هل تقف تبنت القاعدة محاولة إسقاط طائرة «فلاي دبي»؟

أثار تداول مقال نُشر في العدد الأخير من مجلة البيان نقاشا واسعا بين المحللين والمعلقين المتخصصين في الشأن الجهادي، وذلك لما يوحي به من احتمالية وقوف تنظيم القاعدة خلف محاولة استهداف طائرة تابعة لشركة “فلاي دبي” كانت متجهة إلى إسرائيل في الـ30 من سبتمبر الماضي. لقد انطلق هذا النقاش أساسا من افتراضات تربط بين ما ورد في افتتاحية المجلة المعنونة بـ“بين 11 سبتمبر و30 سبتمبر”وبين سلوك التنظيمات المسلحة في تبني العمليات الكبرى، إلا أن قراءة فاحصة ودقيقة للمقال، إلى جانب فهم طبيعة الإصدار الإعلامي والظروف السياسية والميدانية المحيطة بالحادثة، تفيد بأن الاعتقاد بكون القاعدة هي المدبر الفعلي للعملية يفتقر إلى الأدلة الموضوعية، وأن ما جرى لا يعدو كونه إشادة عامة تندرج في سياق الصراع الدعائي والمنافسة الإعلامية المحتدمة بين التيارات الجهادية المختلفة على الساحة الافتراضية.

لتوضيح هذه الحقيقة، لابد أولا من تفكيك طبيعة مجلة البيان نفسها وفهم موقعها في المشهد الإعلامي الجهادي؛ فالمجلة ليست منشورا رسميا صادرا عن قيادة تنظيم القاعدة، كما أنها لا تحتوي في صفحاتها على أي مواد حصرية تخص التنظيم أو أيا من فروعه المنتشرة حول العالم. ومحتوى المجلة يقتصر تماما على كونه مجرد عملية تجميع وتوضيب لما نشرته الفروع الرسمية للقاعدة خلال أسبوع كامل، مع تقديم إحصاء أسبوعي لعدد العمليات مستندا حصرا إلى البيانات الرسمية التي تنشرها تلك الفروع. وحين يتم النظر إلى تصميم المجلة وإخراجها الفني وتبويبها الداخلي، يتضح جليا أن الهدف الأساسي من وراء إطلاقها هو منافسة مجلة النبأ الأسبوعية التي يصدرها تنظيم داعش، مما يضعها في خانة العمل الإعلامي التعبوي والمنافسة الدعائية البحتة بين داعش والقاعدة.

وعند العودة إلى المقال المثير للجدل ذاته، يتبين بوضوح عند قراءته أنه لا توجد أي إشارة حقيقية أو تلميح واضح يفيد بأن القاعدة تقف خلف محاولة استهداف الطائرة. لقد اقتصر المضمون على إشادة عامة بالعملية، مع محاولة ربطها الرمزي بذكرى أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي تم تخليد ذكراها الخامسة والعشرين قبل أسابيع قليلة من نشر المقال. ومن المعروف في الأدبيات الجهادية أن التيارات المرتبطة بهذا الفكر دأبت على الاحتفاء بأي عملية تستهدف مصالح إسرائيل والولايات المتحدة أو حلفائهما، حتى وإن كان منفذها لا يدين حتى بالدين الإسلامي أصلا كما شدد على ذلك المقال نفسه المثير للجدل؛ وهو ما يؤكد أن الإشادة بالعملية جاء نكاية في إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة، وليس دلالة أبدا على أن العملية قد تم تدبيرها أو التخطيط لها من قبل قيادة القاعدة.

أما في حال فرضنا جدلا أن القاعدة هي بالفعل الجهة التي تقف خلف العملية، فإن التعامل التنظيمي مع الحدث سيخضع لحسابات معقدة ومحكومة بظروف ميدانية وسياسية دقيقة. فمن الناحية التاريخية والتقليدية، قد يرجئ التنظيم إعلان مسؤوليته المباشرة مراعاةً لظروف الطيار المعتقل والتحقيقات الجارية معه وحتى لا يستخدم التبني ضده في التحقيق والمحاكمة خصوصا إذا أنكر الطيار ارتباطه بالارهاب، لكن من ناحية أخرى قد تسارع القاعدة إلى تبني العملية إذا رأت أنها ستحصد مكاسب في ذلك تماماً كما فعلت سابقاً في عملية عمر فاروق عبد المطلب الذي أخفق في تفجير الطائرة المتجهة إلى ديترويت وتم اعتقاله، حيث سارعت القاعدة حينها لتبني عمليته . غير أن السيناريو الأكثر ترجيحاً.

نقطة أخرى مهمة وهي أنه إذا صحت الأقاويل الرائجة بأن الطيار قد تم تجنيده على الأراضي السورية، فعلى الأرجح لن تتبنى القاعدة العملية في الوقت الراهن؛ وذلك لتفادي إحراج القيادة السورية الجديدة، وحتى لا تعطي أي مبرر لحكومة أحمد الشرع لشن حملات تطهير أمنية واسعة ضد بقايا المجموعات والتكتلات الموالية للقاعدة في سوريا.

وبناءً على ما سبق، فإن الربط المتسرع بين ما نشرته مجلة البيان وبين تورط تنظيم القاعدة في عملية فلاي دبي يفتقر إلى الأدلة الموضوعية المباشرة. لأن مقال المجلة يأتي في سياق الاستثمار الإعلامي والاحتفاء الدعائي بالمواقف العدائية لإسرائيل وأيضا في إطار التنافس بين القاعدة وداعش في الفضاء السيبراني. ولا يحمل أي إشارة توحي بوقوف القاعدة خلف الخلفية، وعندما تريد هذه الأخيرة تبني عملية ما فإنها تفعل ذلك بشكل مباشر من خلال مؤسساتها الرسمية المعروفة.

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية