
تؤكد عدد من التحليلات والتقارير الصحفية والأمنية، وعلى رأسها التقرير الذي أعده الباحثان سارة حرمل وبراوس هوفمان ونُشر في مجلة “حروب صغيرة” (Small Wars Journal)، أن تنظيم القاعدة يعيش مرحلة استثنائية من التكيف الهيكلي والإعلامي، تفرضها الضغوط الاستخباراتية وتغير جغرافيا النزاعات المسلحة. وتكشف القراءة المتأنية للإصدار المرئي الأخير الذي أطلقته مؤسسة “السحاب” الإعلامية بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، عن استراتيجية مزدوجة يعتمدها التنظيم لضمان استمراريته؛ تقوم على الفصل بين الرمزية المعنوية للجيل المؤسس والقيادة التنفيذية المتوارية عن الأنظار.
تتجسد هذه الاستراتيجية في إعادة إبراز اسم وتسجيلات حمزة بن لادن، نجل مؤسس التنظيم، وتوصيفه بـ “الشيخ المجاهد” دون إقران اسمه بعبارات الرحمة المخصصة للأموات أو أدعية الحفظ المخصصة الأحياء. ويأتي هذا التعاطي الإعلامي بالرغم من التأكيدات الرسمية الأمريكية الصادرة منذ عام 2019 والتي تؤكد مقتله في غارة جوية دقيقة. إن إبقاء حالة الغموض حول مصير حمزة بن لادن لا تستهدف مجرد الإيهام الأمني، بل تمثل تكتيكا تنظيما يُراد منه سد الفراغ القيادي الناجم عن عدم الإعلان الرسمي عن خليفة لأيمن الظواهري الذي قُتل في كابول عام 2022، وتجنب الخوض في استحقاقات “البيعة” التقليدية التي قد تفجر خلافات علنية بين الفروع الإقليمية المختلفة حسب خلاصات الباحثان المذكوران.
من الناحية التنفيذية، تُجمع تقارير أجهزة الاستخبارات وهيئة الأمم المتحدة على أن القيادي المصري التاريخي “سيف العدل” هو من يحرك بوصلة التنظيم ويشرف على توجيهاته الاستراتيجية من الخلفية. غير أن تواري سيف العدل وغيابه التام عن الواجهة الإعلامية يعود لأسباب أمنية تحميه من المصير الذي لاقاه أسلافه، إضافة إلى تعقيدات تتعلق بطبيعة ملاذاته الأمنية وعلاقاته الإقليمية المثيرة للجدل لاسيما مع إيران، والتي تُستغل من قبل منافسين كلاسيكيين مثل تنظيم “داعش” للتشكيك في شرعيته الفكرية. ومن هنا، تبرز الحاجة التنظيمية لرمزية “بن لادن” كواجهة قادرة على جمع الشتات وتعويض هذا العجز الشرعي والسياسي.
علاوة على ذلك، يتوسع التقرير في تحليل البعد الجماهيري لاستراتيجية التنظيم؛ إذ يسعى القاعدة من خلال استحضار صورة حمزة الخطابية والوجدانية إلى مخاطبة جيل جديد من المجندين والشباب الذين ولدوا بعد أحداث عام 2001، والذين لا يملكون ذاكرة حية مع أسامة بن لادن إلا عبر أدبيات الأرشيف ومقاطع الفيديو القديمة. يهدف هذا الضخ الإعلامي إلى إعادة تقديم الأسطورة التأسيسية للتنظيم كإرث مستمر يتجاوز الأشخاص، وتحويل السيرة التاريخية لمؤسس التنظيم إلى مظلة جامعة للفروع الإقليمية الناشطة في إفريقيا وآسيا.
تُظهر هذه التحركات أن تنظيم القاعدة قد انتقل من نموذج “المركزية الصلبة” والقيادة المباشرة التي ميزت عهد أسامة بن لادن، إلى “هيكل شبكي ” تمتلك فيه الفروع المحلية استقلالية عالية في تمويل عملياتها وتكييف أجنداتها مع بيئاتها المحلية. وفي هذا الواقع الجديد، لا تعود القيادة المركزية بحاجة إلى إصدار أوامر عملياتية تفصيلية بقدر حاجتها إلى الحفاظ على “العلامة التجارية” والهوية الفكرية المشتركة، وهو ما يفسر استخدام أشباح الماضي ورمزيات الأسماء التاريخية لضمان بقاء التنظيم واستمراريته في خريطة الجماعات الجهادية في العالم.



