بعد اعتقال “أبو مصعب” في العراق.. من هم موزعو كفالات داعش وما دورهم في المنظومة المالية للتنظيم؟

أعلنت مديرية الاستخبارات العسكرية العراقية، أمس السبت، إلقاء القبض على أحد أبرز الكوادر الإدارية والمالية لتنظيم داعش في قضاء القائم بمحافظة الأنبار، خلال عملية أمنية استباقية.

وأوضح بيان للمديرية أن العملية استندت إلى معلومات استخبارية دقيقة، وأسفرت عن اعتقال المطلوب المكنى بـ”أبو مصعب”، المسؤول عن توزيع ما تُعرف بـ”الكفالات” (المستحقات المالية والدعم) لعناصر التنظيم وعائلاتهم ضمن قاطع ما كان يسمى “ولاية الفرات”.

وأشار البيان إلى أن المتهم صادرة بحقه مذكرة قبض وفق أحكام المادة 1/4 من قانون مكافحة الإرهاب، مؤكداً اتخاذ الإجراءات القانونية بحقه، ومواصلة العمليات الأمنية لملاحقة بقايا الخلايا الإرهابية وتعزيز الاستقرار في البلاد.

ويكتسب هذا الاعتقال أهمية خاصة بالنظر إلى الدور المحوري الذي يؤديه ما يُعرف داخل تنظيم داعش بـ”موزع الكفالات”، وهو أحد أهم العناصر في المنظومة المالية والاقتصادية للتنظيم. ويعتمد داعش بصورة كبيرة على هؤلاء المسؤولين في إيصال الرواتب والمكافآت والتعويضات والكفالات إلى مقاتليه وعائلاتهم، بما يضمن استمرار تدفق الأموال والدعم إلى شبكاته المنتشرة في مناطق مختلفة.

وخلال السنوات الأخيرة أعلنت السلطات العراقية في أكثر من مناسبة إلقاء القبض على عدد من موزعي الكفالات التابعين للتنظيم، في إطار جهودها لتفكيك البنية المالية التي يعتمد عليها داعش في تمويل أنشطته والحفاظ على تماسك شبكاته.

ويلجأ التنظيم إلى استخدام موزعي الكفالات بدلا من النظام المصرفي التقليدي، لأن هذا الأخير يمثل خطرا أمنيا على عناصره بسبب إجراءات التحقق من الهوية وإمكانية تتبع التحويلات المالية. كما أن التنظيم لا يستطيع الاعتماد بشكل كامل على تطبيقات تحويل الأموال أو الوسائل المالية الحديثة للأسباب الأمنية ذاتها، إضافة إلى خوفه من اختراق حساباته وأجهزته.

ويُعد اختيار موزعي الكفالات من المسائل الحساسة داخل التنظيم، إذ غالبا ما يتم انتقاؤهم من بين أكثر العناصر موثوقية، ولا يتولون هذه المسؤولية إلا بعد حصولهم على تزكية من المستويات القيادية العليا. ويرجع ذلك إلى طبيعة المعلومات التي يمتلكونها، إذ تكون لديهم معرفة دقيقة بشبكات التنظيم وعناصره ومناطق انتشارهم ووسائل التواصل معهم، فضلا عن كونهم حلقة الوصل الأساسية بين الخلايا والعناصر المختلفة، وبين المضافات والبيوت الآمنة والمعسكرات والمخيمات النائية.

وتكمن أهمية هذه الوظيفة أيضا في أن المسؤول عن توزيع الكفالات يمتلك عادة صورة مفصلة عن خريطة انتشار مقاتلي التنظيم وعائلاتهم، الأمر الذي يجعل سقوطه بيد الأجهزة الأمنية بمثابة مصدر معلومات ثمين سيكشف جانبا مهما من البنية الخفية للتنظيم وشبكاته اللوجستية والمالية.

ويشبه دور موزع الكفالات داخل داعش دور حامل البريد أو ناقل الرسائل، وهي من أكثر الوظائف حساسية داخل التنظيم، نظرا لما تتطلبه من تنسيق واتصال بين مستويات مختلفة من القيادة والعناصر الميدانية، وما تتيحه من الاطلاع على أسرار التنظيم وشبكات عمله، وسقوط معظم قادة داعش بمن فيهم البغدادي كان بسبب الوصول إلى ناقلي البريد، وهو العامل المؤدي أيضا إلى تحديد مكان أسامة بن لادن واغتياله في 2011.

ورغم التطور المتزايد في وسائل الدفع والتحويل الإلكتروني، فإن العملات المشفرة لم تتمكن من أن تحل محل موزعي الكفالات في بيئات عمل التنظيم. فهؤلاء قادرون على الوصول إلى مقاتلين وعائلات يعيشون في مناطق صحراوية وأرياف نائية تفتقر إلى البنية التقنية اللازمة لاستخدام الوسائل المالية الحديثة، ما يجعلهم عناصر لا غنى عنها في اشتغال المنظومة المالية للتنظيم.

ولا تقتصر المنظومة المالية لتنظيم داعش على موزعي الكفالات فقط، بل تعتمد على شبكة متنوعة من الوسائل والآليات التي يكيفها التنظيم وفق الظروف الأمنية والجغرافية التي يعمل فيها. فمنذ خسارته السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي التي كان يديرها سابقا، اضطر التنظيم إلى الانتقال من نموذج الإدارة المالية المركزية إلى نموذج أكثر مرونة وسرية يعتمد على تعدد القنوات وتقليل المخاطر.

ويُعد نظام الحوالات غير الرسمي أحد أبرز الأدوات التي يستخدمها التنظيم في نقل الأموال بين الدول والمناطق المختلفة، نظرا لقدرته على تجاوز القيود المفروضة على التحويلات المصرفية التقليدية. ويسمح نظام الحوالة بنقل الأموال دون الحاجة إلى حركة فعلية للأموال عبر الحدود، الأمر الذي يصعب على السلطات تتبعها مقارنة بالنظام المصرفي الرسمي.

كما أظهرت تقارير أمنية ودراسات متخصصة اهتمام التنظيم باستخدام العملات المشفرة في بعض عملياته المالية، وخاصة العملات التي توفر مستويات مرتفعة من الخصوصية مثل “مونيرو” (Monero)، والتي تمنح مستخدميها قدرة أكبر على إخفاء هوية المرسلين والمستلمين مقارنة بعملات رقمية أخرى. ويأتي هذا التوجه ضمن مساعي التنظيم للاستفادة من التطورات التقنية وتجنب أدوات المراقبة المالية التقليدية.

إلا أن استخدام العملات المشفرة لا يزال يواجه قيودا عملية عديدة، خاصة في البيئات الريفية والصحراوية التي ينشط فيها التنظيم في العراق وسوريا وأجزاء من إفريقيا، حيث يفتقر كثير من العناصر والمتعاطفين إلى البنية التحتية التقنية والخبرة اللازمة للتعامل مع المحافظ الرقمية ومنصات التداول. ولهذا السبب لم تتمكن العملات المشفرة من أن تحل محل الوسائل التقليدية التي يعتمد عليها التنظيم.

وفي هذا السياق يحتفظ موزعو الكفالات بأهميتهم داخل البنية المالية لداعش، إذ يمثلون الحلقة الأخيرة والأكثر حساسية في سلسلة نقل الأموال. فمهما تعددت وسائل التحويل والتخزين المالي، تبقى هناك حاجة إلى أشخاص موثوقين قادرين على إيصال الأموال نقدا إلى المقاتلين وعائلاتهم في المناطق النائية أو الخاضعة لظروف أمنية معقدة.

ويعكس هذا التنوع في الأدوات المالية نهجا ثابتا لدى التنظيم يقوم على عدم الاعتماد على وسيلة واحدة. فداعش يسعى إلى توزيع المخاطر بين الحوالات التقليدية، والوسطاء الماليين، وموزعي الكفالات، ووسائل الدفع الرقمية والعملات المشفرة، بما يضمن استمرار تدفق الأموال حتى في حال كشف أو تعطيل إحدى القنوات. ويمنح هذا النهج التنظيم قدرا من المرونة العملية والقدرة على التكيف مع الضغوط الأمنية والمالية التي تستهدف شبكاته التمويلية.

ومن هذا المنطلق،لا يعتبر مسؤول توزيع الكفالات مجرد ناقل للأموال، بل جزءاً من منظومة مالية معقدة تتقاطع فيها الجوانب اللوجستية والتنظيمية. فاعتقال شخص يشغل هذا المنصب قد يوفر للأجهزة الأمنية معلومات تتجاوز الجانب المالي لتشمل شبكات الاتصال ومسارات الحركة وأماكن انتشار العناصر وآليات الدعم التي يعتمد عليها التنظيم للحفاظ على استمراريته.

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية