
لا يقل وقع المفاجأة التي أحدثها مقتل أبي حذيفة الأنصاري واسمه الحقيقي هيثم ثابت الردفاني في مدينة سيئون بمحافظة حضرموت اليمنية عن تلك التي أحدثها مقتل أبي بكر البغدادي في 2019 في قرية باريشا بمحافظة إدلب الخاضعة حينها لنفوذ هيئة تحرير الشام والتي يحرم تنظيم الدولة الإقامة فيها باعتبارها “دار كفر طارئ”، وأيضا مقتل خليفته أبي الحسن الهاشمي في مدينة جاسم بمحافظة درعا عام 2022 والخاضعة أيامها لسيطرة مزيج من فصائل الجيش الحر والميليشيات الموالية لروسيا، ولم يكن أحد يعلم أن المستهدف هو “الخليفة” إلى أن أعلن التنظيم ذلك لاحقا في بيان رسمي.
العملية المشتركة التي شنتها القوات اليمنية وتحالف دعم الشرعية في مدينة سيئون في 1 من سبتمبر/ أيلول 2026 أسفرت حسب بيان صادر عن الجهاز المركزي لأمن الدولة عن مقتل المتحدث الرسمي باسم تنظيم داعش واعتقال شخص آخر برفقته، ومصادرة أجهزة إلكترونية بينها هواتف وحواسيب محمولة ولوحات إلكترونية، وتأمين امرأتين و5 أطفال كانوا في المنزل المستهدف، إضافة إلى إبطال مفعول حزام ناسف. ولم تسجل حسب بيان الجهاز أي إصابة في صفوف المدنيين لافتا إلى أن نجاح العملية أتى بفضل “تبادل المعلومات الاستخبارية وعمليات المراقبة والاستطلاع والتخطيط والتدريب العملياتي”.
تنطوي عملية القضاء على أبو حذيفة الأنصاري على مجموعة من الدلالات والمؤشرات منها:
الانكشاف الأمني المستمر
لم يكد تنظيم الدولة يستفيق من صدمة مقتل أميره على ولايات الساحل وغرب إفريقيا ورئيس مكتب الأنفال النيجيري أبو بلال المينوكي مع مجموعة من مسؤولي ملف الإعلام في عملية مشتركة بين القوات النيجيرية والجيش الأمريكي في مايو/ أيار 2026، حتى تلقى ضربة جديدة في اليمن أطاحت برأس آخر في دائرة القيادة العليا، هذا فضلا عن سلسلة من عمليات الاعتقال والتصفية التي تعرض لها قادة كبار في “ولاية الشام” كان آخرهم العسكري العام للولاية أبو جهاد المهاجر في 18 من أغسطس/آب 2026.
عانى تنظيم الدولة منذ مقتل أبي بكر البغدادي من نزيف حاد في القيادات الكبيرة، وقد خسر فعليا كل قياداته التاريخية، وقيادات الصف الأول، فمنذ 2019 تاريخ الهزيمة الميدانية للتنظيم وطرده من آخر معاقله في سوريا والعراق خسر أربعة زعماء (خلفاء) وثلاثة ناطقين باسمه، إضافة إلى مجموعة من القيادات النافذة، ولم يتبق من الزعامات المعروفة أحد. بينما نجد تنظيما منافسا كالقاعدة مثلا لم يخسر منذ تأسيسه نهاية الثمانينات إلى اليوم سوى زعيمين فقط هما أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، ولايزال في رصيده عدد من القيادات المؤسسة رغم ما خسره هو الآخر من الرجال المؤثرين.
أخفق تنظيم داعش في حماية قياداته رغم ما اتخذه في سبيل ذلك من إجراءات، فقد حظر استعمال الهواتف المحمولة على عناصره، واتبع إجراءات أمنية صارمة في تأمين اتصالاته، وأنشأ مقرات سرية في أماكن نائية كصحراء الأنبار والبادية السورية، وبيوتا آمنة في القرى والبلدات التي لا تثير الشبهات، مثل بلدات جاسم وباريشا وأطمه وغيرها.
كان الاعتقاد السائد بين عناصر التنظيم وقياداته في السنوات الخمس الماضية أن ” ولاية الشام” مخترقة بشكل كبير، بسبب مسلسل الاغتيالات والاعتقالات التي تعرض لها قادة التنظيم في سوريا في وقت قياسي، ولم يكن هناك تفسير لذلك سوى أن ثمة ثغرة ما في البنية التنظيمية أو منظومة التواصل مكنت من تحييد 4 “خلفاء” و 3 ناطقين رسميين، وعدد من القادة الكبار بينهم أمراء اللجنة المفوضة، وأمراء مكتب إدارة الولايات البعيدة، وقادة ميدانيين بارزين يعدون بالعشرات. فأطلق بعض من عناصر التنظيم على ولاية الشام لقب ” الولاية المخترقة”.
مقتل أبي حذيفة الأنصاري في اليمن بعد أشهر من مقتل أبو بلال المينوكي في نيجيريا يؤكد استمرار مأزق التنظيم وعجزه عن تأمين البقية الباقية من كوادره، حتى وهم خارج ولاية الشام المخترقة، بل وهم في أماكن لم تكن محسوبة جغرافيا على مناطق التنظيم ولم يسبق لها أن شهدت نشاطا علنيا له فيها مثل مدينة سيءون اليمنية التي قتل فيها أبو حذيفة، وبلدة جاسم التي قتل فيها أبو الحسن الهاشمي في درعا جنوب سوريا. فالماكينة التي ما فتئت تطيح برؤوسه الكبيرة بلا هوادة عجز التنظيم بكل إجراءاته عن وقف دورانها.
نضوب القيادات
الأزمة الكبيرة التي يعيشها تنظيم داعش الآن تتمثل في نضوب رصيده من القيادات التاريخية المؤسسة، وهو ما كشفته عملية اغتيال أبو حذيفة الأنصاري في اليمن. من كان يتوقع أن يلجأ التنظيم إلى تعيين شخصية مغمورة في ولاية آفلة مثل ولاية اليمن في منصب حساس هو بمثابة ثاني أرفع منصب في بنية التنظيم بعد ” الخليفة” من ناحية الحضور والتأثير والشرعية، ويتطلب صفات ومعايير صارمة تمكن صاحبها من النسج على منوال “المنجنيق”، اللقب الذي منحه التنظيم وأنصاره للمتحدث الرسمي الأسبق أبو محمد العدناني الذي مازالت خطبه تشحن أعضائه، وتؤثر فيهم، وكان له دور بارز في بلورة ” داعش” فكرا وتنظيما وتوسعا.
خلافا لأبي بكر البغدادي “الخليفة” الأول الذي قتل في 2019 لم يظهر أي زعيم لداعش بعده بصوته ولا بصورته، وتركوا المهمة للمتحدثين الرسميين، ومن هنا تكمن خطورة مناصبهم، فكل ما ينطقون به يتخذه أنصار التنظيم وأعضائه بمثابة توجيهات وأوامر، ويستندون في مواقفهم إلى ما يتحدث به هؤلاء، وعلى هذا الأساس يكافئ مقام المتحدث الرسمي مقام ” الخليفة” أو يفوقه أهمية فهذا الأخير لا يبدو سوى كنية مجهولة واسم مستعار بينما المتحدث الرسمي يملك صوتا ونبرة وقدرة على إنتاج الخطاب وبلورة السرديات، وحتى الإعلان عن تنصيب “الخلفاء” الجدد لا يكون إلا من خلالهم.
على الأرجح السبب الأول الذي دعا تنظيم داعش إلى تعيين ناطق رسمي مغمور في ولاية بعيدة هو عدم وجود شخصية بالكفاءة اللازمة لهذه المهمة في العراق وسوريا، لقد استُنفد رصيد التنظيم من الكفاءات القادرة على صياغة خطابات نارية كتلك التي يصوغها العدناني والمهاجر والقرشي، ولم يجد بدا من التنقيب عنها في الأجيال الجديدة التي لا يستطيع ضمان ولائها ولا التحقق من خلفياتها ولا تملك تاريخا “جهاديا” يزكيها ويدفع عنها الشبهات.
في ذروة سيطرة التنظيم ونفوذه في العراق وسوريا، أشهر قادته العراقيون الفيتو في وجه أي محاولة لتعيين شخصية وافدة في منصب رفيع، كالناطق الرسمي أو عضوية اللجنة المفوضة أو الخليفة ونوابه، مهما بلغت مكانة هذه الشخصيات، وقال حجي حامد في أحد الاجتماعات معبرا عن رفضه تولي شخصية غير عراقية قيادة داعش ” والله ما ننطيها”. لكن خلال سنوات، أتت الحرب والاغتيالات والاعتقالات على كل القيادات الوازنة، حتى عجز التنظيم عن إيجاد بديل يستوفي شروط الإمارة بعد مقتل زعيمه أبو الحسين الحسيني في أبريل/ نيسان 2023 فنقل المنصب إلى جبال عل ميسكاد في شمال شرق الصومال وعهد بها إلى عبد القادر مؤمن الجهادي الصومالي الذي قضى شطرا من حياته بين السويد ولندن. وربما مؤهلاته الوحيدة أنه ينحدر من سلالة هاشمية و يملك فائضا من الأموال نهبها من التجار والمهربين والرعاة ورجال القبائل في إطار ما يمسى في أدبيات داعش بـ” الكلفة السلطانية” وصار يضخها في شرايين ” الخلافة” عبر مكتب الكرار الذي يشرف عليه.
من المركزية إلى الشبكية
في مرحلة صعود تنظيم الدولة وتوسعه، كانت بنيته القيادية شديدة المركزية؛ إذ تمركزت المؤسسات الأكثر أهمية في العراق وسوريا، وعملية صناعة القرار محصورة في مجموعة من القادة النافذين في اللجنة المفوضة، ولم تكن الولايات البعيدة كيانات تتمتع بقدر كبير من الاستقلال وصلاحياتها تنفيذية بحتة، وتعمل ضمن منظومة مركزية صارمة. فـ”مكتب إدارة الولايات البعيدة” يتولى الإشراف على شؤون الولايات خارج العراق وسوريا، كما يحتفظ المركز بصلاحيات واسعة في تعيين وعزل القيادات الاقليمية، وإدارة الأزمات، وضبط الخطاب الإعلامي، وتحديد نطاق الصلاحيات المسموح بها للولايات.
ولم تكن هذه المركزية مقتصرة على الجانب الإداري، بل امتدت إلى المجال الإعلامي أيضا. فالولايات لم تكن تتمتع بحرية مطلقة في إنتاج خطابها وإصداراتها، وكانت المواد التي تنشر عبر مكاتبها الإعلامية تمر أولا عبر ديوان الإعلام المركزي لتدقيقها ومراجعتها، بما يضمن وحدة الرسالة الإعلامية ويمنع ظهور خطابات محلية قد تتعارض مع توجهات القيادة المركزية. وهو الأمر الذي يسري أيضا على القيادات الاقليمية، إذ يحتفظ المركز بحق التدخل المباشر في اختيار الأمراء وعزلهم، كما حدث في نيجيريا عندما تم تعيين أبي مصعب البرناوي أمير على ولاية غرب إفريقيا وعزل أبي بكر شيكاو، وفي مناسبات عدة لجأ المركز إلى إرسال شخصيات أو لجان ذات صلاحيات واسعة لإعادة ضبط الولايات المضطربة وإعادة فرض سلطة المركز عليها كما حدث في أزمة ولاية اليمن في عهد زعيمها أبو أسامة المهاجر.
أما الصورة الحالية فتبدو مختلفة بصورة لافتة. فقد أخذت مؤسسات التنظيم تتوزع جغرافيا على أكثر من ولاية، ولم تعد الوظائف المركزية الكبرى مرتبطة بمنطقة أو ولاية واحدة. فإذا صحت المعطيات التي تشير إلى وجود الخليفة في الصومال، والناطق الرسمي في اليمن، وبقاء اللجنة المفوضة في سوريا، وإدارة جزء من المنظومة الإعلامية من نيجيريا واليمن، فإننا أمام تنظيم تتوزع مراكز ثقله على مساحات ودول متباعدة، بعدما تجمعت لسنوات في بقعة واحدة.
هذه التحولات لا تعني بالضرورة أن داعش تخلى عن المركزية بصورة كاملة، أو أن الولايات أصبحت مستقلة تماما عن القيادة العليا، إذ لا تزال هناك على الأرجح مؤسسات وآليات تحفظ قدرا من وحدة التنظيم وتماسكه. لكنها تشير إلى تغير في مفهوم المركز نفسه. فبدلا من أن يكون المركز مكانا جغرافيا تجتمع فيه القيادة والمؤسسات والموارد والقرار الإعلامي، يبدو أن التنظيم يتجه إلى توزيع هذه الوظائف على شبكة من الولايات والمناطق، بحيث لا يؤدي سقوط مركز جغرافي معين إلى شل المنظومة برمتها.
وهنا تظهر مفارقة بالغة الأهمية: ما يبدو في ظاهره دليلا على ضعف المركز قد يكون في الوقت نفسه آلية للبقاء. فالتنظيم الذي خسر قياداته بصورة متكررة، وأصبح عاجزا عن ضمان سلامة زعمائه في العراق وسوريا، يجد في توزيع مؤسساته على ولايات متباعدة وسيلة لتقليل كلفة استهداف القيادة. فإذا قتل الناطق الرسمي في اليمن، لا يعني ذلك بالضرورة انهيار الجهاز الإعلامي؛ وإذا تم تحييد “الخليفة” الموجود في الصومال، لا يعني ذلك أن المؤسسات والهيئات الأخرى أصبحت مكشوفة في مناطق الأخرى.
لكن لهذا النموذج ثمنه أيضا. فكلما ابتعدت المؤسسات عن المركز، وتخلى التنظيم عن المركزية، أصبح الحفاظ على وحدة القرار والانضباط التنظيمي والتجانس الفكري أكثر صعوبة. وقد تتحول اللامركزية من وسيلة لحماية التنظيم إلى عامل يؤدي تدريجيا إلى زيادة استقلال الولايات، وتباين أولوياتها، وتضخم نفوذ القيادات المحلية، وربما ظهور مراكز قوة داخلية يصعب على القيادة العليا التحكم فيها.
ومن هذه الزاوية، فإن مقتل أبي حذيفة الأنصاري يكتسب دلالة إضافية: الرجل الذي يشغل منصبا مركزيا في التنظيم لم يعد موجودا في المركز أو المعقل التقليدي للقيادات، وإنما في إحدى الولايات البعيدة. وهذا بحد ذاته يلخص التحول الذي طرأ على داعش خلال السنوات الأخيرة؛ فقد انتقلت الولايات البعيدة من كونها مجرد روافد وأطراف تتلقى الأوامر من العراق وسوريا إلى كونها بصورة متزايدة، جزءا من البنية التي تنتج القيادة والموارد وتدير دفة التنظيم.



