
شهدت مالي في الأول من يوليو 2025 تصعيدًا لافتًا في نشاط الجماعات الجهادية، بعد إعلان جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، المرتبطة بتنظيم القاعدة، مسؤوليتها عن تنفيذ هجمات منسقة استهدفت مواقع تابعة للجيش المالي في غرب البلاد، شملت قاعدة في بلدة ديبولي القريبة من الحدود مع السنغال.
تكتسب بلدة ديبولي أهمية استراتيجية بالغة لوقوعها على طريق تجاري رئيسي يربط مالي، الدولة غير الساحلية، بميناء داكار السنغالي. وتشكل هذه الطريق شريانًا اقتصاديًا حيويًا تعتمد عليه مالي في استيراد السلع والبضائع.
ويعد الهجوم في هذه المنطقة تطورًا مقلقًا، إذ تمكّنت الجماعة لأول مرة من الاقتراب من الحدود السنغالية، التي كانت حتى وقت قريب بمنأى عن التهديدات الجهادية.
حتى الآن، لم تُعلن السلطات المالية عن حجم الخسائر في صفوف الجيش جراء الهجمات. غير أن تنسيق الضربات، التي طالت عدة مواقع عسكرية، يثير قلقًا متزايدًا لدى المراقبين بشأن قدرة الدولة على احتواء التهديد الأمني المتصاعد.
وتعيش مالي منذ أكثر من عقد على وقع تمرد جهادي عنيف، تفاقم عقب الانقلابات العسكرية، وطرد القوات الفرنسية عام 2022، واعتماد الحكومة على عناصر مجموعة “فاغنر” الروسية، دون تحقيق نتائج أمنية ملموسة.
تأتي هذه التطورات في سياق توسّع نفوذ الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، لا سيما في بوركينا فاسو المجاورة، حيث شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا لافتًا في هجمات جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”.
ويرى خبراء أن انتقال نشاط الجماعة إلى الحدود الغربية لمالي يمثل اختراقًا جغرافيًا جديدًا، يهدد بزعزعة الاستقرار في السنغال، الدولة التي تتمتع حتى الآن بدرجة من الاستقرار مقارنة بجيرانها.
علّق ألف ليسينغ، الباحث في مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، بأن هذه الهجمات تمثل مؤشرًا على ضرورة تعزيز السنغال لأمنها الحدودي، استعدادًا لاحتمال تسرب التهديدات الجهادية إلى أراضيها.
من جهتها، تحذّر منظمات دولية من أن تراخي أنظمة غرب إفريقيا في مواجهة التهديدات الأمنية قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات وتهديد الاستقرار الإقليمي، خصوصًا في ظل ضعف التنسيق بين الحكومات، وتراجع فاعلية تحالفات مثل مجموعة “G5 الساحل”.
منذ انسحاب القوات الفرنسية وتراجع دور مجموعة “فاغنر”، تعاني مالي من فراغ أمني متزايد، يقابله اعتماد الجيش على أساليب تقليدية في الدفاع، مع نقص في القدرات التقنية واللوجستية.
ويرى مراقبون أن الجماعات المسلحة تسعى من خلال هذه الهجمات إلى فرض واقع ميداني جديد، وكسر معنويات الجيش المالي، بالتوازي مع تحقيق مكاسب إعلامية ودعائية.
جاء الهجوم في بداية يوليو، وهو توقيت يتزامن مع العام الهجري الجديد، وغالبًا ما يُستغل لإرسال رسائل رمزية وسياسية. وقد استخدمت الجماعة في هجماتها أساليب متنوعة، شملت القصف، القنص، والهجوم الأرضي المتزامن، مما يعكس تطورًا في تكتيكاتها الميدانية.
يمثل اقتراب الجماعة من الحدود السنغالية تهديدًا مباشرًا لطريق التجارة الحيوي بين داكار وباماكو، ما قد يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية في المنطقة. كما يضع الهجوم النظام العسكري في مالي تحت ضغط شعبي ودولي، وسط اتهامات بعدم القدرة على ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار.
يُعد الهجوم الأخير مؤشرًا واضحًا على تغير خارطة النزاع في منطقة الساحل، مع انتقال الجماعات الجهادية إلى مناطق جديدة لم تكن ضمن بؤر التوتر التقليدية. ويطرح هذا التوسع تحديات كبيرة أمام حكومات غرب إفريقيا، التي باتت مطالبة بإعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية وتفعيل التعاون الإقليمي للحد من انتشار التهديدات المسلحة.




