بعد خمسة أيام من انتهاء «العزم الصلب».. داعش يعود إلى العراق بعملية في صحراء الأنبار

بعد أقل من أسبوع على انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق، وفي لحظة أعلنت فيها بغداد انتقال البلاد إلى مرحلة جديدة من «السيادة»، أعلن تنظيم داعش تنفيذ أول عملية له في العراق منذ مغادرة القوات الأميركية، في مؤشر مبكر إلى أن التنظيم، رغم تراجع قدرته العملياتية إلى مستويات غير مسبوقة، لا يزال يحتفظ بخلايا قادرة على تنفيذ هجمات محدودة في المناطق الصحراوية النائية.

وبحسب بيان نشره التنظيم، نفذت عناصر تابعة لـ«ولاية العراق» هجوما بعبوة ناسفة استهدف آلية عسكرية للجيش العراقي في صحراء الأنبار، ما أدى، وفق رواية التنظيم، إلى مقتل وإصابة خمسة من عناصر الجيش وتدمير مدرعة.

وتكتسب العملية أهمية تتجاوز حجمها العسكري المحدود، إذ جاءت في توقيت شديد الرمزية والحساسية بالنسبة إلى التنظيم والحكومة العراقية على السواء أي بعد أقل من أسبوع من إعلان الولايات المتحدة انتهاء عملية «العزم الصلب» في العراق، والإعلان هزيمة التنظيم والقضاء على قدراته في العراق ومن تم سحب ما تبقى من القوات الأمريكية هناك.

نهاية «العزم الصلب» وبداية الاختبار العراقي

في 30 سبتمبر/أيلول، غادرت آخر القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي الأراضي العراقية، منهية بذلك رسميا مهمة «العزم الصلب» التي بدأت عام 2014 لمواجهة تنظيم داعش، بعد أن تمكن التنظيم في ذلك العام من السيطرة على مساحات واسعة من العراق، واجتاح عددا من البلدات والمدن العراقية من بينها مدينة الموصل.

وجاء الانسحاب في أجواء احتفالية عراقية لافتة. فقد أقامت الحكومة في 30 سبتمبر مراسم رسمية بمناسبة «يوم السيادة»، وأعلنت المناسبة عطلة رسمية، في خطوة أرادت بغداد من خلالها تأكيد انتقال المسؤولية الأمنية كاملة إلى مؤسسات الدولة العراقية.

لكن المفارقة أن أول عملية يعلنها داعش في العراق بعد هذا التحول جاءت سريعا جدا، لتمنح الهجوم قيمة رمزية بالنسبة إلى التنظيم، حتى وإن كانت العملية نفسها محدودة من حيث الحجم والتأثير.

نجاح العملية لا يعني بأي حال عودة داعش إلى وضعه الذي كان عليه قبل عام 2017. فالتنظيم فقد قدرته على السيطرة على المدن والأراضي، وتعرضت بنيته القيادية والعسكرية لضربات متلاحقة، فيما تمكنت الأجهزة العراقية من قتل واعتقال عدد كبير من قياداته وعناصره.

وخلال السنوات الماضية، نجحت القوات العراقية، بدعم استخباري وعسكري من التحالف، في تفكيك جانب كبير من شبكات التنظيم، وقتل عدد من قياداته البارزة واعتقال آخرين، الأمر الذي أفقد داعش معظم بنيته التي سمحت له في السابق بشن عمليات واسعة ومنظمة.

ولذلك تبدو العملية الأخيرة أقرب إلى رسالة يريد من خلالها تنظيم داعش أن يقول أنه لايزال له وجود وقدرات في العراق ويستطيع أن يضرب متى واتته الفرصة.

وتتوافق هذه الصورة مع التراجع الكبير جدا في نشاط التنظيم داخل العراق. فقد أصبحت عملياته محدودة ومتقطعة، مقارنة بالمراحل السابقة، ولم يعد العراق يحتل موقعاً بارزاً في البيانات والحصاد الأسبوعي الذي ينشره التنظيم.

بل إن التراجع وصل إلى مستوى جعل العراق يغيب في أحيان كثيرة عن قائمة العمليات التي يستعرضها التنظيم أسبوعياً، في حين أصبحت ساحات مثل الساحل الأفريقي ووسط أفريقيا وخراسان أكثر حضورا في إنتاجه الدعائي والعملياتي.

لماذا جاءت العملية الآن؟

من المبكر الجزم بأن الهجوم يمثل بداية موجة جديدة من عمليات داعش في العراق، لكن التوقيت يمنحه أهمية سياسية وإعلامية خاصة.

فالتنظيم يستطيع استخدام العملية للقول إن انتهاء «العزم الصلب» لم ينه وجوده، وإن إعلان هزيمته لم يكن يعني القضاء الكامل على شبكاته.

ومن المرجح أن يحاول خلال الفترة المقبلة تنفيذ مزيد من العمليات الصغيرة لإثبات قدرته على البقاء وإحراج السلطات العراقية، وليس بالضرورة لاستعادة الأراضي التي فقدها، أو التوسع الميداني.

وهنا تكمن أهمية الفراغ الأمني المحتمل الذي خلفه الانسحاب الأميركي. فالولايات المتحدة لم تعد تمتلك قوات قتالية داخل العراق، وأصبحت المسؤولية الرئيسية في مواجهة فلول داعش تقع على عاتق القوات العراقية.

وقد يمثل ذلك فرصة للتنظيم من أجل اختبار البيئة الأمنية الجديدة: هل تستطيع القوات العراقية اكتشاف الخلايا وملاحقتها بالفاعلية نفسها بعد انتهاء المهمة الدولية؟ وهل تستطيع بغداد منع ظهور فراغات أمنية في المناطق الصحراوية والنائية التي يمكن لخلايا داعش استغلالها للاختباء والتحرك؟

ومن هذه الزاوية، قد تكون عمليات مثل هجوم الأنبار محاولة من التنظيم لاختبار البيئة الأمنية الجديدة أكثر من كونها بداية لحملة عسكرية واسعة.

داعش سيحاول إثبات أنه لم يُهزم

من المرجح أن يحاول التنظيم في الأيام والأسابيع المقبلة رفع وتيرة عملياته في العراق بصورة ملموسة، خصوصا إذا تمكن من استغلال أي ثغرات أمنية تظهر بعد خروج القوات الأميركية.

لكن الهدف الأساسي لن يكون، على الأرجح، استعادة المدن أو السيطرة على أراضٍ واسعة، وإنما تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: إثبات الوجود، واستغلال الفراغات الأمنية، وإظهار أن انتهاء «العزم الصلب» لم يكن نهاية المعركة مع التنظيم.

وسيكون التوقيت مهما بالنسبة إلى الدعاية الداعشية؛ فكل عملية تنفذها خلايا التنظيم بعد الانسحاب الأميركي يمكن تقديمها باعتبارها دليلا على أن سنوات الحرب لم تقضِ على التنظيم بصورة نهائية.

وبذلك، قد يحاول داعش تحويل العمليات الصغيرة إلى “سرديات دعائية” أكثر منها معارك عسكرية؛ أي القول إن الولايات المتحدة غادرت العراق بعدما أعلنت نجاح مهمتها، بينما لا تزال خلايا التنظيم قادرة على تنفيذ هجمات ضد القوات العراقية.

التنظيم بدون قيادة عراقية

المفارقة الأبرز في المشهد الحالي أن داعش الذي نشأ وتوسع في العراق لم يعد يقاد بالضرورة من عراقيين، كما كان الحال خلال مراحل التنظيم الأولى.

فهويّة زعيم داعش الحالي، المعروف باسم أبو حفص الهاشمي القرشي، لا تزال غير معلنة بصورة رسمية، لكن تقديرات أممية واستخبارية تحدثت عن احتمال أن يكون المقصود بهذا الاسم عبد القادر مؤمن، زعيم تنظيم داعش في الصومال.

وإذا صحت هذه التقديرات، فإن ذلك يمثل تحولا مهما في طبيعة التنظيم؛ إذ لم تعد القيادة العليا مرتبطة بصورة مباشرة بالعراق وسوريا، وأصبح التنظيم شبكة عالمية متعددة الفروع، تمتلك مراكز ثقل متزايدة في أفريقيا.

كما أن المتحدث الرسمي للتنظيم كان، في المرحلة الأخيرة، من اليمن، في مؤشر إضافي على تراجع الطابع العراقي والسوري للقيادة المركزية لداعش.

وهذا التحول مهم لفهم وضع التنظيم في العراق. فالعراق لم يعد مركز الثقل الوحيد لداعش، وربما لم يعد مركز ثقله الرئيسي أصلا. لقد أصبح التنظيم يعتمد على فروع متعددة، فيما يعمل العراق وسوريا كساحتين لخلايا صغيرة تحاول المحافظة على وجود رمزي يحفظ ” للخلافة” المعلنة الحد الأدنى من الشرعية لدى أنصار التنظيم في العالم.

باختصار، عملية صحراء الأنبار تبدو أقل أهمية من حيث خسائرها العسكرية، وأكثر أهمية من حيث توقيتها ورسالتها.

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية