الوصول السريع للمحتويات

هل بات طريق طالبان إلى السلطة سالكا ؟

عبد الغني مزوز—

تناول أغلب المعلقين والمتابعين للاتفاق الذي تم توقيعه في الدوحة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان على انه اتفاق تاريخي سينهي عقدين من القتال الضاري في أفغانستان. وهي قراءة تفاؤلية للحدث لها ما يبررها لكنها تتجاهل واقعا أشد تعقيدا ويحث على مزيد من الحدر قبل أن نصف الاتفاق بأنه نهاية للصراع في أفغانستان أو حتى بداية النهاية لهذا الصراع.
المعطى الذي لا يقبل الشك في هذا السياق هو ترامب الرأسمالي المولع بالصفقات الناجحة والمتبرم من النزيف الحاد للميزانية دون عوائد تذكر يريد أن يضع حدا لمغامرة متهورة كلفت دولته الكثير. والمعطى الآخر الذي لا يقل أهمية هو أن طالبان باتت رقما إقليميا صاعدا، فإضافة إلى أنها تسيطر فعلا على الجزء الأكبر من الجغرافيا الأفغانية فإنها أيضا بحكم علاقاتها واتصالاتها مع روسيا والصين وإيران وغيرها من الدول لم تعد منبوذة أو معزولة أو محاصرة ولم يعد بالتالي وصمها بالإرهاب أمرا ذا جدوى. والمنطق والسياسة يقتضيان في هذه الحالة المبادرة إلى فتح صفحة جديدة معها يكون فيها الحوار والمصالحة والاعتراف المتبادل عناوين رئيسية.
لقد استثمرت الولايات المتحدة كثيرا في واقع ما بعد سقوط طالبان، ورصدت ميزانيات طائلة لهندسة مجتمع أفغاني جديد يبرم قطيعة حادة مع المجتمع القبلي المقاتل المشبع بالروح الإسلامية، وإرساء نموذج ديمقراطي في الحكم وتداول السلطة ينقل البلد إلى مصاف الديمقراطيات الناشئة. غير أن الولايات المتحدة فشلت في مهمتها فشلا دريعا وفي كافة النواحي والصعب، لقد تمخض عن الغزو الأمريكي وخطط تحديث البلد واقع أعمق بؤسا وأشد تفككا، تضاعفت فيه معدلات انتاج وتصدير وتعاطي المخدرات، وتحكم أمراء الحرب وزعماء الميلشيات بمقدراته، وارتفعت نسب العنف والفوضى، وتحولت العملية الديمقراطية إلى موسم للتزوير والمنافسة غير الشريفة وتصفية الحسابات بين زعماء الحرب وبارونات المخدرات، دون أن ننسى أن أفغانستان تحولت إلى بؤرة ينشط فيها وبقوة تنظيم الدولة (ولاية خراسان).
موازاة مع هذا الإخفاق الأمريكي وفشل مشروعها في أفغانستان بدا أن حركة طالبان قد استفادت من أخطائها، وكيفت أدائها السياسي والعسكري مع التحولات التي عرفها العالم. فتحت قنوات ومكاتب اتصال، وجابت وفودها دولا عديدة، وأقامت علاقات مع دول وقوى وازنة ومؤثرة. هذا إضافة إلى ارتفاع وثيرة هجماتها ضد القوات الحكومية والأجنبية. وصارت تتعامل مع الأزمة بمنطق المطاولة والمناجزة الممتدة، والنفس الطويل. وطبخ انتصارها على نار هادئة، والاستعانة بكل الأساليب القتالية التي تؤمن قدرا كبيرا من النكاية وبتكلفة زهيدة نسبيا مثل الإغارة والكمائن والعمليات الانتحارية وتلغيم الطرق وخطوط الإمداد بالعبوات البدائية الفتاكة وغيرها. وهي تكتيكات فعالة ومميتة ولا يمكن للترسانة الحربية والتكنولوجية المتفوقة للولايات المتحدة التصدي لها أو الحد من تأثيرها بشهادة كبار الجنرالات والخبراء العسكريين، وإن شئت فانظر على سبيل المثال مذكرات الجنرال ديفيد بتريوس (بكامل رصيدنا) وفيها اعتراف بالتحدي الكبير الذي مثلته الأساليب القتالية لطالبان بالنسبة للقوات الأمريكية والحكومية والتحالف الدولي بشكل عام في أفغانستان.
في تقديري أن الاتفاق الأخير الموقع في الدوحة هو بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمثابة أفضل “تخريجة” متاحة يمكنها أن تحرر الولايات المتحدة من كابوس حرب لا نهاية نها، وفي نفس الوقت تحفظ بعض الهيبة وماء الوجه لأعظم قوة في التاريخ. فالولايات المتحدة تدرك جيدا أن طالبان عينها على كابل، وتريد استعادة زمام السلطة في كل أفغانستان لصالحها، وأن الحوار الأفغاني-الأفغاني الذي تريده الولايات المتحدة أن يكون مرحلة أخرى من مراحل حل الأزمة، هو في حقيقته نأي بالنفس ورغبة في إعطاء الفرصة للفرقاء الأفغان ليحلوا مشاكلهم بالطريقة التي يرونها مناسبة لهم. وإذا ما حصل خلاف بينهم أثناء الحوار والمفاوضات فإن حسم هذا الخلاف سيكون بالتأكيد للبندقية وبالتالي إعادة انتاج لحظة ما بعد خروج الاتحاد السوفيتي وما خلفه من فوضى واقتتال بين الفصائل الأفغانية والذي انتهى بسيطرة طالبان على السلطة في البلاد.
ما لا ينتبه إليه الكثيرون أن طالبان تعبر عن نفسها باعتبارها “إمارة إسلامية” يعني منظومة للحكم والسلطة وعناصرها بايعوا زعيمهم باعتباره أميرا للمؤمنين، وبهذا الصفة وقع زعماء الحركة الثلاث كل خطاباتهم ورسائلهم، أي أنها لا تنظر إلى نفسها كحزب سياسي أو ميلشيا عسكرية تنافس للحصول على حصتها في السلطة والثروة، بل تقدم نفسها كحكومة شرعية جرى تحييدها عن الحكم بواسطة غزو أجنبي، ولم تزدها سنوات الحرب الطويلة سوى إصرارا على استعادة زمام الحكم في أفغانستان ، فكيف يمكن اقناع هذه “الامارة” العنيدة بعد عشرين عاما من المعارك الشرسة أن موقعها في خريطة أفغانستان السياسية بعد خروج القوات الأجنبية سيكون هامشيا، وأن عليها الخضوع في آخر المطاف  لشروط اللعبة السياسية كما أسسها الغزو الأجنبي، وتنخرط في منظومة هي في أصلها وفصلها من مخرجات الاحتلال الذي لطالما قوامته بكل ضراوة.
باختصار، ستخرج القوات الأجنبية من أفغانستان وسيعقب هذا الانسحاب فوضى سياسية وأمنية سيعجز الفرقاء عن السيطرة عليها وتدبيرها، وسيحتكم الجميع إلى ما تحث أيديهم من السلاح والنفوذ وأوراق القوة، وستسيطر حركة طالبان من جديد على كابل، وستطارد زعماء الحرب ورؤوس تحالف الشمال، وستخرجهم من دائرة القرار والتأثير. وسيبدأ صراع جديد بين “الإمارة الإسلامية” والولايات المتحدة، تتكئ فيه هذه الأخيرة على سلاح العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية ومخططات الاحتواء والاختراق وشق صفها وتفكيكها من الداخل من خلال جرها إلى مساحة لعب جديدة لا يمكن لطالبان أن تزرع فيها عبوة على جانب الطريق أو تعترض قافلة امداد عسكرية في جنح الليل. فعناصر حركة طالبان وهم مجموعة من الأفراد الذين يغيرون ليلا ويكمنون نهارا، ويسيطروا على قرية في الصباح وينسحبون منها في المساء، لن يكونوا كذلك وهم مثقلون بأعباء الحكم والسلطة، ويتحملون مسؤولية شعب ينتظر منهم الرعاية وتوفير متطلبات الحياة ومقومات العيش، ولا أستبعد أن يكون هذا السناريو حاضرا في العقل الاستراتيجي الأمريكي وهو يوقع اتفاق السلام مع الحركة.
بعد ان انتهيت من تحرير هذا المقال وقبل إرساله للنشر طالعت تقريرا على الجزيرة نت، يفيد بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرح بأنه لا يستبعد عودة طالبان إلى الحكم ويطالب الحكومة الأفغانية بضمان أمنها بنفسها. وفي هذا التصريح تأكيد لما رجحنا وقوعه من السيناريوهات في المرحلة القادمة، وأن عودة حركة طالبان للحكم هو مسألة وقت لا أكثر، وعودتها للحكم لا يعني نهاية للصراع وإنما نقل له إلى مستوى آخر.. الخسائر فيه لا تقاس بمعدل القتلى والجرحى بل بمؤشرات السوق.
مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية