الوصول السريع للمحتويات

حراك شعبي مستمر في شمال سوريا.. هل سيتنحى الجولاني ؟

تتواصل الاحتجاجات المناهضة لهيئة تحرير الشام في مناطق شمال غرب سوريا منذ فبراير الماضي، وسُجل في الفترة الماضية التحاق شخصيات كانت في السابق محسوبة على الهيئة كعبد الرزاق المهدي، والزبير الغزي، وأبو الفتح الفرغلي، وأبو الحارث المصري الذين شغلوا مناصب شرعية فيها، إضافة إلى بسام صهيوني الرئيس السابق لمجلس الشورى العام التابع لحكومة الإنقاذ، وإبراهيم شاشو وزير العدل السابق في ذات الحكومة وغيرها من الشخصيات.

وانتشرت الاحتجاجات في كل من مدن إدلب وجسر الشغور وسلقين وأريحا وأرمناز وكفر تخاريم وحارم ودركوش، وبلدات طعوم وبنش وتفتناز ومخيمات النازحين بريف إدلب والفوعة وأطمة وحربنوش ودير حسان وخربة الجوز بريف إدلب، مدينتي الأتارب ودارة عزة بريف حلب الغربي.

تباينت الشعارات والمطالب التي يرفعها المحتجون غير أنها تدور في مجملها حول مطالب أساسية مثل تنحي القيادة الحالية للمحرر وفي مقدمتها أبو محمد الجولاني القائد العام لهيئة تحرير الشام، وحل جهاز الأمن العام، وتبييض السجون، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم التعذيب والانتهاكات التي طالت المعتقلين، وإقرار رقابة قضائية فعالة على عمل الأمنيين. وأضافت فئات أخرى مطالب مثل تنشيط الجبهات مع قوات النظام، والكشف عن مصير المفقودين ممن يغلب على الظن أنهم تعرضوا للإخفاء القسري بسبب مناهضتهم لسياسات الهيئة.

اتسع نطاق المظاهرات في الأسابيع الاخيرة، وظهرت كيانات وتجمعات جديدة أعلنت تبنيها لمطالب المحتجين مثل ” رابطة أهل العلم في الشمال السوري” التي تأسست في 13 من أبريل الجاري، ونص بيانها الأول على “اعتبار المظاهرات الشعبية الحالية من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف مع المظلوم في مواجهة الظالم” و ” تأييدها للمطالب الشعبية المشروعة” و “حرمة التعدي على المتظاهرين والتأكيد على عصمة دماء المسلمين “.

ودعت الرابطة في سياق بيانها قيادة هيئة تحرير الشام إلى “الاستجابة الفورية لمطالب الناس المحقة وعلى رأسها عزل الجولاني” و” إفساح المجال لتشكيل مجلس شورى حقيقي يكون نواة الإصلاح في المجتمع”.

موقف الرابطة الذي أخذ شكل فتوى شرعية، يُضاف إلى عدد من الفتاوى الأخرى التي راجت في الساحة السورية، وتداولها شرعيون سابقون في هيئة تحرير الشام، وشخصيات أخرى كانت على خلاف عميق معها في السنوات الأخيرة، وتنص في مجملها على أن الاحتجاجات الجارية ” وسيلة من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يشترط فيها ما يشترط فيه، ولا يجوز منعها أو إعاقتها”.

يرى مراقبون أن مطلب تنحي أو عزل الجولاني قد يكون بعيد المنال على الأقل في المدى المنظور، لأن الرجل مازال يتمتع بنفوذ قوي في هيئة تحرير الشام، وقد ضمن إلى جانبه ثلاث أوراق رابحة وهي : الجناح العسكري والجهاز الأمني و كتل المهاجرين.

فالجناح العسكري رغم الاعتقالات التي طالت عددا من كوادره إلا أن قيادته مازالت موالية للجولاني، ولاءٌ عبر عنه قائد الجناح العسكري أبو حسن الحموي في أكثر من مناسبة بشكل مباشر وغير مباشر، إضافة إلى أن الهيكلية العسكرية للهيئة التي تعتمد نظام الألوية يصعب التأثير فيها بقرار واحد. 

أما الجهاز الأمني فمسؤوله المباشر هو أبو أحمد حدود وهو من نواب الجولاني، ويدركان جيدا أن مصيرهما معلق بمدى إخلاصهما لبعضهما البعض. كما أن الاحتجاجات القائمة الآن سببها الرئيس يعود إلى ما يُنسب للجهاز الأمني من عمليات اعتقال واختطاف وتعذيب في المعتقلات، ويرفض قادة الهيئة حتى الآن مناقشة مطلب حل الجهاز، مكتفين بتغيير اسمه من جهاز الأمن العام إلى إدارة الأمن العام، ووعد بفرض رقابة شرعية على نشاط الأمنيين.

عادة تفضل مجموعات وكتل المهاجرين النأي بنفسها بعيدا عن الخلافات التي تنشب بين مكونات مجتمع الشمال السوري، إلا أن مزاجها العام يميل إلى الولاء لقادة هيئة تحرير الشام مع اعترافها ببعض مطالب المحتجين. وقد أصدرت 11 جماعة مسلحة مهاجرة بيانا موحدا أعربت فيه عن دعمها الكامل “للمطالب المحقة لأهلنا في المحرر، وتأييدنا لدعوات الإصلاح الهادفة والمنضبطة” حسب تعبيرها لكنها استدركت بتأكيدها على ما سمته ” ثقتنا التامة في قيادتنا وامرائنا ومساندتنا لهم في خطواتهم الإصلاحية المعلنة مؤخرا مع استعدادنا لتقديم كافة أشكال الدعم لهم حتى نخرج من هذه المحنة”. 

لا تخفي لغة البيان الدعم المطلق للجولاني، ففي رفض مبطن لمطالب حل الجهاز الأمني وتفكيك بعض المؤسسات الادارية التابعة لحكومة الانقاذ أكد البيان على ضرورة ” المحافظة على المكاسب التي حققتها الثورة السورية في السنوات الأخيرة بعد انتظام عقد المؤسسات فيها عسكريا وإداريا بشكل واضح، ورفضنا القاطع للعودة إلى حالة الشتات والفرقة والنزاعات التي أخرتنا أشواطا كثيرة في السابق”.

تحدثت أصوات كثيرة عن امكانية حدوث انقلاب عسكري يطيح بالجولاني والمقربين منه، ويراهنون في القيام بهذه الخطوة على قيادة الجناح العسكري، لكن الشهور الأخيرة التي شهدت حملة اعتقالات طالت قادة عسكريين بارزين على ذمة قضايا التخابر وتدبير انقلاب عسكري يستهدف القيادة العليا للهيئة أكدت أن هذا الخيار غير ممكن في الوقت الراهن، خصوصا إذا لم يكن مسنودا بتدخل عسكري خارج محافظة إدلب.

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية