الوصول السريع للمحتويات

لماذا يصر الجولاني على الولاء للقاعدة؟

أبو محمد الجولاني


عبد الغني مزوز—   

ما إن يُعلن عن خروج إعلامي مرتقب لأبي محمد الجولاني أمير جبهة النصرة حتى تتناسل الإشاعات وتنتشر الأخبار عن اعتزامه فك ارتباطه بالقاعدة، وأن ذلك سيكون في الخروج الإعلامي المزمع، لكن ما إن يظهر الجولاني ومع أول سؤال يطرح عليه حول إمكانية فصل تنظيمه عن القاعدة حتى تأتي الإجابة ذاتها بالنفي الجازم، والرفض القاطع، بنبرة هادئة؛ للتدليل على أن موقف النصرة محسوم ولا جدوى من طرق الموضوع كل مرة. لتتأكد العلاقة الوثيقة بين النصرة والقاعدة فيما بعد عبر بيانات أبي عبد الله الشامي المسؤول الشرعي للنصرة، في إصرار واضح على عدم الخضوع للضغوطات القوية التي تعرضت لها قيادة النصرة بكل الوسائل الرامية لإقناعها بالنأي عن فكرة الولاء للقاعدة والعمل تحث مظلتها(1). فلماذا كل هذا الإصرار ؟ 

يتحدث بعض الناشطين الجهاديين المطلعين على ما دار ويدور في بعض الجلسات الخاصة بين قادة الفصائل، أن جهات كثيرة حاولت ثني الجولاني عن استمرارية ولائه لأيمن الظواهري، مُصرين على فكرة أن الولاء العابر للحدود لا يخدم الثورة، بل يضرها ويسيء إليها، مقترحين عليه أشكالا من الدعم “مكافئات” إن هو بادر إلى الإعلان عن قطع علاقته بالقاعدة. 

المغرق في الطرافة أن بعض الذين يطالبون النصرة بقطع علاقتها بالخارج، صيانة للثورة من التدخلات الخارجية، يصدرون عن مطلبهم ذاك عن إرادة خارجية وإلحاح أجنبي, ولا يكاد يخرج لهم موقف إلا بعد أن يمرر على سلسلة من الفلاتر الخارجية، بغرض معالجته وتكييفه وفق مصالح معينة، قد لا تتقاطع بالضرورة مع مصلحة الثورة. ويقول هؤلاء أن دعما هائلا كفيلا بإسقاط الأسد يُمنع عن الثورة لأن النصرة تتبع القاعدة، غير أن وقائع كثيرة دللت أن جبهة النصرة التي لا تحضا بأي دعم إقليمي ودولي يُذكر، غالبا ما تضطر إلى تغطية جبهات وخطوط رباط لفصائل مدعومة خارجيا لأن هذه الأخيرة لا تستطيع تأمين ما تحتاجه هذه الجبهات من عتاد وعناصر ومئونة كما حدث في حلب وغيرها. 

الجولاني وإعادة الاعتبار لرسالة القاعدة 

يعلم الجميع أن علاقة الجولاني بالقاعدة لم تكن عندما رفع البيعة لأيمن الظواهري 10/04/2013 في خضم الخلاف الناشب بينه وبين البغدادي أمير تنظيم دولة العراق الإسلامية آنذاك، بل كان الجولاني عضوا في القاعدة مند بيعة أبي مصعب الزرقاوي لها 17/10/2004 حيث شارك الجولاني في فعاليات المقاومة العراقية تحت مظلة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وحتى عندما قدم مشروع تأسيس جبهة النصرة على شكل خطة مكتوبة متكاملة إلى البغدادي للموافقة عليها مع بداية الثورة السورية وتحولها للعمل المسلح، فعل ذلك وهو مقتنع أن التنظيم الوليد سيكون امتدادا لفكرة القاعدة على اعتبار أن دولة العراق الإسلامية هي فرع من فروع تنظيم القاعدة، كما هو مُستنتج من الرسائل والتوجيهات المتداولة بين قيادة تنظيم الدولة وقيادة القاعدة في أفغانستان. 

لا شك أن الجولاني عاين انحراف دولة العراق الإسلامية ووقف على أخطائها و تجاوزاتها الكثيرة غير أنه لم يبعث خطابات بهذا الشأن لقيادة القاعدة في أفغانستان، أولا؛ لأنه شخصية مغمورة وعنصر عادي من عناصر الدولة، وثانيا؛ لأنه يعلم أن مصير خطابه لن يكون أحسن حالا من مصير الخطابات الكثيرة التي رفعتها جماعات عريقة كجماعة أنصار الإسلام وشخصيات قيادية كبيرة كالقاضي أبي سليمان العتيبي، ولم تكن ذات جدوى، لأن دعاية دولة العراق الإسلامية الكاسحة خلقت رأيا جهاديا متعاطفا معها، واستطاعت بذكاء كبير طمر انحرافها، عبر فرض حصار ممنهج على كل الآراء المخالفة لتوجهاتها؛ فأنصارها هم من يتحكمون بمنتديات الأنترنت التي كانت آنذاك المنابر الوحيدة لنشر الآراء الجهادية. 

عمل الجولاني في سوريا مستحضرا تجربة تنظيم دولة العراق الإسلامية. مقترحا على البغدادي في جلسة خاصة أن يرتبط مباشرة بأفغانستان ولم يعترض هذا الأخير حسب إفادة أبي عبد الله الشامي، ربما سعى الجولاني بهذا الاقتراح إلى فتح قناة تواصل خاصة مع الظواهري لأنه لم يرد أن تتعرض رسائله للفلترة من قبل البغدادي الذي بدأ يشعر أن الجولاني لم يعد يقيم وزنا لأوامره وتوجيهاته. يبدو أن أمير النصرة أراد أن يعيد الاعتبار لرسالة القاعدة وفكرتها من خلال بناء نموذج جهادي جديد، يتسم بالقوة والفاعلية و يتمثل روح رسالة القاعدة، ويتجنب أخطاء اللحظة العراقية التي وعاها جيدا. من هذا المنطلق طمئن الجولاني الرأي العام الإسلامي أن جبهة النصرة لا تسعى للإنفراد بالحكم (كما فعل تنظيم دولة العراق الإسلامية) بل ترى نفسها جزء من الشعب ومكون من مكونات ثورته، وبالتالي لم يكن ضمن أجندة الجبهة أن تعلن عن ولائها للقاعدة لولا التحولات والاضطرابات التي حاقت بالصف الجهادي و ألزمت كل الأطراف أن تعلن صراحة عن هويتها، وأحيانا الكشف عن أكثر وثائقها وملفاتها سرية إما لتأكيد مواقفها أو لنفي ما يزعمه خصومها. 

استطاع الجولاني أن يُحدث قطيعة حدية مع مدرسة العراق الجهادية وما عرفته من تشدد وغلو، وإرساء دعائم مدرسة جهادية شامية مستندة إلى تراث منظري القاعدة الكبار ” عطية الله والليبي وعمر عبد الحكيم..” إضافة إلى ما سجله من ملاحظات أثناء مسيرته في العراق وقراءاته لتجارب الأقطار الأخرى، ليتمكن من عزل “تيار جهادي” كبير طالما تبرم منه ومن أعماله في العراق، واضعا إياه تحت الضوء حيث اقتنع الكثيرون “بخارجية” هذا التيار وتنكبه سبيل أهل السنة والجماعة. 

تجارب فك الارتباط 

إعلان الجولاني ارتباطه بالقاعدة كان في حد ذاته مجرد إجراء رمزي، لأن جوهر فكرة القاعدة كانت حاضرة في دهنه وتؤطر تنظيمه. وهذا ما يفسر إدراج جبهة النصرة في قائمة المنظمات الإرهابية حتى قبل أن تعلن ولائها للقاعدة، والإعلان كان بمثابة “إخطار” للرأي العام الإسلامي بهوية الخط الجهادي الذي تتبناه النصرة، وهو خط تنظيم القاعدة ومدرسة خراسان الجهادية، الذي سيكون مند ذلك الحين منافسا شرسا لتيار الغلو والتشدد الذي وسم المدرسة العراقية، وهو إيعاز إلى أنصار الحركة الجهادية الموالون للقاعدة في سوريا بضرورة الاعتصام بهذه السردية الجهادية المتماسكة و المفاصلة لتلك التي يتبناها البغدادي، وهو ما حال دون استحواذ تنظيم الدولة على الكادر الجهادي بأكمله خصوصا فئة المهاجرين إذ ظلت قطاعات عريضة من هؤلاء وفية وجدانيا لشعار القاعدة واسمها. وقد صرح أبو عبد الله الشامي القيادي في النصرة بهذا في سياق تبريره العمل باسم القاعدة حيث قال:” أما في حالتنا فإن تغيير الاسم (من القاعدة إلى اسم آخر ) سيكون له آثار سلبية ومضار عديدة أهمها استفادة الخوارج الكبيرة من ذلك”. 

الجولاني واكب تحولات الفعل الجهادي (المعولم) في العراق ووقف على انعطافاته الكبرى، من تأسيس جماعة التوحيد والجهاد إلى بيعتها للقاعدة إلى الإعلان عن مجلس شورى المجاهدين وأخيرا تأسيس دولة العراق الإسلامية، وأدرك جيدا – كما كتب جهاديون كثر- أن خطوة حل تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين التي أقدم عليها أبو حمزة المهاجر وإن كان حلا شكليا أو إعادة للهيكلة نُقلت على إثره القيادة من الكادر “المُزكى” القادم من أفغانستان إلى الكادر العراقي المجهول، هذه الخطوة التي أقدم عليها أبو حمزة المهاجر وكشفت رسالة سرية صادرة عن أيمن الظواهري أنه لم يُستشر فيها، عصفت بمكاسب التيار الجهادي والمقاومة العراقية، وكانت خطئا فادحا، أهدى للتحالف الأمريكي الشيعي انتصارا مجانيا في اللحظة الأخيرة بعدما كان على شفير الإندحار. فلو كانت القاعدة فاعلة في العراق بقيادتها الخراسانية –ولم تُحل- لم تكن الساحة العراقية لتؤول إلى المصير الذي آلت إليه الآن حسب ما يقوله أنصار القاعدة، من ظهور لتنظيم الدولة، وعجز الجميع على مواجهته وما صاحب ذلك من معاناة أبناء السنة وعشائرهم من جرائم الميلشيات الإيرانية والبغدادية على حد سواء. 

ربما ما زال خطأ أبو حمزة المهاجر ماثلا في وعي الجولاني، فتداعياته يدفع ثمنها كل يوم؛ فآلاف من عناصر جبهة النصرة قضوا في مواجهات مع تنظيم الدولة، والجبهات بين الجانبين ما تزال مشتعلة في كثير من المناطق في سوريا. وقطعا لا يريد أن يكرر خطأ المهاجر عندما حل التنظيم، فانهار مشروع المقاومة، و منح غياب اسم القاعدة الفرصة لظهور أسماء جديدة حظيت بمباركة بن لادن لتتحول إلى سردية جهادية منافسة و بعدما قويت واكتفت ماديا ورمزيا، انشقت لتطرح نفسها بديلا عن “القاعدة المنحرفة” التي تلبس مؤسسها بالإرجاء كما ورد في مجلة دابق. 

في الصحراء الإفريقية الكبرى تنشط عدة جماعات مسلحة، أكبرها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، توسع عمل الأخير ليمتد في السنوات الأخيرة إلى تونس “كتيبة عقبة بن نافع” وإلى ليبيا ” جماعة أنصار الشريعة” وإلى مصر ” جماعة المرابطون” المرتبطة بخالد أبو العباس قائد القاعدة في الغرب الإفريقي، قصة هذا الأخير تؤكد أن تشييد نموذج جهادي جديد مفاصل للخطين الجهاديين المتمثلان في القاعدة وتنظيم الدولة أمر في غاية الصعوبة وقد لا يُكتب له النجاح. فما هي قصة خالد أبو العباس ؟ 

خالد أبو العباس المعروف أيضا بمختار بلمختار كان عضوا في تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، لكنه فضل الانشقاق وتأسيس جماعة ” الملثمون”، والعمل بشكل مستقل، وهي نفس الخطوة التي أقدم عليها أيضا أحمد ولد العامر الذي أعلن انشقاقه و تأسيس جماعة مسلحة باسم” حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا“، اتحد الفصيلان المنشقان وأعلنا عن كيان جهادي موسع يحمل اسم “جماعة المرابطون”. مع تصاعد الصراع بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة وتوالي البيعات على البغدادي، وقع الخلاف بين قيادات “جماعة المرابطون” حيث اختارت قيادة حركة التوحيد والجهاد الانضمام لتنظيم الدولة، بينما اعترض خالد أبو العباس على ذلك وأصر على استقلالية الجماعة. انشقت حركة التوحيد والجهاد وبايعت البغدادي، وبقي خالد أبو العباس كقيادي في المرابطين محافظا على ما تبقى من الجماعة نافيا بيعتها للبغدادي. 

لم يستطع خالد أبو العباس الحفاظ على تماسك الجماعة لأن سردية تنظيم الدولة كانت أكثر جاذبية، وكانت مهمة ضبط عناصره من التسرب إلى معسكر البغدادي تزداد صعوبة، مع تفوق دعاية تنظيم الدولة وزخمه القتالي المتصاعد. ولم يكن له خيار آخر غير الاعتصام بسردية أكثر تماسكا ومتانة والولاء لخط جهادي واضح يحصن جماعته من التفكك ويصونها من الانهيار، فكانت عودته إلى أحضان تنظيم القاعدة وإعلانه عن ” تنظيم قاعدة الجهاد في غرب إفريقيا“. 

جبهة النصرة..الدعم بشفاعة القاعدة 

يستغرب الجولاني في حواراته الصحفية كيف يُطلب منه فك ارتباطه بالقاعدة، مع أن الغرب لا يعادي النصرة لأن لها علاقة بالقاعدة، فالغرب عادى أنظمة وجماعات وأسقطها بمجرد أنها لم تكن تدور في فلكه ولم تكن تلك الكيانات على علاقة بالقاعدة، وهو صنف النصرة في قائمة المنظمات الإرهابية قبل أن تعلن تبعيتها للقاعدة، وهو لا يرضى بأي كيان كيفما كانت هيئته وأيديولوجيته إلا إذا انتظم في إطار الكيانات الوظيفية التي يتحكم فيها و يديرها تبعا لمصالحه، وهو الأمر الذي لم يرق للجولاني ولا لأي قيادي آخر في النصرة. ورأى الجولاني أن هذه المفاصلة الواضحة بين مشروع النصرة(القاعدة) والمشاريع الأمريكية في المنطقة هي التي عززت الدعم الهائل الذي تحضا به النصرة من الأمة نخبا وعامة، وهو الدعم الذي استغنت به عن جميع عروض الدعم المشروط التي تنهال عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من هذه الجهة أو تلك. 

لا حظ أحمد منصور الإعلامي بقناة الجزيرة في زيارته لسوريا حجم التأييد الذي تتمتع به جبهة النصرة هناك، ورأى كذلك القوة العسكرية للجبهة وترسانتها من السلاح الثقيل، وسأل الجولاني عن مصدر التمويل الذي مكن النصرة من حيازة هذا القدر من القوة دون أن تأخذ فلسا واحدا من الدول المعروفة بدعمها لفصائل الثورة، وحول ما إذا كان ما يصل إلى النصرة من أموال كافيا لمعركة طويلة فأجاب الجولاني :” باذن الله تعالى الخير كبير وواسع والله عز وجل لا ينسى احد والمسلمين يحبون جبهة النصرة ويحبون تنظيم القاعدة ويتكاتفون معنا في هذا الباب”. إذن، فشعار القاعدة كاف لاستدرار الدعم من الأمة حسب الجولاني، وهو ما يعبر عن فشل حروب الدعاية التي شُنت على القاعدة من أجل قطع شرايين التمويل عنها، إذ لا تزال شرائح واسعة وعريضة من الناس من مختلف الطبقات داخل المجتمعات الإسلامية تثق في مشروع القاعدة بل وتراهن عليه في سياق انهيار تجارب الإسلام السياسي وصعود تيار التشدد والغلو. فجبهة النصرة لا تقبل أن يصلها دعم من أية جهة رسمية وتحث أي مبرر، بل صرح الجولاني لأحمد منصور أن النصرة لم تعط فرصة لأي دولة “داعمة للثورة” لمناقشة أي شكل من أشكال الدعم لها، لأنه يعتقد أن ذلك سيمس سيادة النصرة و استقلالية قرارها، وهي مكتفية ذاتيا من التبرعات التي تأتيها من أفراد الأمة ورجال أعمالها الذين “يحبون القاعدة” حسب تعبير الجولاني، إضافة إلى ما تدره أعمال تجارية وخدمية تشرف عليها النصرة في سوريا. 

الثورة تلتحق بالقاعدة 

بعد اندلاع موجة الربيع العربي وفي طوره السلمي، سارت معه قناعة مفادها أن التغيير الذي ينتهج أسلوب العنف لا يمكن أن يحقق أهدافه، تعززت هذه القناعة أكثر باغتيال أسامة بن لادن في عز الاحتجاجات السلمية، ورأى الكثيرون في ذلك نعيا رمزيا لمنهج التغيير بالقوة، و قطعا نهائيا مع فكرة التيار الجهادية القائمة على المواجهة المسلحة مع الأنظمة المتسلطة ومن يقف خلفها. 

القاعدة ومع عدم اقتناعه بمنهج ” السلمية” إلا أنها وعت تماما خصوصية لحظة الانتفاضة العربية، وأصدرت قيادتها تعميما على فروعها بعدم التدخل في فعاليات الربيع العربي إلا بما يدعم مسارها السلمي، ومطالبها الاجتماعية والسياسية التي أجمعت عليها كافة قوى وأطياف المجتمع. 

انتكست سلمية الربيع العربي بوصوله إلى ليبيا وسوريا والعراق بلجوء الثورة إلى السلاح في تلك الأقطار، ثم ازداد بؤس السلمية مع موجة الثورات المضادة والانقلابات العسكرية الدموية، فكانت القاعدة في صلب لحظة تحول الاحتجاجات والمظاهرات السلمية إلى حرب تحرير شعبية بَصمَت بالموافقة والتأييد على طروحات القاعدة؛ خطابا وممارسة. من اعتبار الأنظمة العسكرية “صائل” داخلي، بمعنى قوة احتلال داخلية، موكلة من نظام دولي أمني هدفه الأول ترسيخ هيمنته على الأمة ومقدراتها وإبقائها في نطاق التخلف الحضاري والمعرفي والإنساني. 

يعتقد الجولاني أنه ما من منطق سيقنعه بالعدول عن ولائه للقاعدة، خصوصا وواقع الحال ومسار الأحداث يكشف كل يوم عن صوابية تصور القاعدة وقرائتها للصراع، سواء في سوريا أو في غيرها من الأقطار، فالقاعدة ترى أن أمريكا وهي في موقع القلب من النظام الدولي هي من يقف خلف نكبات الأمة ويعرقل مسيرة نهضتها عبر فرض حالة التبعية عليها وتجريدها من مقومات القوة وأسباب التطور وإنهاكها بأشواط متتابعة من الحروب والتدخلات العسكرية، وليس احتلال العراق وأفغانستان ودعم إسرائيل والأنظمة العسكرية سوى نماذج صارخة لهذا التوجه. وبالتالي فالجولاني يموضع نفسه في سياق “مراغمة” النظام الدولي عبر تبنيه خط القاعدة، وتأكيده في كل مناسبة أن ولائه لها مستمر، مادام النظام الدولي قد موضع نفسه مع بواكير الصراع الشامي في معسكر النظام الطائفي الوحشي محصنا إياه من كل أشكال الإدانة التي تستتبع اجتثاثه عسكريا، حائلا دون حصول الثوار على السلاح النوعي، ومشاركا فعالا في استهدافهم وحصارهم ماليا وسياسيا. 

الثابت اليوم ومع استفحال مسلسل القتل والتدمير والتشريد في سوريا المبارك دوليا، أن وعيا ثوريا بدأ ينشأ على أنقاض الدمار الذي حل بالبلد، لا يختلف في شيء عن الوعي الذي كانت ثبته ميديا القاعدة، من أن الغرب والنظام الدولي يصران على استدامة المأساة السورية، ولا يُقدم الأسد على مجزرة إلا بضوء أخضر مباشر أو غير مباشر من “المجتمع الدولي”، أو على الأقل من أطراف فاعلة في هذا “المجتمع”، فقد ارتكب مجازر بالسلاح الكيميائي أكثر من مرة، ويمارس إبادة جماعية بحق أهل حلب دون أن يثير ذلك قلق أحد حتى بان كيمون الذي يتقاضى أتعابه لقاء التعبير عن قلقه لم يعد يقوم بذلك. 

إزاء هذا الاستكبار الدولي؛ القاعدة هي أكبر المستفيدين، فلا شيء سيعزز مواقفها أكثر من إصرار القوى الدولية على دعم النظام الطائفي في سوريا وغيرها. وبالتالي من المستحيل مثلا إقناع السوريين بعدم الالتحاق بجبهة النصرة أو رفض التعاون معها، لأن الملاحظ هو العكس تماما. جبهة النصرة من أكبر التنظيمات وأقواها في سوريا، والتكهنات تشير إلى أنها على المدى القريب والمتوسط ستكون الجماعة المسلحة الرئيسية في سوريا، على اعتبار أنها لا تتلقى دعما خارجيا رسميا، وهو الدعم الذي بدأ يشح وقد ينقطع تماما عن بعض الجماعات في أفق تفاهمات دولية قد تتم في أي وقت، ما يعني اختفاءها أو انضمام أفرادها إلى جبهة النصرة، إضافة إلى اعتماد النصرة على المقاتل العقدي، وبعضه أتى من الخارج، وهو المقاتل الذي لا يربط فعاليته بالراتب أو بالبعد العشائري أو المناطقي أو حتى الثأري، بل يقاتل عن قناعة عقدية شرعية صرفة. 

رغم الجهد الدعائي الممنهج في توتير وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الفضائيات ومواقع الانترنت الذي استهدف جبهة النصرة، مستميتا في مهمة إسقاطها وحشد الرأي العام الثوري ضدها، إلا أن كل ذلك الجهد غالبا ما يأتي بنتائج عكسية، فالنصرة متجذرة في النسيج الإجتماعي السوري، ويلتحق العشرات بها يوميا. وفي استطلاعات الرأي التي أشرف عليها معادون لها، تٌظهر النتائج كل مرة أن المزاج العام يميل إلى النصرة وأن الرأي العام الثوري يرى فيها مكونا رئيسيا من مكونات الثورة، وهو ما لم يرق لأكثر من جهة في الداخل والخارج، وبالتالي فأسلوب الحرب الشاملة و تسوية المدن بالأرض واستهداف الحواضن الشعبية للثورة بمباركة دولية سيضل ساريا حتى إشعار آخر. 

(1) بعد الإنتهاء من المقال نُشرت الرسالة الصوتية الجديدة لأيمن الظواهري وفيها يقطع الجدل قطعا مبرما حول مصير علاقة النصرة بالقاعدة، ويؤكد أن العلاقة ستبقى حتى تقام حكومة إسلامية في سوريا. 


https://twitter.com/mazoz_abdlghani

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية