
في مؤشر لافت على تصاعد نشاطه العملياتي داخل سوريا، نشر تنظيم داعش خلال الأسبوع الجاري ثلاث مواد إعلامية متتالية توحي بمحاولة استعادة حضوره الميداني والدعائي بعد فترة من الانكفاء النسبي. فبحسب البيانات التي أصدرها، أعلن التنظيم استهداف صهريج نفط قرب مدينة منبج بريف حلب، كما تبنى تفجير عبوة لاصقة استهدفت آلية لرئيس قسم القصر العدلي في بلدة ببيلا جنوبي دمشق، وقبل ذلك أعلن عبر وكالة “أعماق” مسؤوليته عن هجوم نوعي استهدف مقرا أمنيا محصنا للنظام السوري في مدينة الرقة.
وتبرز عملية الرقة باعتبارها الأخطر بين العمليات الثلاث، ليس فقط بسبب طبيعة الهدف المستهدف، وإنما أيضا بسبب الرسائل الأيديولوجية والدعائية التي حرص التنظيم على إيصالها من خلالها. فبحسب الرواية التي نشرتها وكالة “أعماق”، نفذ الهجوم انتحاريان ( ابو البراء المهاجر وأبو عائشة الأنصاري) أحدهما أجنبي تمكنا من الوصول إلى بوابة المقر الأمني والاشتباك مع عناصره قبل تفجير أحدهما سترته الناسفة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وإحداث أضرار مادية داخل الموقع.
لا تكمن أهمية العملية بالنسبة للتنظيم في نتائجها الميدانية فحسب، بل في التفاصيل التي تعمد إبرازها وترويجها إعلاميا. فقد نشر التنظيم صور المنفذين وأشار إلى أن أحدهما “مهاجر”، وهو توصيف يستخدمه للإشارة إلى العناصر الأجنبية المنضوية في صفوفه. ويبدو أن هذه الإشارة لم تكن عرضية، بل جاءت ضمن محاولة مدروسة لإظهار أن التنظيم لا يزال قادرا على استقطاب مقاتلين أجانب رغم التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الماضية.
رسالة موجهة إلى الجهاديين الأجانب
يسعى داعش من خلال هذه العملية إلى ترسيخ انطباع مفاده أن مشروعه ما يزال جاذبا ومرحبا بالمقاتلين الأجانب وأنه يمثل الوجهة البديلة لأولئك الذين يشعرون بالتهميش أو فقدان الدور في المرحلة الجديدة التي تشهدها سوريا.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل التوترات المتكررة بين السلطات السورية الجديدة وبعض المجموعات الجهادية الأجنبية التي قاتلت إلى جانب المعارضة المسلحة خلال السنوات الماضية، ولا سيما بين بعض العناصر الأوزبكية والفرنسية وغيرها من الجنسيات الأجنبية. وقد أفرزت هذه التوترات حالة من الضبابية بشأن مستقبل هؤلاء المقاتلين وموقعهم داخل المشهد السوري الجديد، ومدى ولائهم وانضباطهم في وزارة الدفاع السورية.
وفي هذا السياق، يبدو أن داعش يحاول استغلال أي شعور بالإقصاء أو عدم اليقين لدى تلك المجموعات، عبر تقديم نفسه باعتباره الملاذ القادر على استيعابهم ومنحهم دورا جديدا داخل مشروع جهادي بديل. ومن هنا يمكن فهم حرصه على تسليط الضوء على هوية أحد منفذي هجوم الرقة بوصفه “مهاجراً”، باعتبارها رسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى البيئة الجهادية الأجنبية.
استراتيجية “زخم الإنجاز“
يعتمد تنظيم داعش منذ نشأته على ما يمكن تسميته بـ”زخم الإنجاز” في عمليات التجنيد والاستقطاب. فالتنظيم يدرك أن الخطاب الأيديولوجي وحده لا يكفي لجذب عناصر جديدة، ولذلك يحرص دائما على ربط دعايته بسلسلة من العمليات التي تبدو جريئة أو استثنائية.
فعندما ينجح التنظيم في تنفيذ هجمات نوعية أو اختراق أهداف محصنة، فإنه لا يكتفي بإعلان المسؤولية عنها، بل يحولها إلى مادة دعائية مكثفة تهدف إلى إقناع المتعاطفين بأنه ما يزال قوة فاعلة وقادرة على المبادرة. ومن خلال هذا “الزخم” ينشأ لدى بعض الأفراد ميل نفسي وعاطفي نحو التنظيم باعتباره الطرف الأكثر قدرة على الفعل والتأثير مقارنة ببقية الفاعلين الجهاديين.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة عملية الرقة باعتبارها جزءا من محاولة أوسع لإعادة بناء صورة التنظيم كقوة نشطة قادرة على تنفيذ عمليات معقدة داخل مناطق تخضع لإجراءات أمنية مشددة.
الانتماء المفقود
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عدد العمليات أو حجم الخسائر التي تتسبب بها، بل في قدرة التنظيم على استثمارها لتقديم ما يمكن وصفه بـ”الانتماء المفقود” لشريحة من الجهاديين الأجانب.
فكثير من هؤلاء المقاتلين وجدوا أنفسهم خلال المرحلة الحالية أمام واقع مختلف عما اعتادوه خلال سنوات الحرب. بعضهم فقد الأدوار التي كان يؤديها، وبعضهم يواجه قيودا جديدة أو حالة من الغموض بشأن مستقبله القانوني والتنظيمي وطريقة التعاطي مع تاريخه الجهادي. وفي مثل هذه الظروف، يحاول داعش تقديم نفسه ككيان بديل يوفر الهوية والانتماء والهدف المشترك.
تاريخيا، نجح التنظيم مرارا في استغلال حالات التهميش أو الإحباط أو فقدان الهوية داخل البيئات الجهادية لاستقطاب عناصر جديدة وقد حدث ذلك مع عندما انضم إليه تنظيم لواء الأقصى ولواء داوود وحركة المثنى وغيرها. ولذلك فإن نشاطه الإعلامي الأخير لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد احتفاء بعمليات أمنية متفرقة، بل باعتباره جزءا من حملة أوسع لإعادة بناء الشرعية وترميم شبكات التجنيد والاستقطاب لصالحه داخل سوريا.
تحدٍ أمني يتجاوز البعد العسكري
تشير المعطيات الحالية إلى أن مواجهة تنظيم داعش في سوريا لا يمكن أن تقتصر على البعد الأمني والعسكري وحده. فالتنظيم يحاول استثمار ثغرات سياسية واجتماعية وأيديولوجية قائمة بالفعل، وفي مقدمتها ملف المقاتلين الأجانب ومستقبلهم داخل سوريا.
ومن ثم فإن معالجة أوضاع الجهاديين الأجانب، واحتواء التوترات الناشئة بينهم وبين النظام السوري الجديد، قد تصبح إحدى الأولويات الأمنية الملحة خلال المرحلة المقبلة. فكلما اتسعت مساحة الإحباط أو الشعور بالعزلة داخل هذه الأوساط، ازدادت قدرة داعش على تقديم نفسه باعتباره البديل القادر على استيعابهم وإعادة دمجهم داخل مشروعه العنيف.
وعليه، فإن العمليات الثلاث التي أعلنها التنظيم هذا الأسبوع قد لا تكون مهمة بسبب نتائجها المباشرة فقط، وإنما لأنها تكشف عن محاولة واضحة لاستثمار التحولات الجارية في سوريا وإعادة التموضع كوجهة جاذبة للمقاتلين الأجانب الباحثين عن دور جديد وهوية جديدة في مرحلة ما بعد نظام الأسد.



