الوصول السريع للمحتويات

جمال معروف..سياقات العودة


عبد الغني مزوز —        تابِع @MAZOUZABDOLGHAN
بإمكان أي متابع لتطورات المشهد الثوري في سوريا خلال الأيام الماضية أن يلمس بكل وضوح تدشين خطاب إعلامي جديد، شغل حيزا كبيرا في الفضاء الإفتراضي، مجندا مئات الحسابات المعروفة وأخرى تم إنشائها حديثا وبعضها انتحل هويات مزيفة لشخصيات وهيئات ثورية مشهورة، كل هذه الحسابات التي أنشأت على منصات مختلفة ” تويتر؛ فيسبوك؛ يوتيوب؛ مدونات..” تسهر على تمرير هذا الخطاب، بحماس شديد، وكثافة غير معهودة. تشهد على ذلك غزارة التغريدات والمنشورات والصور ومقاطع الفيديو وغيرها من الوسائط.

وقد تضافر هذا المجهود الدعائي الضخم من أجل تمرير خطاب “ثوري” جديد يمكن اختزال أبرز معالمه في: خلق “رأي عام” يعادي بعض مكونات الثورة ويشكك في شرعيتها، وتوتير العلاقة بين فصائل الثورة ذات التوجه الإسلامي السلفي واستدراجها للصدام البيني، وعزل فصائل الثورة الكبيرة ( جبهة النصرة خصوصا) عن حواضنها الشعبية، إضافة إلى تلميع بعض الشخصيات التي لفضتها الثورة و إعادة الإعتبار لصورتها, وتبييض سجلها الأسود بعدما حصل إجماع شعبي بضرورة استبعادها. 

كل هذا يأتي في سياق اعتقاد بعض الجهات أن دور الإسلاميين في الثورة قد انتهى، وأن عليهم الإختيار بين أحد مصائرهم الكلاسيكية (الجبال أو المنافي أو المعتقلات) في ظل التسوية الدولية المزمعة، التي أشرفت طبختها على النضوج، وباتت ملامحها تتضح يوما بعد يوم.
يدرك مهندسو الثورات المضادة أن عملية اجتثاث المكون الإسلامي في الثورة لن تأخذ صورة واحدة، فقطاع منهم (أي من الإسلاميين) لا يمكن استبعاده إلا بقوة الحديد والنار، ما يستلزم تجريده من عوامل قوته ومن أهمها عمقه الشعبي. وقطاع منهم لا يكلف استبعاده أكثر من عملية سياسية هزلية، ولعب متقن بالمصطلحات مع بعض الوقت لتستنسخ تجربة تونسية أو مصرية أو ما هو أسوأ منهما حسب قدر الغباء المتاح. ليصحو الجميع على دويلة فاشلة وظيفية، يتقاسم النفوذ عليها لوردات الحرب، وتحضا كل جهة إقليمية ودولية بحصتها من ولاء الفرقاء، وتضيع ثورة حري بها أن تُحرر أمة وتشيد حضارة وتستأنف تاريخا.

كان خطابا غريبا و غير مسبوق ذلك الذي تجاوز حدود الشيطنة المعتادة لأحد أكبر فصائل الثورة (جبهة النصرة) إلى التحريض المباشر ضده، وتخوينه، واقتحام مقراته، واعتباره امتدادا لتنظيم الدولة، مع أن واقع الحال يؤكد أنه لو بدلت كل فصائل الثورة ما بدلته النصرة في حرب تنظيم الدولة لما قامت لهذا الأخير قائمة.

غير أن الغرابة لا تلبث أن تختفي عندما تنتظم الأحداث والتطورات المتصلة بالثورة السورية ضمن نسق موضوعي، متسم بالمنطق والتماسك؛ فبدأ من جنيف ومرورا بمقررات فيينا التي نصت على “علمانية الدولة السورية وضرورة الحفاظ على مؤسساتها” ومؤتمر الرياض وما تمخض عنه من هيئة للتفاوض يرأسها بعثي عريق، وصولا إلى الهدنة التي استثنت جبهة النصرة فالإنسحاب الروسي المفاجئ، فالحرب الإعلامية ضد النصرة.. وانتهاء بظهور جمال معروف وإعادة تأهيله معنويا وماديا في أفق تفعيل دوره في الساحة من جديد. كل هذه المحطات وغيرها ينبغي استحضارها ونحن بصدد فهم تحولات المشهد السوري وديناميته المتسارعة، كما تكشف إلى أي حد يعتقد عرابوا الثورات المضادة أن وقت استبعاد المكون الإسلامي من الثورة قد حان.

في وقت مدروس بعناية خرج د.حذيفة عبد الله عزام بما اعتبره شهادة على كثير من المواقف التي حضرها أو كان طرفا فيها على امتداد السنوات الخمس للثورة، و كانت خلاصة شهادته تتوخى إيصال رسالة واحدة هي أن ” جبهة النصرة تعادي الثورة “. ربما من الضروري أن نذكر أن حذيفة عبد الله عزام قد استوطن برنامج “صناعة الموت” على قناة العربية مدة طويلة، هناك حيث امتهن “الفتك” بخصومه من الإسلاميين ما وسعه ذلك وما أسعفته قريحته ومخيلته، دون روادع أخلاقية أو حتى مهنية، في تناغم مؤسف مع رسالة قناة العربية المعادية لهوية الأمة وثوابتها. 

لا يعنينا كثيرا أن نستعرض شهادة الدكتور حذيفة، فمعظم ما ورد فيها كذبته أطراف محايدة، واستنكره شهود آخرون على تماس مباشر مع الأحداث التي علق عليها، لكن المثير في الأمر، أن يعمد الدكتور إلى نقض ما هو معلوم من الثورة بالضرورة، وينفي ما تواترت عشرات الشهادات والصور ومقاطع الفيديو تأكيده.

استهل الدكتور شهادته بالإعتذار لجمال معروف قائد جبهة ثوار سوريا الذي تورط في جرائم شهدت المقابر الجماعية التي عثر عليها في معاقله على بشاعتها، كما حكا مقربون منه قصصا مروعة عن هولها وفظاعتها، فأجمعت مكونات الثورة من مؤسس الجيش الحر رياض الأسعد إلى أصغر عنصر في الثورة على التصدي لجمال وجماعته. وبالتالي لم يكن مفهوما ظهور رواية أخرى تناقض كليا الرواية الحقيقية المُجمع عليها، وفي ظرف حساس للغاية، إلا بعد الخروج الإعلامي لجمال معروف وهو الأول له مند استئصال جماعته، ليشرف المشهد على الإكتمال، وتتضح ملامحه أكثر. فالأمر لا يعدو أن يكون انتهاء لحصص الترويض وإعادة التأهيل التي خضع لها جمال معروف، وكان لا بد من وجود رأي عام يتقبل عودته للمشهد مرة أخرى، وبالتالي فإسقاط الفصائل التي أبعدته من الساحة ضروري جدا في هذا الإطار، فجاءت الشهادة التي نشرها حذيفة عبد الله عزام لتضطلع بنصيب من عبئ ذلك.

يدعي السيد حذيفة أن شهادته كان يريد أن يدلي بها مند وقت طويل، لكنه كان يأمل في عودة النصرة عن ممارساتها بحق الثورة حسب مزاعمه، لكن الحقيقة غير ذلك؛ فقد كان بوده أن يقول ما قال وأكثر لكن لم تكن هناك ظروف مواتية، إذ لا بد من تعكير المياه قبل الصيد فيها، يجب أن تقع النصرة في خطأ يتم النفخ فيه من أصحاب النقد الميكروسكوبي وفي خضم الضجيج والإحتقان، ينبري لتقديم شهاداته المشفوعة بعبارات القسم المغلظة. فلا يمكن مثلا أن ينشر شهادته إبان معارك إدلب أو جسر الشغور أو غيرها من المعارك التي كانت النصرة طرفا أساسيا فيها لأن عواقب النشر ستكون عكسية تماما، نظرا للدعم والتضامن الكبيرين الذين حظيت بهما النصرة، وبالتالي جاء النشر أثناء الأحداث المؤسفة في معرة النعمان وما صاحبها من صخب وجدال.

فطنت النصرة إلى الإسفين الذي يريد البعض دقه، لإحداث شرح بينها وبين عمقها الشعبي، وشركائها في الواجب من جيش حر وفصائل ثورية، واستشعرت حساسية المرحلة، فبادرت إلى التهدئة والنأي بعناصرها عن أماكن الإحتقان، والخروج من بعض المواقع والمقرات، لتفويت الفرصة على من يريدون استفزازها، وأصدر الجولاني بيانا في الذكرى الخامسة للثورة حيا فيه المتظاهرين وصمودهم وعودتهم للميادين، كما نشرت المنارة البيضاء للإعلام الإسلامي صورا لمتظاهرين حملوا أعلام الثورة، في رد واضح على من روجوا أن النصرة تمنع أعلام الثورة وتعتقل من يرفعها.


مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية