا في العمل السري، وفي العمل الحركي، وفي نقل المعلومات، وهو في الوقت نفسه معلَن ومشاهَد، ويستطيع أن يتعرف عليه كل الناس.

وكان ذلك بمثابة دافع قوي لدى أجهزة الأمن المصرية كي توسع من دائرة اشتباهاتها، حتى فتحت الباب على مصراعيه في هذا الإطار، فمن وقت لآخر تعلن تلك الأجهزة اعتقالها مجموعة صغيرة تلحق بها صفة “تنتمي” للقاعدة أو “مرتبطة” بها. وقد تكرر ذلك في مصر، ففي سبتمبر 2006 جرى اعتقال عشرات الأشخاص في مدينة الإسكندرية والبحيرة، وقالت الأجهزة الأمنية إن أعضاء “الخلية” لهم علاقة بقاعدة العراق “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين”، بل وكانوا ينوون السفر إلي العراق للانضمام إلى المقاومة السنية هناك، لكنها نفت عنهم وجود أي نوايا للقيام بأي أعمال تفجيرية داخل مصر. وفي 14 تموز (يوليو) 2007 القي القبض علي 35 شخصا من محافظتي بني سويف والقليوبية بتهمة “الإنتماء” إلى القاعدة والسعي لتشكيل تنظيم لها في البلاد، وذلك بالتنسيق مع عناصر من تنظيم القاعدة في أفغانستان وألمانيا والنمسا والكويت والإمارات والسعودية عبر شبكة الإنترنت. وفي نوفمبر 2009 قالت السلطات إنها القت القبض على مجموعة جهادية في مدينة المنصورة تتشكك في انتمائها إلى تنظيم القاعدة.

لكن باحثون وقياديون إسلاميون شككوا في صحة هذه الاتهامات، ودقة هذه التوصيفات، ونفى محامون يتابعون هذه القضايا أي علاقة بين هذه المجموعات الإسلامية التي ينتمي أغلبها إلى التيار السلفي واسع الانتشار في مصر والقاعدة. خاصة وأن أغلبهم يحصلون على البراءة بعد التحقيق معهم في ظل غياب أي دليل معتبر يمكن الاستناد إليه غير الدخول إلى المنتديات الإسلامية على شبكة الإنترنت وتناول قضايا دينية من خلال غرف الدردشة، وإبداء الآراء في بعض القضايا مثل الوضع في فلسطين والعراق والسياسات الأمريكية تجاه العالم الإسلامي. بل واتهم محامون (منهم منتصر الزيات) الدولة بـ”تلفيق” مثل هذه الاتهامات “لتمرير التمديد لقانون الطوارئ”، ولم يستبعدوا أن تكون “فرقعة إعلامية من قبل الحزب الحاكم لتمرير قانون مكافحة الإرهاب والضغط علي الرأي العام لقبول القانون بشكله الحالي بحجة أن مصر مستهدفة” من الإرهاب. كما انتقد بعضهم (عبد المنعم عبد المقصود محامي الإخوان المسلمين) نظرة الشك التي تبديها السلطات الأمنية تجاه أي برئ مشدداً على أن إستخدام أساليب الترويع في التعامل مع المواطنين لا يسفر عن أي نتائج من أي نوع بل في كثير من الأحيان ما يعترف البعض بجرائم لم يرتكبها بغرض إنقاذ نفسه من الضغوط العصبية التي يتعرض لها.

ويظهر للمحللين والمتابعين أن أجهزة الأمن باتت تتورط كثيرا في القبض علي أبرياء لم يفعلوا شيئا خاطئا من الناحية القانونية، وعلي خلايا جهادية لم تنضج بعد، وعلى إسلاميين دعويين ليس لهم علاقة بالجهاديين، وذلك لقلة المعلومات لديها، وعدم قدرتها على التحقق والتثبت من صحة ما يصلها بطريق أو بآخر، ولإطلاقها الأحكام المعممة وعشوائيتها في أحيان كثيرة. فبعض الخلايا التي ألقت أجهزة الأمن القبض عليها كانوا مجرد مجموعات من الشباب المتدين، أو أشخاص تعارفوا في غرف الدردشة، أو تحدثوا عن دور الجهاد كفريضة إسلامية في مواجهة الإذلال الذي يتعرض له المسلمون من الأمريكان واليهود وتحرير أراضيهم، لكن أجهزة الأمن لا تنتظر حتي يقع ما يمكن أدانتهم به، أو تتثبت حقيقة توجهاتهم بل تسارع إلى اعتقالهم وتوجه إليهم تهم لم يفعلوها وليس لديها دليل بها.

شبه جزيرة سيناء

بعد عدد من الهجمات التي شهدتها ومواجهات بين أجهزة الأمن ومسلحين باتت سيناء (تقع شمال شرق مصر) تمثل هاجسًا أمنيًا كبيرًا بالنسبة للسلطات في مصر، وذلك لأسباب عديدة: بعدها عن العاصمة وصعوبة السيطرة الكاملة عليها، وطبيعتها الغنية بالمناطق الجبلية الوعرة، ولتعدد مخارجها البحرية والبرية، هذا إلى جانب قربها من الأراضي الفلسطينية (الاحتلال الإسرائيلي) وقربها في الوقت ذاته من قطاع غزة الذي تديره حركة المقاومة الإسلامية “حماس” ويحظى بنشاط ملحوظ لفصائل المقاومة الإسلامية. وقد شهدت سيناء حلال السنوات الأخيرة عددا من الهجمات استهدفت مزاراتها ومنشآتها سياحية. وإذا كان هذا الجزء الشرقي من مصر يمثل بالفعل هاجسا أمنيا لدى السلطات فهو بالنسبة للباحثين والمحللين منطقة غموض عليها أكثر من علامة استفهام.

شهدت سيناء بين عامي 2004 و2006 ثلاث هجمات ضخمة، استهدفت مواقع سياحية في منتجعات (طابا) تشرين الأول/ أكتوبر 2004 ، و(شرم الشيخ) في 23 يوليو/تموز 2005، و(دهب) في نيسان/إبريل 2006، أسفرت عن مقتل وإصابة المئات بين سياح أجانب (عرب وغربيين وإسرائيليين) ومواطنين مصريين. لم يعلن تنظيم القاعدة مسؤوليته رسمياً عن أي منها، ولم يتأكد لأجهزة الأمن أن القاعدة هي من نفذت تلك الهجمات، فقد نقل الصحفي عادل حمودة في مقال له أنه كان على طائرة الرئاسة في إحدى سفريات الرئيس مبارك، وخلال نقاش بينه وبين مدير المخابرات اللواء عمر سليمان سأله حموده: “هل للمنظمات الفلسطينية دور في تفجيرات سيناء؟”. وكانت الإجابة: “أنها جماعات صغيرة.. لعبت في سيناء.. ولا وجود لتنظيم القاعدة في مصر”. لكن المراقبين والباحثين وبعض الجهاديين السابقين شرعوا يتحدثون عن قراءتهم لوجود “تنظيم الجهاد السيناوي” الذي يقف وراء هذه التفجيرات.. وهو تنظيم ذا رؤية سلفية جهادية ـ على حد توصيفاتهم ـ معظم أفراده تلقوا أفكارهم عن طريق مؤلفات تنظيم الجهاد القديمة الموجودة على الإنترنت، وهو تنظيم يتميز بالبساطة ولا يمكن وصفه بأنه أصولي تقليدي، لأنه لم يتأثر بالجانب الأخلاقي التربوي لتنظيم الجهاد، وهو يميل لاستخدام العنف في مواجهاته، والمرجح أن أفراده دخلوا حديثاً إلى التدين.

وقد صدرت بيانات على شبكة الإنترنت تعزز من هذه الفرضيات زعمت مسؤولية تنظيمين يبدو أنهما يلتمسان خطى القاعدة ولو من ناحية التكتيك والأسلوب والتنفيذ، أو ملهمين بنشاطاتها يطلق الأول على نفسه “جماعة التوحيد والجهاد” ويتزعمه ناصر خميس الملاحي (قتلته الأجهزة الأمنية في إحدى المزارع بجنوب العريش في مايو 2006). أعلن هذا التنظيم مسؤليته عن تفجيري طابا وشرم الشيخ، وجاء في بيان له: «نحن جماعة التوحيد والجهاد بأرض الكنانة مصر، نواصل الحرب المجلية لليهود والنصارى من أرض الإسلام، التي بدأت بمحور الشر والدعارة الصهيونية على أرض المناجاة سيناء بطابا ورأس شيطان ونويبع، تقبل الله شهداءنا في تلك الغزوة المباركة». أما الثاني فيطلق على نفسه “تنظيم القاعدة في بلاد الشام وأرض الكنانة- كتائب الشهيد عبد الله عزام” وأعلن مسؤوليته عن تفجيرات منتجع دهب. وقال التنظيم غير المعروف أن الهجمات استهدفت توجيه ضربة قاصمة “للصليبيين والصهاينة وللنظام المرتد المصري” مشيرًا إلى أنها جاءت في سياق الرد “على جرائم قوى الشر العالمية التي تستبيح دماء المسلمين في العراق وأفغانستان وفلسطين والشيشان”. وحذر البيان من أنه لن يتسامح مع “من يتجرأ ويمس إخواننا في سيناء البطولة.. وقسما سنثأر لشهداء سيناء الذين قضوا تحت سياط طاغوت مصر”. في إشارة إلى عمليات الاعتقال الواسعة التي شنتها أجهزة الأمن المصرية في سيناء إثر التفجيرات.

لكن في دخولها على خط التوتر الأمني في سيناء شرعت إسرائيل ـ عبر وسائل إعلامها ـ في ترويج أن سيناء غير آمنة، وأنها تمثل نقطة ضعف الأجهزة الأمنية المصرية، وأن عناصر القاعدة يتحذونها ملاذا آمنا لإنطلاق عملياتهم، سواء ضدها أو باستهداف مواطنيها الذين يترددون بقوة على منتجعات سيناء، وأنها باتت تمثل نقطة التقاء بين عناصر القاعدة وفصائل المقاومة الإسلامية في الأراضي المحتلة. فعقب التفجيرات مباشرة اتهم محللون عسكريون وأمنيون إسرائيليون معروفون بقربهم من أجهزة الأمن الإسرائيلية مصر بالفشل في محاربة “القاعدة”، فكتب المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” زئيف شيف : أنه “على الرغم من جهود مصر للجم نشاط القاعدة في شبه جزيرة سيناء فإنه من الواضح أن التنظيم يواصل نشاطه قرب الحدود مع إسرائيل”. بينما قال محلل الشؤون الأمنية والإستراتيجية في “هآرتس” يوسي ميلمان أن ثمة ثغرة أمنية في سيناء “خصوصا في منطقة خليج العقبة” سمحت بتنفيذ الهجمات. واعتبر ميلمان أن استهداف جماعات “الجهاد العالمي” منتجعات الساحل الشرقي لسيناء يعود إلى: سهولة تهريب المواد المتفجرة إليها، وقربها من مقرات القاعدة في اليمن والسعودية والأردن والعراق، والثغرات في الحدود بين قطاع غزة وسيناء. وهو ما يشير ربما إلى أحد أهداف إسرائيل من هذه الحملة، في ظل موقفها المعروف من سيطرة حركة حماس على قطاع غزة.

وفي أغسطس من العام 2007 قالت مصادر عبرية أن الرئيس المصري حسني مبارك طلب من إسرائيل إدخال بعض التعديلات على اتفاقية السلام؛ من أجل السماح للقوات المسلحة المصرية بالانتشار في سيناء لملاحقة تنظيم القاعدة. وقال موقع “ديبكا”، المقرب من المخابرات الإسرائيلية، أن مبارك طلب بصفة عاجلة وملحة من إسرائيل إجراء تعديلات على بعض بنود الاتفاقية المبرمة بين الطرفين؛ لتسمح بانتشار للقوات العسكرية المصرية في سيناء؛ “لمواجهة الانتشار الكبير لخلايا تنظيم القاعدة هناك”. وحذر الرئيس المصري، وفق المصدر ذاته، رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، من أن عدم ملاحقة القاعدة في سيناء وقطاع غزة سيشكّل خطرًا مشتركًا، ويمكن أن تتحول سيناء وغزة إلى ما يشبه إقليم وزيرستان الباكستاني.

وفي يناير من العام 2008 أدعي “دبكا” أن تنظيم القاعدة يتحكم تقريبًا في خمس مساحة سيناء، بعدما نجح في زرع بنية أساسية هائلة في أماكن لا يمكن الوصول إليها في الصحراء، وقال إن المحاولات المصرية لدخول تلك المناطق باءت بالفشل، بل تعلمت القوات المصرية ألا تقترب من تلك البؤر أو من المناطق التي يتحكم فيها القبائل البدوية التي تتعاون مع تنظيم القاعدة. وأضاف “دبكا” أن التنظيم كون شبكة مسلحة تتمركز في مدينة العريش بالإضافة إلي نقاط أخري لا يمكن الوصول إليها حول جبال الهلال في صحراء سيناء. وأن القوات المصرية يمكنها الإدعاء أن لها السيطرة علي الطرق الرئيسية فقط في سيناء، مؤكدا أن رجال مسلحين بالـ (آر بي جي) والأسلحة المضادة للدبابات في انتظار أي قوات مصرية تتجرأ وتحاول الاقتراب من الأماكن الممنوعة في سيناء. خاصة وأن طبيعة المكان توفر المأمن للقاعدة حيث الطرق المؤدية إلي المناطق العالية الحصينة (بعضها يصل ارتفاعها إلي 7500 قدم) يحرسها متاريس حجرية تحتها أفخاخ متفجرة وأي محاولات لتحريك تلك المتاريس الحجرية ستؤدي إلي انهيار الجبال علي رؤوس المحاول، بالإضافة الى الكهوف العديدة التي تنتشر في أغلب جبال سيناء والتي يتم حراستها بالمدافع الثقيلة. وانتهى إلى أن الطريقة الوحيدة لمصر للسيطرة علي سيناء هو استخدام القصف الجوي و العديد من المروحيات العسكرية والقوات الخاصة. لكن هذا لا يمكن أيضا بسبب مجموعة من النقاط منها: معاهدة سلام 1979 التي تنص علي عدم استخدام الطيران العسكري فوق سيناء. فضلا عن عدم معرفة كمية السلاح المضاد للطائرات التي يملكها مقاتلو تنظيم القاعدة.

وفي 22 نيسان/إبريل 2010 قالت إسرائيل إن صاروخي كاتيوشا سقطا على مدينة إيلات دون أن يتسببا بإصابات، موضحة أن الصاروخين أطلقا على الأرجح من الأردن أو من سيناء(). وفي شهر أغسطس 2010 سقطت خمسة صواريخ “جراد” على مدينة العقبة الأردنية وميناء إيلات الذي تحتله إسرائيل وكاد أن يشعل أزمة بين كل من مصر من جهة والأردن وإسرائيل من جهة أخرى حيث زعمت الأردن وإسرائيل أن الصواريخ التي يبلغ مداها 20 كيلومترا أطلقت من سيناء وهو ما نفته مصر بشدة. وقالت الأردن إن لديها “اثباتات” تؤكد أن الصواريخ أطلقت من شبه جزيرة سيناء. لكن أصرت المصادر الأمنية المصرية على موقفها قائلة بعدم منطقية إطلاق الصواريخ من سيناء، خاصة في ظل وجود متابعات أمنية مستمرة على طول الحدود من رفح شمالا وحتى طابا جنوبا. ونفت المصادر أن يكون قد تم إطلاق الصواريخ من عناصر فلسطينية أو تخريبية، حيث أن المنطقة مؤمنة تماما من الجانب المصرى. وقالت إنه لا يعقل أن يتم اطلاق صواريخ من سيناء، حيث أن عملية الإطلاق يسبقها نقل وتركيب منصات وهذا لم يحدث، كما أنه ليس من المنطقى نقل صواريخ من قطاع غزة إلى سيناء لإطلاقها.

وبالرغم من كل هذه الشواهد التي يقدمها الإسرائيليون للتدليل على أن للقاعدة وجود منظم في سيناء إلا أنه لا يمكن التعويل عليها، خاصة وأن قسم معتبر من الخبراء والمحللين بات يرجح نظرية المؤامرة الخارجية وأن تل أبيب وأمريكا ربما تكونا وراء تفجيرات سيناء أو على الأقل تسانداها وترحب بها سرًا، بغرض خلخلة أمن المنطقة، وخلق نوع من عدم الاستقرار للنظام المصري يسمح لهما بفرض شروط وإملاءات أو تقديم مطالب تتضمن مصالح إقليمية خاصة. لكن وإزاء ذلك فإن المواجهات التي وقعت بين قوات الأمن المصرية وعناصر مسلحة محصنة في الجبال ومدعومة من القبائل السيناوية، فضلا عن المحاولات الرسمية المصرية للتقرب من رجال القبائل بمنحهم بعض المزايا وإقامة مشروعات اقتصادية وخدمية جديدة في مناطقهم، كل ذلك ربما يشير بالفعل إلى وجود خلايا مسلحة في سيناء، قادرة على تنفيذ عمليات وشن هجمات موجعة في المنطقة وهي تعلم أنها في مأمن. لكن يبقى الجزم بأنها مرتبطة بالقاعدة محل نظر في ظل عدم توفر دلائل واضحة يمكن للباحث أن يطمئن إليها

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية