الوصول السريع للمحتويات

معركة “بغدادي غراد” هل ستحسم الحرب ضد تنظيم الدولة

الدولة الإسلامية

عبد الغني مزوز —     تابِع @MAZOUZABDOLGHAN




تقارير كثيرة تتحدث عن قرب معركة الحسم في الموصل مع تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يتخذ من المدينة عاصمة لخلافته، ومن مسجدها الكبير خطب البغدادي خطبته الشهيرة، متوجا نفسه خليفة على المسلمين. غير أن الذي لا شك فيه أن معركة الموصل ستكون معركة غير مسبوقة، وعلى ضوء نتائجها ستبنى كثير من القرارات والسياسات التي ستحدد شكل المنطقة وتعيد رسم خرائطها.




الموصل هي عاصمة “خلافة” البغدادي وقلبها النابض، وليس الرقة كما تزعم بعض التقارير، فتنظيم الدولة يعلم أن الرقة قد لا تبقى في يده لمدة وطويلة، وقد يكون على استعداد لتفريغها عسكريا، ونقل كل مواردها اللوجستية والبشرية من أجل تعزيز صمود الموصل إذا اقتضت الضرورة ذلك، فالرقة تسبح في محيط معادي للتنظيم، إضافة إلى أن هنالك رفض كبير داخل المدينة لسياساته الدموية الرهيبة التي يقوم بها باسم “الحدود” و” التعازير”، دون أن نغفل عن وجود عشرات الخلايا السرية داخلها تتبع لمختلف فصائل المعارضة السورية، تمارس نشاطا أمنيا ضد قادة “الدولة” وتتحين الفرص للانقضاض على مقراتها ونقاطها الاستراتيجية. 

سبق أن أعلن أبو محمد العدناني رجل تنظيم الدولة القوي، عن استراتيجية “دولته” فيما يتعلق بالانحياز من المدن والمناطق التي سيطروا عليها في العراق، وأكد بكل وضوح أنه لا انسحاب من أي مدينة حتى ولو قتل جميع عناصر القوة المدافعة عنها فقال موجها خطابه لمقاتليه :” فيا جنود الدولة إعلموا أنكم اليوم دخلتم مرحلة جديدة من مراحل الصراع فقد عدتم إلي المدن ومسكتم الارض وليقتل احدكم ألف مرة قبل أن يفكر في الرجوع إلي الوراء، إن المدن والمناطق التي في قبضتكم وعلى رأسها الفلوجة لن تحكم بإذن الله بعد اليوم إلا بشرع الله ولا مكان فيها للعلمانيين”. إذن تنظيم الدولة لا يمتلك خطط للانسحاب والعودة إلى الصحراء، و سيحول عناصرُه المدن التي يسيطرون عليها إلى مدن انتحارية، سيدافعون عنها بالسلاح الثقيل، فإذا فقد جدواه، قاتلوا في الأزقة والشوارع بالأسلحة المتوسطة والخفيفة، فإن نفذت ذخيرتهم فجروا أحزمتهم الناسفة. 

كشفت فعاليات معركة تكريت التي تخوضها قوات الحشد الشعبي المدعومة من الحرس الثوري الإيراني، في محاولة منها لاقتحام المدينة وطرد قوات تنظيم الدولة  الإسلامية منها، كشفت أن هذا الأخير يريد أن يبعث برسالة واضحة عن طبيعة معركة الموصل المنتظرة، فإذا كانت تكريت مدينة لا تحظى بأهمية كبرى لدى تنظيم “الدولة” قياسا إلى مدن أخرى كالموصل والفلوجة مثلا، قد استمات ” التنظيم” في الدافع عنها بتلك الطريقة المدهشة، حيث تحدثت تقارير إخبارية كثيرة أن قوات الحشد الشعبي تكبدت خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وتحدث شهود عيان عن عشرات الشاحنات التي تحمل برادات ضخمة لحفظ الجثث تخرج كل يوم من محيط المدينة متجهة إلى إيران، كما أن قادة كبار في الحرس الثوري الإيراني والميلشيات العراقية قد قضوا في معركة تكريت أبرزهم نجل هادي العامري زعيم منظمة بدر الشيعية.

في المقابل أظهرت مقاطع فيديو نشرها تنظيم الدولة الإسلامية حجم ترسانة السلاح الثقيل التي يستخدمها دفاعا عن المدينة، وضراوة المعارك التي يخوضها عناصره، ومعنوياتهم المرتفعة جدا، نافيا أن تكون قوات الحشد الشعبي قد أحرزت أي تقدم يذكر.

تكتسي مدينة الموصل أهمية كبيرة عند تنظيم الدولة، فمدينة كبيرة بحجمها تعطي انطباعا عن قوة وسيطرة التنظيم، وتمنح لادعاءاته بأنه “دولة” جزء من المصداقية، وبالتالي فهو لا يريد أن يخسرها مهما كان الثمن. ومن أجل ذلك فهو يتبنى اتجاهها سياسة خاصة، تفضح ازدواجية منهجه، و “محسوبيته” فيما يرتبط “بتطبيق الشريعة” و إقامة “الحدود”، فقد أطلق سراح عناصر الشرطة والجيش الذين أسرهم في معركة تحريرها بوساطة عشائرية، ولم تنفد في ساحاتها “حدود” الزنا وشرب الخمر والتدخين والغياب عن صلاة الجماعة، ولم يقتل العشرات من أبنائها بتهم ” الردة” و ” الصحوة”، كما هو حال المدن الأخرى التي يبسط “التنظيم” سيطرته عليها خصوصا في سوريا. 

يريد تنظيم الدولة الإسلامية بهذه الامتيازات التي خص بها الموصل أن يهيئ المجتمع الموصلي ليكون عمقا شعبيا له، ومحضنا لفكرته، ولا يريد أن يؤسس لثارات بينه وبين عشائر الموصل وأبنائها، وبالتالي على العالم أن يتوقع معركة غير مسبوقة إن هو أصر على اقتحام الموصل.

لا شك أن تنظيم الدولة وضع معظم ثقله العسكري واللوجستي والأمني في الموصل، وهو على استعداد لتحويلها إلى جزيئات من التراب والغبار إذا اقتضت ضرورة المعركة ذلك، أما خيار الانسحاب فلن يكون مطروحا مهما كانت طبيعة المعركة. 

إذا كانت معركة الفلوجة الأولى والثانية قد خاضهما تنظيم الدولة وانتصر فيهما وهو لا يزال مضغة أي بصيغته الأولى ” جماعة التوحيد والجهاد” فكيف سيكون أداءه وقد بلغ أشده و أعلن عن “خلافته” ووضع يده على جبال من الأسلحة الفتاكة. فمن المعروف أن معركة الفلوجة الأولى سنة 2004 قد خاضها أبو مصعب الزرقاوي وعشرات من رجاله ولم تستطع القوات الأمريكية و العراقية اقتحامها، ومنيت فيها القوات المهاجمة بخسائر فادحة، غير أن استخدام السلاح الكيميائي وقنابل الفسفور الأبيض في الجولة الثانية من المعارك دفع بالمقاتلين داخل المدينة إلى الانسحاب حفاظا على أرواح المدنيين بعد انتهاج القوات الأمريكية سياسة الأرض المحروقة ضد المدينة.

أبو بكر البغدادي يجهز الموصل الآن لتكون معركتها القادمة لصالحه، يريد أن يضمن ولائها المطلق، ويجعلن منها مدينته، التي تدافع عن كبريائه إلى آخر رمق، تماما كمدينة ستالين غراد التي استعصى خط دفاعها الأخير على الزحف النازي، فكانت رمزا لكبرياء ستالين الذي لم يرض أن يمرغ في التراب.


أعتقد أن الأسوأ ليس في سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المدن واستماتته في الدفاع عنها وتحويلها إلى مجمعات انتحارية، لكن الأسوأ هو بخروج عناصر التنظيم وتسربهم من المدن إذا نجحت قوات التحالف في إخراجهم منها، ما يعني عودتهم إلى النشاط الأمني مجددا، وإعادة بناء وترميم قواتهم على شكل خلايا أمنية قاتلة، وسينفتح العراق على عهد جديد من المفخخات والاغتيالات، وستكون العبوات اللاصقة والمسدسات الكاتمة للصوت سيدة المرحلة، خصوصا وتنظيم الدولة يمتلك خبرة طويلة و هائلة على هذا الصعيد، ما يسمح باعتبار عناصره فرسان العمل الأمني بامتياز.
مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية