الوصول السريع للمحتويات

داعش.. شواهد الأفول وأوهام الامتداد


عبد الغني مزوز—


يحظى موضوع إمكانية عودة تنظيم داعش لاحتلال صدارة المشهد العالمي مجددا باهتمام متزايد من قبل الباحثين والمعنيين بالشأن الجهادي، ليس فقط لأن التنظيم خسر كل معاقله ومراكزه في بلد المنشأ (العراق) وبلدان الامتداد (سوريا؛ ليبيا..) بل لأن بنيته الأيديولوجية باتت مفككة ومتداعية على بساطتها وانعدام مساحات الجدل والاجتهاد داخلها، لأن التنظيم شيدها وفق رؤية عقدية وفقهية واحدة. لكن هذه البنية البسيطة لم تلبت أن ولدت مع الوقت والممارسة مماحكات منهجية داخل أروقة التنظيم سرعان ما تحولت إلى جدالات عقدية صاخبة انتهت بانشقاقات وتصفيات جسدية وتبادل تهم الكفر والعمالة. ولم تنفع اللجان والمؤسسات الكثيرة التي أنشأها التنظيم بهدف ضبط القناعات العقدية وإيقاع التكفير والتبديع عند أفراده في تطويق الأزمة ومنعها من الانتشار والاستفحال. اعتبر بعض المهتمين بالظاهرة الجهادية الأعطاب والأزمات التي يعيشها تنظيم الدولة مجرد إشكالات تنظيمية تحدث في كل الكيانات والجماعات، وتحولات طبيعية في تكتيكات المواجهة أملتها ظروف الحرب والصراع، وهؤلاء يتوقعون أن يعود التنظيم إلى سابق عهده ومجده في أي وقت، بينما يجادل آخرون أن التنظيم في النزع الأخير وأن عوامل كثيرة تظافرت وجعلت من عودته مجرد فرضيات رغبوية تفتقر إلى الوجاهة والموضوعية.

خلافة بلا رعية

إن النظر إلى ظاهرة تنظيم الدولة الإسلامية من نفس الزاوية التي يتم النظر منها إلى الكيانات والجماعات الجهادية الأخرى ينطوي على قدر كبير من سوء الفهم، وفرادة تنظيم الدولة لا تكمن فقط في السمعة التي صنعها لنفسه من خلال إصداراته المتقنة ولا من خلال جرعات التوحش والدموية التي وصمت أعماله وسلوكياته، بل لأنه يُعرف نفسه تعريفا تمايز به عما سواه من الجماعات الجهادية. إنه لا يرى نفسه تنظيما أو جماعة يجوز فيها ما يجوز في غيرها من التنظيمات والجماعات من انحسار وانشقاقات وحتى أفول. لقد قدم التنظيم نفسه على أنه خلافة على منهاج النبوة، ولا خلافة دون إمام واحد ممكن ورعية وشوكة وحدود وتعازير شرعية وجباية للزكاة وسد للثغور.. وإذا كانت الجماعات الجهادية الأخرى لا تعطي أهمية تُذكر لفكرة السيطرة المكانية وبسط النفوذ على الأرض، ولا ترى نفسها ملزمة سوى برعاية شؤون عناصرها وتأمين ما يحتاجونه من دعم ومساندة، ولا تعتبر ذلك انتقاصا من شرعيتها الجهادية، فإن تنظيم الدولة الإسلامية بناء على ما عرف به نفسه مجبر على التمتع بالحد الأدنى من السيطرة المكانية ولو بالقدر الذي يمكنه من إقامة “طقوس الخلافة” على عجل (الإعدام في الساحات العامة وبتر الأطراف وإقامة الحدود..) فبدون هذه المشهديات المثيرة لن تتمتع دعوى الخلافة بأية مصداقية لدى الأنصار والأشياع. وإذا كانت الجماعات الجهادية الأخرى لا ترى بأسا في حل نفسها أو الالتحاق بجماعات أخرى في سياق دينامية الفعل الجهادي ووفق ما تمليه ضرورات الحرب والمواجهة من تكتيكات تتراوح بين الكمون التام والظهور الحذر فإن تنظيم الدولة الإسلامية لا يمكنه إلا أن يكون بارزا وحاضرا دوما وإلا لن يكون “دولة إسلامية” ناهيك عن أن يكون “خلافة “، والذين بايعوه فعلوا ذلك لأن تلك البيعة “للخلافة” عززت عندهم الشعور بالانتماء وحررتهم من مشاعر الضياع والاغتراب خصوصا أولئك الذي وفدوا إليها من بلدان الغرب، إذا اعتبرنا أن الانتماء القبلي والعشائري في بلدان المنشأ يمكن أن يكون بديلا عن الانتماءات الأخرى.
لا يمكن فهم استماتة تنظيم الدولة في الدفاع عن معاقله خصوصا عاصمة خلافته إلا لأنه يدرك أن شرعيته ستكون مهزوزة وموضع شك – عند أنصاره- عندما يتخلى عن الأراضي التي يسيطر عليها. والعدناني في كثير من خطبه وكلماته كان واضحا في تحريم الانسحاب من المعارك تحت أي سبب. إذن، فبسط النفوذ على رقعة جغرافية ما والاحتفاظ بالمدن والمعاقل ليس خيار تكتيكيا ولا استراتيجيا بالنسبة لتنظيم الدولة بل هو جزء لا يتجزأ من هويته الجهادية التي اختارها لنفسه، إنه يرى نفسه “خلافة” راشدة، ودعا من قبل على لسان العدناني الناطق الرسمي باسمه إلى إفناء كل التنظيمات والجماعات والحركات الإسلامية ، ومهما روج قادة التنظيم في كلماتهم اللاحقة لخطاب “المحنة والابتلاء ” في محاولة منهم لتفسير حالات الانحسار والانهيار التي تعيشها “خلافتهم” فلن يستطيعوا إقناع جنودهم بها. لذلك عندما سقطت مدينة الموصل في أيدي القوات العراقية توقع الجميع أن تكون معركة مدينة الرقة ضارية وشرسة لكن الذي حصل كان العكس تماما؛ انهارت معنويات التنظيم وانسحبوا من الرقة وسلم العشرات منهم أنفسهم لقوات سوريا الديمقراطية، بعدما تفاجأوا بسقوط عاصمة خلافتهم ومدنا أخرى في العراق وسوريا وليبيا.

رحيل القادة والرموز

مع أن الحركات الجهادية قائمة على معطى أيديولوجي وعقدي جاهز ومفتوح المصدر إن صح التعبير، بمعنى أنه لا يحتاج بالضرورة إلى مرجعية متعالية تحتكر انتاج المقولات الجهادية وتفسيرها، كما هو الشأن مع الطوائف والمذاهب الإسلامية الأخرى ، إلا أن التجربة أتبتت أن هذه الحركات تتأثر بحضور أو غياب رموزها وقادتها خصوصا من المؤسسين. قتل الكثير من قادة تنظيم الدولة الإسلامية في فترة قصيرة نسبيا، قادة لم يستطع التنظيم تعويض غيابهم مهما بالغ في الإيحاء بأن رحيلهم لن يُشكل فارقا. لقد قتل كل من أبي محمد العدناني وأبي محمد فرقان وعمر شيشاني وأبو علي الأنباري و أبو مسلم التركماني وتركي البنعلي وعشرات من قادة الصف الثاني.
ثمة حقيقة بالغة الوضوح في مسيرة الجماعات الجهادية وهي أن مساحة الفراغ التي يُخلفها القادة الراحلون تكون دوما مرتعا للنزاعات والتجاذبات التي تنتهي في معظم أمرها بالانشقاقات والصراعات البينية. فلو كان عبد الله عزام حيا لأحدث فرقا في مسيرة التيار الجهادي، ولو كان أبو عبد الله أحمد حيا لم تكن مجازر العشرية السوداء في الجزاء لتحدث بالطريقة التي حدثت بها، ولو كان أبو مصعب الزرقاوي حيا لاتخذ المشهد الجهادي في العراق شكلا آخر تماما، ولو كان أسامة بن لادن حيا لما سمع العالم بتنظيم الدولة الإسلامية. وبالتالي فجزء من الخريطة الجهادية حددته التأويلات المتضاربة لموروث القادة الراحلين، فقادة تنظيم الدولة الإسلامية مثلا يجادلون في كثير من خطابتهم بأنهم الأوفياء لإرث أسامة بن لادن، واتهموا أيمن الظواهري بمخالفة وصاياه وتوجيهاته. بل إن الصراع الحاد بين أجنحة تنظيم الدولة الإسلامية الآن في إطار الخلاف المتصاعد حول تعريف بعض المفاهيم العقدية والمنهجية هو في جانب منه خلاف على تأويل قناعات القادة الراحلين وبالضبط أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر.
لم يبق من قادة تنظيم الدولة الإسلامية المعروفين والمؤثرين سوى أبو بكر البغدادي، وبرحيل هذا الأخير ستكون صفحة التنظيم قد طويت بالفعل. لأن “الخلافة” ستفقد ركنها الثاني أي ” الخليفة” بعدما فقدت الأرض والرعية. يعتبر البغدادي بمثابة الخيط الرفيع الذي يحتوي ما بقي من عقد التنظيم، ويلم ما توزع من شتاته، ولن يكون سهلا إيجاد بديل عنه في ظل تسرب الخلافات العقدية والمنهجية إلى داخل المؤسسات واللجان المسؤولة عن اختيار الأمير وتنصيبه مثل مجلس الشورى وديوان القضاء والهيئات الشرعية وغيرها. رحيل البغدادي يعني حصول بعض ” الولايات ” على مبرر شرعي للتملص من تبعات الخلافة، فالذي سيأتي بعده من المستبعد أن يحظى بالإجماع اللازم، فإما أن يميل إلى من يسمون ” بالحازمية ” وإما إلى ” البنعلية ” وبالتالي فالإجماع سيعوزه في كلتا الحالتين، وقد نشهد تنصيب خليفتين؛ واحد بمباركة هذا الطرف والآخر بمباركة الطرف الآخر، وستتوزع ” الولايات الخارجية” بين البيعة لهذا الخليفة أو البيعة لذاك.

التفكك الأيديولوجي

لم تعد الخلافات التي تضرب عميقا في البنية الأيديولوجية لتنظيم الدولة حبيسة الجلسات الخاصة واللجان التي كلفها التنظيم بالبث في هذه الخلافات والحسم فيها، بل تحولت سريعا إلى الإعلام الرسمي للتنظيم وكانت سببا في انشقاقات كبيرة مست صفوفه في معظم “ولايات” العراق وسوريا. كان المقال الذي نشرته مجلة النبأ التابعة للتنظيم وحمل بين طياته تكفيرا مبطنا لأبي بكر البغدادي بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس . ولم تفلح “المؤسسات” الكثيرة التي أنشأها التنظيم من أجل ضبط منسوب التكفير في أداء مهمتها، فاستشرى النزاع وامتد من أعلى هرم التنظيم إلى أسفله. أسس التنظيم كل من ” المكتب المركزي لمتابعة الدواوين الشرعية ” و ” اللجنة المفوضة ” واللجنة المنهجية ” و ” الهيئات الشرعية ” إضافة إلى ديوان القضاء من أجل البث في القضايا المنهجية العالقة والحسم فيها قبل تخرج عن السيطرة ويصل صداها إلى الجنود والأنصار. لكن الذي حصل أن هذه ” المؤسسات” أججت الخلاف وعمقته وأصلت له، وكشفت البيانات والتعميمات التي صدرت عنها أن النزاع غير قابل للاحتواء؛ ليس وكل طرف يرى كفر وردة الطرف الآخر.
حشد التنظيم مؤيديه وأفراده حول مجموعة من القناعات والأفكار البسيطة التي لا تسمح بمساحات كبيرة من النقاش والجدل، ونزع التركيب عن مفاهيم بالغة التعقيد والتشعب. لكن، من صلب هذه البنية البسيطة المحكمة تناسلت بؤر الخلاف والجدل، وامتدت ظلال الاحتراب المنهجي وتفاقم الشقاق العقدي، ليتحول عناصر وأنصار تنظيم الدولة الإسلامية من أنصار تنظيم عسكري محارب إلى فرق كلامية تتراشق تهم التكفير والتبديع. كان مبتدأ الخلاف حول مسألة “العذر بالجهل” وهي مسألة طالما كانت مثارا للسجالات والآراء المتضاربة في التاريخ الإسلامي، فقسم من أفراد وقادة التنظيم يرون ” العذر بالجهل ” في مسائل الكفر والإيمان، ويسمون “بالبنعلية” نسبة إلى الشيخ البحريني تركي البنعلي وكان شرعيا بارزا في التنظيم قبل أن يقتل في غارة جوية. وقسم آخر لا يعذرون بالجهل، ويكفرون من يعذر بالجهل وفقا للناقض الثالث من نواقض الإسلام العشرة التي قررها محمد بن عبد الوهاب ” من لم يكفر الكافر فهو كافر” ويسمون “بالحازمية” نسبة إلى الشيخ عمر الحازمي المعتقل في السعودية والمعروف بآرائه المتشددة في مسائل الكفر والإيمان.
نشرت “اللجنة المفوضة” وهي أعلى هيئة قيادية في هيكلية تنظيم الدولة؛ ومهمتها الإشراف على الدواوين والهيئات والمكاتب والولايات في كافة ربوع ” الدولة”؛ نشرت في مايو 2017 تعميما ملزما لكافة جنود وقادة التنظيم حول الرأي الشرعي في مسألة العذر بالجهل وعنونته بالآية الكريمة “ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة”، أكدت فيه على تبنيها للناقض الثالث، واعتقادها بأن الأصل في سكان البدان التي لا تعلوها شرائع الإسلام هو الكفر حتى يتبين العكس، وأن من يجادل عن الطواغيت ولا يكفرهم فهو كافر مثلهم. ويتضح من هذه المقولات أن اللجنة المفوضة تتبنى تأصيلات الحازمي وتسعى إلى فرضها على أفراد ومعسكرات التنظيم، وتفعيلا لهذه التوصيات قامت تنظيم الدولة بإحراق عدد من المناهج والكتب التي تُدرس في مدارس ومعسكرات التنظيم وتُلقن في الدورات الشرعية للمنتسبين الجدد.
رد تركي البنعلي على تعميم “اللجنة المفوضة” ردا مطولا، واستغرب أن يصدر مثل ذلك البيان المليء بالأخطاء الشرعية والنحوية من اللجنة المفوضة، واعتبر أن من لوازم تأصيلات ” اللجنة المفوضة” تكفير معظم قادة تنظيم الدولة الأوائل كأبي مصعب الزرقاوي وأبي حمزة المهاجر وأبي عمر البغدادي لأنهم كانوا يرون العذر بالجهل ولا يكفرون من لم يكفر الكافر.
استغل الحازمية إصابة أبا بكر البغدادي وتواريه عن الأنظار فتغلغلوا داخل معظم مفاصل التنظيم خصوصا ديوان الإعلام والجند وانفردوا بإدارة بعض “الولايات” كولاية الجزيرة، وقاموا بتصفية عدد من شيوخ وقادة تيار “البنعلي” أبرزهم أبا بكر القحطاني أحد شرعيي التنظيم، لكن ومع إمساك البغدادي مجددا بزمام الأمور بعد تعافيه من إصابته أمر بإعدام كل من تبث اعتناقه لأفكار عمر الحازمي بعد “استتابتهم”، كما ألغى التعميمات والبيانات السابقة بما فيها التعميم المثير للجدل المعنون بالآية الكريمة ” ليهلك من هلك عن بينة ” وأصدر تعميما جديدا مع سلسلة من الدروس المنهجية التي توضح عقيدة تنظيم الدولة.
قد يبدو من خلال تتبع قنوات وبيانات وإصدارات تنظيم الدولة أن الأمر قد استتب لتيار ” البنعلي” لكن المؤكد أنه لم يبق في ” الخلافة” ما يستحق التنازع حوله خصوصا في بلدان المنشأ، فالتنظيم خسر موارده ومصادر ثرواته من حقول النفط والغاز والمعابر وغيرها، وخسر معاقله كلها وتفرق معظم أفراده في بعض الجيوب المحاصرة في العراق وسوريا. أما وضع الولايات الخارجية فليس بأفضل حال، فولاية سيناء مثلا تتبنى قناعات عمر الحازمي كما يظهر في بعض إصداراتها في مخالفة واضحة لتعميم ” اللجنة المفوضة” وهي أعلى هيئة قيادية بعد ” الخليفة”، ففي إصدار “ملة إبراهيم” التي نشرته ولاية سيناء ظهر تكفيرها لبعض القيادات الإسلامية كالشيخ أحمد ياسين مع أن الشيخ ياسين رثاه أسامة بن لادن وعطية الله الليبي وغيرهما وهو ما يستلزم تكفيرهما أيضا بموجب الناقض الثالث من نواقض الإسلام العشرة عند محمد بن عبد الوهاب. ومعروف أن قيادات تنظيم الدولة لا تكفر أسامة بن لادن وعطية الله الليبي بل تعتبر نفسها امتدادا لأفكارهما .

المصالحة المستحيلة

عندما يكون الحديث عن خصومة ونزاع محتدم داخل البيت الجهادي فإن أول ما يتبارد إلى الذهن هو آفاق المصالحة ورأب الصدع وتذويب الخلافات. لكن شواهد التاريخ والواقع تؤكد أن المصالحة داخل المجال التداولي الإسلامي بله الجهادي خيار غير مطروح في سياق احتفاء أطراف النزاع بمفاهيم ” النكاية ” و “التغلب” و “صفاء المنهج” والتحرز من ” المداهنة ” والحذر من ” الركون إلى الذين ظلموا”.. فمهما بدا الخلاف سياسيا أو تنظيميا أو حتى شخصيا فإنه يُعبأ دوما بمضامين دينية وعقدية تجعل من المصالحة تفريطا في الدين وخروجا عن ثوابت العقيدة. ألسنا نعيش إلى اليوم تداعيات ما حصل في سقيفة بني ساعدة من خلافات بين كبار الصحابة، ألم يحاول علي بن أبي طالب إبرام مصالحة مع معاوية بن أبي سفيان فثار الخوارج لأجل ذلك واعتبروه كفرا وردة عن الإسلام.
إن سيناريو المصالحة بين تيارات ” الخلافة الآفلة” وتصفير الخلافات البينية داخل تنظيم الدولة الإسلامية في افق إعادة بعث التنظيم مجددا كما كان قبل أربع سنوات يبدو موغلا في السريالية. فالمنطلقات العقدية الصارمة التي قام عليها تنظيم الدولة لا تقبل التعدد ولا تحتوي على مناطق العفو والاجتهاد، وبالتالي فالآراء حول مسألة ما عنده لا تتراوح بين الراجحة والمرجوحة، بل بين الشرعية والكفرية. وعلى هذا الأساس فالآراء المتضاربة حول مسالة ما هي مشاريع تنظيمات جديدة متنافسة، فمسألة العذر بالجهل مثلا عدد الآراء حولها بعدد التنظيمات والأجنحة، وكل تنظيم يرفض التنازل عن رأيه ويحشد حوله ما يستطيع حشده من أعضاء وأنصار. وبالتالي فتنظيم الدولة سائر إلى مزيد من التفكك والتشظي، ولن يستقر حاله عند تيارين متنافسين بل سينبثق من كل تيار تيارات أخرى بعدد المسائل المثيرة للخلاف وبعدد الآراء والمواقف حولها.
إلى جانب التحديات التي تعصف بالبنيان التنظيمي والأيديولوجي “للخلافة” المعلنة قبل أربع سنوات تقريبا، هناك عامل آخر لا يقل أهمية في تعميق أزمة التنظيم وهو ما يمكننا وصفه بخفوت وهج الإنجاز، فوهج الإنجاز كان عاملا أساسيا في الاستقطاب والحشد والتعبأة. لقد حفز اقتحام التنظيم للمدن في العراق وسوريا واجتياحه الكاسح لعشرات القرى والبلدات في فترة قصيرة؛ حفز آلافا من المقاتلين للانضمام إلى صفوفه متأثرين بتلك المشاهد التي أتقن إعلاميو التنظيم تصويرها وعرضها. مع دخول التنظيم مرحلة الدفاع ثم الكمون والانحياز إلى صحاري الأنبار الشاسعة بعد خسارته لكل معاقله ومقتل معظم قياداته المؤثرة لم يعد بتلك الجاذبية التي كان يتمتع بها في بدايات تأسيسه. حتى انتاجاته الإعلامية يجد صعوبة في تسويقها فبالكاد يستطيع تأمين رابط لها أو حساب على مواقع التواصل الاجتماعي لنشرها وتوزيعها، فقد نجحت سياسة حرمانه من الملاذات الافتراضية بالإجهاز على كل مواقعه وحساباته وحسابات أنصاره في مختلف المنصات وتعهد ما استجد منها بالحذف والتعطيل على مدار الدقيقة.
بخلاف الجماعات الإسلامية والجهادية الأخرى لم يستطع تنظيم الدولة بناء قاعدة فكرية وأدبية تكون منهلا لأجياله الصاعدة وتراثا مرجعيا لأنصاره وأشياعه، فالمكتبة الفكرية التي انتجها “شيوخ” التنظيم وكتابه حتى الآن لا تتجاوز بضعة مناشير معدودة على أصابع اليدين، بخلاف تنظيم القاعدة مثلا الذي خلف منظروه وكتابه تراثا فكريا هائلا فاق أي جماعة ثورية أخرى في التاريخ . لقد تزامن صعود تنظيم الدولة الإسلامية مع طفرة في ثقافة الصورة والاقتصاد اللغوي الذي ميز مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تزامن صعود تنظيم القاعدة مع ظهور المدونات والمنتديات التي تحتفي بالكلمة المكتوبة والمقالات المطولة، فانعكس ذلك على انتاجهما الفكري والتنظيري، فتنظيم الدولة الإسلامية بالغ في توظيف وسائط الصورة والفيديو إلى الدرجة التي تجعل منه “ظاهرة بصرية” تراهن على بلاغة الصورة واحترافيتها لجذب الأنصار والتأثير فيهم وبعث رسال الرعب والدم إلى الأعداء والخصوم. بينما استغل تنظيم القاعدة فترة المنتديات الحوارية والمدونات الإلكترونية لنشر أفكاره وتأصيلها بواسطة التأليف والكتابة فظهر كتاب جهاديون شغلوا فضاء الانترنت لسنوات بكتاباتهم ومقالاتهم المؤثرة كالكاتب لويس عطية الله وأبو دجانة الخرساني وعبد الرحمن الفقير وغيرهم كما نشر التنظيم ومنظروه آلافا من الكتب والمقالات والمجلات والمنشورات التي لاتزال متاحة للقراءة والتداول على الإنترنت حتى اليوم، وقد طبع الكثير منها في كثير من البلدان.
تزحف أزمات تنظيم الدولة الإسلامية اليوم على البياضات والفراغات التي خلفها الفقر الأدبي والتنظيري المدقع للتنظيم، وانهيارات التنظيم المتلاحقة على مستوى الفعل والميدان وتفككه وتشظيه على مستوى القناعات الأيديولوجية موازاة مع صعود نماذج جهادية جديدة كل ذلك يجعل من صمود “الخلافة” ضربا من ضروب الأماني التي لا حظ لها في الواقع والإمكان. ومن الطريف أن آخر ما يخلفه عناصر التنظيم وهم يتركون مدنهم ومعاقلهم هي عبارة ” باقية وتتمدد ” التي يخطونها سريعا في الجدران قبل أن يغادروا إلى الصحاري والشتات.
مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية