جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تكثف هجماتها في بوركينا فاسو وسط تنافس متصاعد مع داعش

كثفت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، خلال الأيام الأخيرة عملياتها ضد القوات الحكومية في بوركينا فاسو، في سلسلة هجمات طالت مواقع عسكرية في مناطق متفرقة من البلاد، وفق بيانات أصدرتها الجماعة ونشرتها مؤسسة الزلاقة التابعة لها.

وتشير هذه العمليات، التي تركزت بين أواخر سبتمبر ومطلع أكتوبر، إلى استمرار اعتماد الجماعة على الهجمات المتزامنة ضد النقاط العسكرية المعزولة، والاستيلاء على الأسلحة والمعدات، في وقت تسعى فيه إلى توسيع نطاق نفوذها خارج مناطق انتشارها التقليدية.

سلسلة من الهجمات

في 29 سبتمبر، أعلنت الجماعة مقتل خمسة عناصر من الجيش البوركيني خلال هجمات على ثلاث نقاط عسكرية في مناطق مختلفة، مشيرة إلى الاستيلاء على أسلحة رشاشة ودراجات نارية ومعدات أخرى.

وفي اليوم نفسه، أعلنت مقتل عنصرين من الميليشيات الموالية للحكومة خلال هجوم على نقطة عسكرية في منطقة سيلميسيري، والاستيلاء على أسلحة ودراجات نارية وعتاد آخر.

كما أعلنت الجماعة في اليوم ذاته مقتل عنصر من الجيش خلال هجوم على نقطة عسكرية في منطقة لالغايي بولاية كولبيلوغو، والاستيلاء على آلية عسكرية وأسلحة وعتاد.

وفي 30 سبتمبر، أعلنت الجماعة السيطرة على نقطة عسكرية في منطقة سولي بولاية لوروم، بينما أظهرت بيانات أخرى هجمات على مواقع عسكرية في مناطق تقع ضمن نطاق واهيغويا، بما في ذلك تدمير آلية عسكرية والاستيلاء على أسلحة ومعدات.

وتأتي هذه العمليات ضمن نمط متكرر للجماعة يتمثل في استهداف المواقع العسكرية الصغيرة أو المعزولة، ثم اغتنام الأسلحة والمركبات والذخائر الموجودة فيها. ولم يتسن بصورة مستقلة التحقق من جميع الأرقام والخسائر التي أوردتها الجماعة في بياناتها.

توسيع رقعة النشاط

ولا تبدو أهمية هذه الهجمات مرتبطة بحجم الخسائر المعلنة فقط، وإنما بتوزيعها الجغرافي وتواترها. فالجماعة تعمل منذ سنوات على توسيع نطاق عملياتها من شمال وشرق بوركينا فاسو باتجاه مناطق الوسط والجنوب والحدود مع دول خليج غينيا.

وتشير بيانات مركز ACLED إلى أن نفوذ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين امتد إلى معظم الأراضي البوركينية، بالتوازي مع توسع نشاطها في مالي والنيجر ومناطق حدودية في بنين وتوغو وساحل العاج. كما شهدت عمليات الجماعة في بوركينا فاسو زيادة في التواتر والنطاق الجغرافي خلال السنوات الأخيرة.

ويعني ذلك أن استهداف النقاط العسكرية المنتشرة في المناطق الريفية لا يقتصر على إيقاع خسائر بالقوات الحكومية؛ إذ يمكن أن يؤدي تكرار هذه الهجمات إلى إضعاف الانتشار الأمني في المناطق النائية ودفع القوات إلى التركيز في المراكز الحضرية، بما يترك مساحات أوسع أمام الجماعة لبناء شبكات نفوذ محلية.

الهجمات في سياق التنافس مع داعش

وتجري هذه التحركات في سياق تنافس مستمر بين نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم داعش في منطقة الساحل، ولا سيما مع فرع داعش في الساحل، الذي ينشط في المناطق الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

وقد شهدت مناطق في بوركينا فاسو خلال الفترة الأخيرة مواجهات مباشرة بين الطرفين على خلفية التنافس على السيطرة والنفوذ، بعد انتهاء فترة من التهدئة النسبية بينهما. وأشار تقرير للأمم المتحدة إلى وقوع اشتباكات بين الجماعتين في إقليم ياغا ببوركينا فاسو، إلى جانب مواجهات في مالي والنيجر، بسبب التنافس على السيطرة على الأراضي.

كما وثّق مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية تزايد المنافسة بين الجماعتين، بما في ذلك اشتباكات في غرب بوركينا فاسو وشمال مالي.

وبالتالي، فإن تكثيف عمليات نصرة الإسلام والمسلمين يمكن قراءته، من بين عوامل أخرى، في إطار محاولة الحفاظ على المبادرة الميدانية وتوسيع مناطق النفوذ في مواجهة القوات الحكومية وكذلك منافسها الجهادي داعش.

من استنزاف الجيش إلى بناء النفوذ

وتكشف طبيعة الهجمات الأخيرة عن تركيز واضح على المواقع العسكرية الصغيرة، وهو أسلوب يسمح للجماعة بتحقيق أكثر من هدف في وقت واحد: إضعاف الانتشار الحكومي، الحصول على أسلحة ومركبات، وإجبار القوات على إعادة توزيع وجودها.

ويأتي ذلك في وقت أظهرت فيه الجماعة خلال الفترة الماضية قدرة أكبر على تنفيذ هجمات واسعة ومنسقة. ووفق ACLED، تمكنت في 2025 من تنفيذ عمليات أدت مؤقتًا إلى السيطرة على عواصم إقليمية مثل جيبو ودياباغا، فيما أصبحت عملياتها تشمل كذلك استخدام تكتيكات هجومية أكثر تعقيدًا.

وبذلك تبدو الهجمات الأخيرة جزءا من مسار أوسع يتجاوز استهداف القوات الحكومية إلى محاولة تغيير خريطة السيطرة والنفوذ داخل بوركينا فاسو. فكلما تراجعت قدرة الدولة على حماية النقاط والطرق والمناطق الريفية، ازدادت قدرة الجماعة على التحرك وفرض ترتيبات محلية والحصول على الموارد، وهي عوامل تساعدها على ترسيخ وجودها وتوسيع عملياتها.

وفي المقابل، تواجه السلطات البوركينية تحديا يتمثل في الحفاظ على انتشار عسكري واسع في بلد تتوزع فيه بؤر النشاط المسلح على مساحات كبيرة، بينما تعتمد بصورة متزايدة على الجيش ومتطوعي الدفاع عن الوطن في تأمين المناطق الريفية.

وهكذا، فإن سلسلة الهجمات التي شهدتها بوركينا فاسو في الأيام الأخيرة لا تبدو مجرد عمليات متفرقة، بل تأتي ضمن منافسة أوسع على الأرض بين الدولة والجماعات المسلحة، وبصورة خاصة بين نصرة الإسلام والمسلمين وداعش، مع سعي الجماعة المرتبطة بالقاعدة إلى تثبيت نفوذها في مناطق جديدة ومنع منافسها من توسيع حضوره داخل البلاد.

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية