الوصول السريع للمحتويات

آخر الحجاجي..

 
أبو إبراهيم الهاشمي

 

 
عبد الغني مزوز—
 
تظافرت شهادات المنشقين عن تنظيم الدولة الإسلامية، خصوصا من أولئك الذين شغلوا مناصب شرعية في الفترة التي كان فيها مكتب البحوث والدراسات قائما بمهامه ضمن الجهاز البيروقراطي المعقد الذي أرساه التنظيم في ذروة سيطرته ونفوذه، تظافرت لتؤكد أن مجموعة معينة من القادة العراقيين هم من يمسك فعلا بخيوط التنظيم، وإليهم تؤول الكلمة الفصل في معظم القرارات المصيرية التي اتخذها التنظيم خلال العقد الماضي. عرف هؤلاء الرجال باسم الحجاجي وأبرزهم ” حجي عبد الله، حجي حامد، حجي ناصر، حجي تيسير..” ولا يعني هذا أن القادة الآخرين لا دور لهم، فالعدناني مثلا وإن كان سوريا إلا أن تأثيره كان واضحا في عقيدة التنظيم وسياسته، إضافة إلى قادة آخرين وإن كان تأثيرهم أقل من تأثير هؤلاء الحجاجي صعاب المراس.
 
الثابت أن هؤلاء القادة اعترضوا في مناسبات كثيرة على مقترح تنصيب شخصيات غير عراقية في مواقع رفيعة في التنظيم، وصاح حجي حامد في إحدى هذه المناسبات قائلا في جوابه على مقترح تشكيل مجلس شورى موسع يدير شؤون التنظيم:” ما ننطيها.. مانعرف قرعة أبوهم منين يجون ياخذونها منا”. وأكد شرعي منشق عن التنظيم سمى نفسه ابن جبير أن حجي عبد الله كان يعترض البريد الوارد إلى البغدادي ويطلع عليه أولا قبل أن يصل إلى هذا الأخير. وأن حجي عبد الناصر كان يصدر الأوامر باسم البغدادي معللا سلوكه هذا بمرض “الخليفة” وعدم قدرته على مباشرته مهامه بنفسه. لذلك لم يكن مفاجئا أن يتولى حجي عبد الله منصب “الخليفة” عقب مقتل البغدادي ويتخذ لنفسه كنية جديدة هي أبو إبراهيم الهاشمي القرشي. المشكلة الآن أن هؤلاء الحجاجي قد جرى تحييدهم كلهم، اعتقل حجي حامد وحجي عبد الناصر وقتل الباقون، آخرهم عبد الله قرداش زعيم التنظيم الذي قتل في عملية إنزال جوي للجيش الأمريكي ببلدة أطمه في محافظة إدلب شمال غربي سوريا.
 
يعيش تنظيم الدولة الإسلامية فراغا حقيقيا في السلطة ليس فقط بسبب مقتل زعيمه قرداش، ولكن أيضا لخلو ولايتي العراق وسوريا من قائد معروف يمكن أن يكون محل إجماع الولاة والأمراء هناك. عبد الله قرداش كان آخر القادة من جيل “جماعة التوحيد والجهاد”، ولم يعد هناك قائد معروف يمكن أن تؤول إليه القيادة تلقائيا بسبب تاريخه أو شهرته، ما يعني انتقال القيادة إلى جيل جديد سيختبر العالم أدائه القيادي وعقيدته القتالية لأول مرة. حجي عبد الناصر وحجي حامد أكدا هذه الحقيقة من محبسهما في بغداد خلال مقابلة إعلامية معهما. فماذا يعني خلو الساحة من رجل قادر على تأمين الإجماع عليه استنادا إلى تاريخه وكاريزميته؟ وما السيناريوهات المتوقعة في ظل هذا المعطى؟
 
لأول مرة يجد تنظيم الدولة نفسه أمام تحدي خطير يتمثل في نقل القيادة من جيل المؤسسين إلى آخر لم تتضح بعد هويته الجهادية وملامح عقيدته القتالية، وينطوي عنصر الخطر في هذا الإجراء في إمكانية تسليم القيادة إلى شخصية ذات خلفية عقدية مختلفة، كأن يكون من غلاة الحازميين، أو معتدلي التيار البنعلي، أو شخصية بطباع غريبة، ويضع بالتالي تنظيم الدولة في سكة مغايرة للتي كان عليها من قبل. كما حصل مع الجماعة الإسلامية المسلحة عندما قتل أميرها أبو عبد الله أحمد، وتولى بعده أبو عبد الرحمن أمين، فأحدث تغييرا جذريا في أجندة الجماعة. وكما حدث مع جماعة بوكو حرام عندما قتل مؤسسها محمد يوسف وتولى أبو بكر شيكاو مسؤولية الجماعة بعده، فانعكست طباعه الشاذة وغرابة أطواره على أداء الجماعة ومستقبلها. وحدث الشيء نفسه مع تنظيم دولة العراق الإسلامية عندما قتل جيل الأفغان العرب ” أبو مصعب الزرقاوي وأبو حمزة المهاجر” فجاء بعدهم طراز من القادة العراقيين الذين انعكست طباعهم وخلفياتهم النفسية والفكرية على تنظيم دولة العراق الإسلامية. لذلك يقف التنظيم على حدود منعطف هام في مسيرته الدموية، وانتقال السلطة إلى قيادة مغمورة يعد إجراء محفوفا بالمخاطر.
 
تظهر الإحصائيات سواء تلك التي ينشرها تنظيم الدولة في إعلامه الرسمي، أو تلك التي تنشرها وسائل الإعلام، أن زخم العمليات في الولايات البعيدة مرتفع في أحيان كثيرة مقارنة بولايتي العراق والشام. وبينما تمضي الولايات البعيدة خصوصا ولايتي غرب ووسط إفريقيا لتكون ولايات شوكة وتمكين، تكرس وضع ولايتي العراق والشام كولايتين أمنيتين، تدهورت فيهما أوضاع الخلافة بشكل مريع. هذا العامل لا يمكن اغفاله في سياق التحضير لتعيين “خليفة” جديد، وإذا جاء هذا الأخير على غير ما يشتهي أمراء الولايات البعيدة فسيكون يسيرا عليهم أن يقطعوا صلاتهم به على أساس أن الخليفة جُنة، والتمكين شرط من شروط البيعة. صحيح أن هذا السيناريو مستبعد إلى حد ما، لأن البغدادي وبعده الهاشمي لم يكونا يتدخلان في شؤون الولايات الأخرى، وظل وجودهما شرفيا لا أكثر، وكل ولاية تدير أمورها بالشكل الذي تراه مناسبا لها. لكن لا يمكن التغاضي عن حقيقة أن ” خليفتين” عديمي الشوكة قتلى في “دار ردة” دون أن يجدا من “رعاياهما” وجنودهما من يطلق رصاصة واحدة دفاعا عنهما.
 
البيعة لخليفة جديد يحمل في طياته تحديا آخر يتمثل في إمكانية انشقاق التنظيم وتفككه إذا عاند فريق من التنظيم وأبى الاعتراف بشرعيته القائد الجديد لسبب أو آخر. فقد يقع الاختيار على شخصية شامية، يرفضها العراقيون، أو العكس، وقد يتعذر الاجماع على شخصية قرشية، فيعهد بالأمر إلى شخصية غير قرشية، ما سيثير جدلا فقهيا سيسفر لابد عن خلافة برأسين أو أكثر. يوجد عامل حاسم سيكون له دور كبير في تثبيت “الخليفة” القادم، هذا العامل هو الإعلام الرسمي للتنظيم، وبالتحديد مؤسسة الفرقان، ثم يليها في الأهمية كل من وكالة أعماق ثم صحيفة النبأ. الجهة التي لديها صلاحية الوصول إلى الإعلام الرسمي هي ذات الامتياز الأكبر في تحديد الخليفة القادم، تماما كالدور الذي تلعبه الإذاعة التلفزيون الحكوميتين في إنجاح الانقلابات أو إفشالها.
 
رغم كثرة وتنوع المؤسسات الإعلامية التي أسسها تنظيم الدولة خصوصا في ذروة قوته وسيطرته، وإسناد إدارتها لشخصيات عديدة لاسيما من العناصر الأجنبية الخبيرة في الإعلام، إلا أن مؤسسة الفرقان ظلت دائما المؤسسة الوحيدة التي تمتعت بالحق الحصري في بث كلمات قادة التنظيم، وكُلف قادة عراقيين كبار مثل أبي محمد فرقان بإدارتها. وبالتالي فالشخصية التي سيتم الإعلان عنها عبر مؤسسة الفرقان هي التي ستتولى منصب “الخليفة” الشاغر، وإن عارضتها جيوب وجهات في هذه المنطقة أو تلك. فالتقليد الجهادي يقضي أن ما ينشر على الإعلام الرسمي هو الحائز فقط على المصداقية والموثوقية، لذلك فأغلب مناصري ومؤيدي تنظيم الدولة في المنصات الالكترونية لم يصدقوا خبر مقتل “خليفتهم” حتى الآن، ولازالت البيعات ترفع إليه في مجموعاتهم وقنواتهم، وضربوا صفحا بكل الصور والشهادات التي وثقت مقتله وتناقلتها وسائل الإعلام العالمية، وسيصدقون ذلك فقط إذا تحدتث عنه مؤسسة الفرقان.
 
 
 
 
 
 
مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية