الوصول السريع للمحتويات

تحقيقات داخلية واعتقالات مستمرة.. هيئة تحرير الشام على صفيح ساخن

دخل التيار الجهادي في الآونة الأخيرة نفقا جديدا، إذ تستمر قضية توقيف القيادي البارز في هيئة تحرير الشام أبو ماريا القحطاني في التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي وفي أوساط الجهاديين، مندرة بتصدعات جديدة ليس في صفوف الهيئة فقط ولكن في بنية التيار الجهادي برمته.

خلايا التجسس

ترددت في المنصات الرقمية منذ عدة أشهر أخبار وتسريبات مفادها أن هيئة تحرير الشام بصدد التحقيق مع عشرات من منتسبيها بتهم تتعلق بالتجسس والتخابر مع جهات خارجية. لم تستطع الهيئة الاستمرار في تبني سياسة الصمت لمدة طويلة خصوصا مع احتدام النقاش حول الموضوع، وتحوله الى مادة دسمة تناولها معظم الناشطين السوريين لاسيما من مناوئي الهيئة، فخرج ضياء العمر الناطق الرسمي باسم جهاز العام التابع للهيئة في 16 يوليو الماضي معترفا “برصد تحركات مشبوهة والتحقيق في تواصلات مريبة” وأكد أنه ” وبعد عمليات بحث واستقصاء استمرت لما يزيد عن الستة أشهر نعلن عن ضبط خلية جاسوسية تعمل لصالح جهات معادية”  وأضاف أنه بعد انتهاء مراحل التحقيق تم تقديم المتورطين إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل على حد تعبيره.

وفي 21 من الشهر نفسه صرح  العمر في لقاء له مع إحدى المحطات الإذاعية المحلية بوجود حوالي 54 شخصا ممن تحوم حولهم شبهات التجسس، منهم 29 شخصا تأكدت التهم الموجهة إليهم. وأضاف بأن الموقوفين هم خليط من “الشخصيات المدنية وأخرى تتبع لفصائل عسكرية وأخرى تعمل في الأجهزة الحكومية في إشارة إلى حكومة الانقاذ، وأكد أن المتهمين لهم ارتباطات مباشرة مع المخابرات الروسية ومخابرات نظام الأسد، بينما تدور الشبه حول ارتباط بعضهم بجهات أخرى دولية .

شخصيات وقنوات معارضة لهيئة تحرير الشام أكدت أن عدد المعتقلين على ذمة التحقيق في قضايا التجسس أكبر بكثير من العدد الذي تم إعلانه، وأن الهيئة تتستر على حقيقة أن بنيتها التنظيمية مخترقة من قبل المخابرات الروسية وأجهزة أخرى خارجية، وأشارت قناة “جلاد المرجئة” المقربة من تنظيم القاعدة في سوريا أن “حوالي 150 شخصا بين عنصر وقيادي من أتباع الهيئة قد ثبتت عليهم تهمة العمالة لجهات متعددة كالتحالف والروس والنظام” وأضافت ” أن هناك المزيد من العملاء غير المعتقلين وآخرين قيد التحقيق”.

توقيف القحطاني

في نهاية يوليو الماضي راجت على مواقع التواصل الاجتماعي أخبار عن توقيف أبي ماريا القحطاني القيادي البارز في هيئة تحرير الشام ضمن من تم توقيفهم في ملف “خلايا التجسس”. وزاد من مصداقية هذه الأخبار توقف الرجل عن التغريد في حسابه على منصة إكس، وقناته على التيلغرام لحوالي أسبوعين وهو الذي اعتاد التدوين بشكل شبه يومي، وفي 12 من غشت الجاري نشر تغريدة مقتضبة أعلن فيها أنه “قد مر بوعكة صحية” وهو الآن بصحة جيدة ” ولا عزاء للمنافقين والمرجفين” على حد تعبيره. زادت تغريدة القحطاني وضعه غموضا، خصوصا بعد أن قام الصحفي المقرب من حكومة الانقاذ أحمد زيدان بحذف تغريدة القحطاني بعدما قام بإعادة توجيهها إلى قناته على التيليجرام، فتأكدت الشائعات بشأن الرجل، وأن غيابه لم يكن بداعي المرض كما يدعي.

في 17 من غشت الجاري بددت هيئة تحرير الشام الشك باليقين، وأكدت في بيان لها أن القحطاني ” ورد اسمه في بعض التحقيقات التي أجريت مؤخرا” وأن القيادة العامة  أمرت” بتشكيل لجنة خاصة لمتابعة القضية، وبادرت اللجنة باستدعائه ومساءلته بكل شفافية ووضوح” وقد تبين لها أنه “أخطأ في إدارة تواصلاته دون اعتبار لحساسية موقعه أو ضرورة الاستئذان وإيضاح المقصود من هذا التواصل” وبناءا عليه “أوصت اللجنة بتجميد مهامه وصلاحياته”. وأكد البيان أن الهيئة ستتعامل مع هذه القضية بما ” يتناسب مع مصلحة الساحة وضمان أمنها واستمرار مشروعها الثوري”.

تشظي جديد

وضعت هيئة تحرير الشام نفسها من خلال بيانها في منعطف مصيري، لن يؤثر على مستقبلها فحسب ولكن سيعيد إلى حد ما تشكيل الخريطة الجهادية في المنطقة بشكل عام. فالقحطاني ليس قياديا عاديا، أو إداريا يمكن “تجميد صلاحياته” وتعويضه بآخر وتنتهي المسألة عند هذا الحد. الرجل في الواقع كان رمزا جهاديا، ونجح على مدار عشر سنوات في فرض أفكاره وتوجهاته على جبهة النصرة ثم فتح الشام وأخيرا هيئة تحرير الشام، وكان له دور بارز في التحولات التي عاشها التيار الجهادي، وأفضت إلى تشظي التيار إلى جماعات متناحرة.

القحطاني كان ثالث ثلاثة دخل معهم الجولاني إلى سوريا عندما بعثه البغدادي في  2012 لتشكيل فصيل مسلح إبان الانتفاضة السورية، وشاركا معا في تأسيس فصيل جبهة النصرة، وكان له دور أساسي في التمرد على أوامر البغدادي حينها، وحث الظواهري في رسائل مفتوحة على اتخاذ موقف صارم ضده، وكان من أوائل الجهاديين الذي وصفوا “داعش” أول تمددها إلى سوريا بالخوارج الغلاة، وأفتى بوجوب قتالهم، وكان آنذاك المسؤول الشرعي لجبهة النصرة، كما كان من أوائل من خاض معارك ضد تنظيم داعش في المنطقة الشرقية في سوريا، قبل أن ينحاز إلى جنوب سوريا في ذروة توسع التنظيم.

التأثير الذي تركه القحطاني في بنية التيار الجهادي كان واضحا أكثر من خلال تحفظه على فكرة ارتباط جبهة النصرة بتنظيم القاعدة، ثم رفضه لاحقا للخطوة، وكان من أهم الأصوات التي طالبت بفك ارتباط الجبهة بالتنظيم. وعلى مدار العقد الماضي كتب القحطاني عشرات المقالات وآلاف التغريدات، رسخ من خلالها توجهه، وحصد آلافا من المتابعين والمؤيدين في داخل سوريا وخارجها.

يمكن اعتبار فك جبهة النصرة ارتباطها بالقاعدة ثم تأسيس هيئة تحرير الشام ودخولها في حرب مع تنظيم حراس الدين الموالي للقاعدة انتصارا لأفكار القحطاني وتياره داخل هيئة تحرير الشام، وهو المسؤول تنظيميا عن ملف القاعدة وداعش في الهيئة. وتوقيفه أخيرا على ذمة قضايا ذات علاقة بخلايا التجسس والتخابر مع جهات استخباراتية أجنبية يعتبر بمثابة زلزال مدوي، ستؤثر موجاته الارتدادية على هيئة تحرير الشام والتيار الجهادي بشكل عام.

يتمتع القحطاني بنفوذ واسع داخل هيئة تحرير الشام، ويمثل ما يسمى تيار الشرقية أو قاطع الشرقية في الهيئة، وهم الأعضاء والقادة المنحدرين من منطقة دير الزور، وهي المنطقة التي استقر فيها القحطاني فترة من الزمن ونسج فيها علاقات وثيقة مع العشائر، وقاتل مع بعضها تنظيم داعش في 2014، قبل أن يتوجه إلى مدينة درعا في الجنوب فرارا من زحف داعش الذي نفذ سلسلة من المجازر الجماعية ضد العشائر أبرزها مجزرة الشعيطات الشهيرة.

إلى جانب تيار الشرقية أبدى قادة بارزون في هيئة تحرير الشام دعمهم المطلق للقحطاني، من أهمهم “جهاد عيسى الشيخ” المعروف بأبي أحمد زكور، وهو شخصية نافذة في الشمال السوري. ففضلا عن علاقاته الوطيدة بعشائر مدينة حلب، وإمساكه بالملف الاقتصادي في هيئة تحرير الشام، وقيادته لواءا عسكريا فيها، فهو أيضا جهادي سابق حارب إلى جانب الزرقاوي في 2003، وكان رفيقا قديما لأبي ماريا القحطاني، وقد كتب زكور تغريدات دفاعا عنه، واصفا إياه في إحداها “بالخال” و “بنجم في سماء الجهاد” وأضاف في تغريدة أخرى منفصلة على حسابه في منصة إكس :” أبو ماريا القحطاني أبعد ما يكون عن العمالة، وإن كان أخطأ في أمر ما فالنبي (ص) قال أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم” معربا عن ثقته في اللجنة التي تتولى التحقيق في القضية.

أما التيار المعارض للقحطاني والذي يتوقع أن يدفع بالتحقيق حتى نهايته، ويشدد الإجراءات ضده، فيمثله أبو أحمد حدود ويُعتقد أن اسمه الحقيقي هو أنس خطاب، وهو أمير جهاز الأمن العام، وإحدى أخطر الشخصيات في هيئة تحرير الشام. و “أبو محمد منظمات” وهو المسؤول عن التحقيق ومتابعة قضية الجواسيس، ويعتبر علبة سوداء، وأحد المطلعين على أغمض الملفات في الشمال السوري. وعبد الرحيم عطون القيادي الشرعي في الهيئة، إضافة إلى هؤلاء يتوقع أن تنحاز كتل المهاجرين إلى التيار المعارض للقحطاني. 

انعكاس هذه القضية على التيار الجهادي بشكل عام يمكن ملاحظة مؤشراته المبكرة في مواقف بعض شيوخ السلفية الجهادية الذين انحاز بعضهم للقحطاني مثل الشيخ السلفي المغربي عمر الحدوشي الذي طالب مستخدما لهجة تصعيدية بإطلاق سراح الرجل، وكتب تغريدة جاء فيها :” ما يقع في الجبهة من اتهام القادة الكبار بالتجسس أو التخابر تهمة فارغة، وهي التهمة نفسها التي تتم في كل الدول، والفصائل، والشيء نفسه وقع في اليمن” ووجه خطابه إلى الجولاني قائلا:” أبا محمد الأيام سجال سيأتي دورك مع غيرك وتكوى بنفس التهمة” محذرا أن “هذه التهمة ستجر ذيلها على المهاجرين”. وتحدث عن القحطاني بالقول :” ‏‎ما عرفنا عليه إلا الخير، نرجو ممن له اليد الطولى في هذا التنظيم أن يرعوي، وأن يفك سراحه بسرعة، وإلا كان له ما بعده”.

عكس ما ينادي به الحدوشي، طالب عشرات الناشطين المؤيدين للقاعدة ولمنظرها البارز أبي محمد المقدسي بمحاكمة القحطاني، واعتبروا مواقفه المناهضة للمقدسي وللقاعدة داخلة ضمن مهامه “الاستخباراتية” المفترضة.

 حراس الدين

يصنف تنظيم حراس الدين أبا ماريا القحطاني ضمن خصومه الألداء، ويحمله مسؤولية ” انحراف بوصلة الجهاد في الشام”، بل يتهمه مؤيدون للتنظيم بالمسؤولية المباشرة عن مقتل قادته الكبار. وتتردد كثيرا على قنوات أنصار التنظيم قصة مفادها أن أبا القسام الأردني القيادي السابق في حراس الدين  (قتل في يونيو 2020) كان قد ضبط القحطاني متلبسا بتصويره خلسة، وأن شجارا وقع بين الرجلين إثر الحادثة، ولم تمض سوى بضعة أيام حتى تم اغتيال القسام في إدلب شمال سوريا.

واكب تنظيم حراس الدين قضية القحطاني وخلايا التجسس، وأصدر بيانا يوم أمس بعنوان ” نحن أولياء الدم” دعا فيه إلى “تحقيق مستقل يشرف عليه خيرة مجاهدي الشام وقضاء مستقل يقوم به خيرة القضاة من بلاد الشام بحق هؤلاء الجواسيس والعملاء” وسرد البيان أسماء عدد من قادة التنظيم الذين قتلوا في ضربات جوية في السنوات السابقة، وذكر من بينهم خالد العاروري (أبو القسام الأردني) وأبو الفرج المصري وأبو محمد السوداني وأبو فراس السوري. وختم البيان بالقول بأنه قد ” آن الأوان لكشف المتورطين في دماء المسلمين وتطبيق حكم الله فيهم”

يعتبر حراس الدين وأنصاره أن توقيف القحطاني وخلايا التجسس داخل هيئة تحرير الشام هو انتصار لسرديتهم،  وضرب في شرعية الهيئة التي تفرض سيطرتها على شمال غرب سوريا، وتحظر نشاطات الحراس فيها، ودليل أيضا على اختراق من طرف جهات خارجية. 

حراس الدين سيستغل هذه التطورات لصالحه، وسيحاول استقطاب كتل المهاجرين إلى صفوفه، خصوصا إذا أكدت التحقيقات أن القحطاني ضالع في نشاطات تجسسية، الأمر الذي سيسفر بالضرورة عن انشقاقات وتصدعات في بنية الهيئة، ما يعني أن خريطة جهادية أخرى في طور التشكل.

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية