الوصول السريع للمحتويات

خطف وتعذيب وتصفيات بالجملة.. “الأمنيون” وأدوارهم في خلافة داعش

مهما جنح الخيال بجورج أورويل فلن يستطيع تخيل منظومة أمنية بقسوة ودموية “الجهاز الأمني” في داعش، عوالم الشمولية السياسية التي ابتكرها الكاتب البريطاني في روايته الشهيرة (1984) هي بالقياس إلى ما عاش فيه الناس تحت حكم داعش مدينة فاضلة ومجتمع حر متقدم. جزء كبير من حصيلة الفظاعات التي ارتكبها التنظيم يتحمل مسؤوليتها جهازه الأمني الخاص ذي النفوذ الواسع والصلاحيات اللامحدودة، ومع طرد التنظيم من معاقله وإسقاط “دولته” يعود إلى طبيعته البحتة كمجموعة من الخلايا الأمنية المتمرسة في عمليات التفجير والخطف والاغتيال.

خبرة بعثية

قبل تمدد تنظيم داعش إلى سوريا في 2013 وصلت إلى المناطق المحررة حديثا من قبضة نظام الأسد كوادر متخصصة في العمل التنظيمي والأمني، أجندتها مختصرة في تأسيس منظومة أمنية استخباراتية تكون نواة “دولة” سيتم الإعلان عنها قريبا.

طاف “حجي بكر” في مناطق الشمال السوري، ودس مساعديه في المدن والقرى، وكلفهم بجمع المعلومات حول العائلات المتنفذة ومواردها المالية، وأعضاء الكتائب المتمردة وقادتها وميولاتهم السياسية، وما إذا كان بعضهم  متورطا في نشاطات يمكن أن يبُتز بواسطتها. لقد مسح حجي بكر مناطق الشمال السوري مستعينا بعشرات المخبرين الذين وظفهم لصالحه. أوراق ومخططات الرجل التي عثر عليها في مقر إقامته بعد اغتياله في مدينة تل رفعت في يناير 2014 أظهرت أن الرجل قطع أشواطا متقدمة في تأسيس جهاز أمني “لدولة استخبارات إسلامية” كما يصفها  كريستوفر رويتر الصحفي الألماني الذي اطلع على أوراق ووثائق حجي بكر. 

استفاد سمير عبد محمد الخليفاوي وهو الاسم الحقيقي لحجي بكر من خلفيته العسكرية والأمنية كعقيد في الجيش العراقي السابق وضابط في استخبارات الدفاع الجوي في إنجاز مهامه السرية في سوريا. ولم يُقتل حتى نجح في وضع حجر الأساس لجهاز أمني دموي أطلق حملة اغتيالات واختطافات واسعة النطاق مهدت لاكتساح سريع لمناطق الشرق والشمال السوري من قبل مجموعات مسلحة قادمة من العراق وأخرى مشكلة من وافدين أجانب، انتهت باعلان “الخلافة” واجتياح عدد من المدن في سوريا والعراق. وبعد عدة أشهر تم الإعلان عن “ديوان الأمن العام” ضمن هيكلية “الخلافة” كجهاز أمني أسندت إليه مهام خطيرة وحساسة، وكان دوره رئيسيا في جرائم الحرب التي ارتكبها التنظيم ولا يزال.

ديوان الأمن العام

لم يبدأ النشاط الأمني لداعش بالإعلان عن “ديوان الأمن العام” وإنما كان الديوان تتويجا لخبرة متراكمة من العمل الأمني امتدت لعشر سنوات، بدأت مع تنظيم القاعدة في العراق الذي كانت أغلب نشاطاته ذات طابع أمني. وكانت “وزارة الأمن” حاضرة في التشكيلتين الوزاريتين التي أعلن عنهما ما سمي حينها “تنظيم دولة العراق الإسلامية”. وكان أمنيوه مسؤولون عن أشد الهجمات فتكا في العاصمة بغداد والتي أطلق عليها “خطة هدم الأسوار” و”غزوة الأسير” واستهدفت مقرات حكومية ووزارات سيادية .

كان “ديوان الأمن العام” مشبعا بخبرة ضباط البعث وحماس المتطرفين الأجانب المفعمين بالحمية والاندفاع. وكشف وثائق داعش المسربة أن معظم ملفات التنظيم يمسك بها هذا الجهاز الذي يتمتع بصلاحيات غير محدودة، ويرتبط مباشرة بزعيم “الخلافة”، ولا يخضع عناصره للمساءلة القضائية -على صوريتها- بل لديهم قضاء خاص بهم يسمى “القضاء الأمني”.

رغم وجود ما يسمى “ديوان الجند” و “هيئة الحرب” الجهتان المشرفتان على النشاط العسكري لتنظيم داعش إلا أن “ديوان الأمن” يتدخل -حسب وثائق مسربة- في تقييم المعارك وأداء القادة العسكريين وإخضاعهم للتحقيق، ويقدم توصياته بشأن سير المعارك والإجراءات التي يجب اتخاذها في هذا الإطار.

كما أمسك بالملف “الشرعي” رغم وجود هيئات ومكاتب شرعية منوط إليها تدبير الخطاب الشرعي في التنظيم وما يتصل به من إصدار الفتاوى وطبع المنشورات والتحدث عن مواقف داعش الفقهية والعقدية. الجهاز الأمني يرفع تقارير دورية عن “حالة الشرعيين” ويتتبع نشاطاتهم عن كثب، ويقدم مقترحاته بخصوص المسائل العقدية المثيرة للجدل، وطالب بأن يحال إليه ملف الشرعيين برمته، وخاصة أولئك “الغلاة” أو “المرجئة” الذين يروجون مواقف مخالفة للتنظيم.

الى جانب هذه الملفات يشرف ديوان الأمن أيضا على السجون ومواقع الاعتقال السرية، ويقوم بتأمين المختطفين الأجانب من ناشطين  وصحفيين وعمال إغاثة..، ويتولى التحقيق مع الموقوفين، وتنفيذ عمليات الإعدام والتصفية وغيرها.

جستابو الخلافة

شبه أبو محمد الهاشمي “ديوان الأمن” بجهاز الجستابو التابع للنظام النازي أو هيئة الطوارئ الروسية لمكافحة الثورة المضادة الذي أسسه قائد الثورة البلشفية فلاديمير لينين. القيادي الذي انشق عن داعش ونجح في التواري عن أنظار الأمنيين قبل أن ينجح في الوصول إلى منطقة آمنة رسم صورة مرعبة  لديوان الأمن في دولة الخلافة المزعومة. حيث يمكن أن تستيقظ ليلا وتجد الأمنين إلى جانب سريرك، فيجروك إلى سجونهم الرهيبة على وقع صراخ الزوجة والأولاد.

حدد البغدادي في رسالة سرية إلى أحد مساعديه المفاصل الحساسة في تنظيمه بأنها: “الولاة ونوابهم و ديوان الأمن”. وطالب في رسالة أخرى منفصلة بإعفاء الأمنيين من المساءلة لما ينطوي عليه عملهم من حساسية، وأوعز إلى لجنة المتابعة والإشراف التي شكلها بعدم التدخل في شؤون “ديوان الأمن”.

كان “الديوان” يستولي على عقارات ومنازل المواطنين في المناطق التي سيطر عليها التنظيم ويحولها الى مقرات له وأوكار للتعذيب والإخفاء القسري دون أن يتجرأ أحد على الاعتراض، كما ظهور في وثيقة سربت مؤخرا وهي عبارة عن رسالة إلى أحد المواطنين في مدينة الرقة أيام سيطرة داعش عليها تطالبه بتسليم بيته الكبير الذي يسكن فيه مع أسرته ” انطلاقا من المصلحة العامة للدولة وتيسيرا لأمر الإخوة في مركز الأمن العام”.

يعين قادة داعش في جهازه الأمني من ثبت ولاءه المطلق لهم، ويكون مستعدا لتنفيذ الأوامر مهما كانت طبيعتها. الولاء هنا يجب أن يكون لقادة التنظيم حصرا وليس للتنظيم ولا لعقيدة التنظيم. وقد تابعنا كيف غيرت داعش عقيدتها ومواقفها الشرعية وتنازعتها تيارات عقدية مختلفة لكن الجهاز الأمني لم يتأثر بهذه التحولات وظل يسجن ويقتل رموز هذه التيارات كلها حسب التوجيهات التي تأتيه من قيادته العليا. الولاء غير المشروط والتبعية المطلقة من الأمنيين لقادة داعش جعلت أبي محمد الهاشمي القيادي الشرعي المنشق يصفهم ” بمشركي الطاعة” أي أن ولاءهم يكاد يكون تأليها لزعمائهم.

فظاعات الأمنيين

ليس شرطا أن ترتكب محظورا في دولة داعش حتى تجد نفسك في أحد سجونهم الرهيبة، بل يكفي أن تكون في المكان الخطأ والزمان الخطأ فيتصادف مرورك مع حملة اعتقالات عشوائية يقودها أمني يريد استعراض سلطته المطلقة على الناس. فقد أظهرت وثيقة من وثائق التنظيم أن مدرسا سوريا للغة الانجليزية أمضى شهورا في سجون الأمنيين دون أن يعلم أحد سبب اعتقاله، وقد اعتقله “ديوان الأمن” من داخل منزله وزج به في السجن، وكلما سأل مسؤولو السجن عن سبب اعتقال الرجال يجيبهم الأمنيون بالقول “لا ندري” مع أن المدرس حسب الوثيقة” ملتزم بالسنة ويتوفر على ورقة استتابة لأنه يدرس اللغة الانجليزية ولم يغادر أراضي ولاية الرقة منذ خمس سنوات”. 

أبو صفية اليمني أحد عناصر داعش كان قد تحدث عن اعتقاله وقضاءه في سجن الأمنيين مدة دون أن يعرف سبب اعتقاله وعندما استفسر من المسؤول الأمني الذي اعتقله عن سبب اعتقاله أجابه ” نسيت لكن سأنظر في الأمر”.

يمارس الأمنيون أساليب تعذيب بالغة القسوة في سجونهم، تشمل الصق بالكهرباء والتعليق من الأطراف، والتجويع، وتعذيب الضحايا أمام أنظار عائلاتهم، والجلد والايهام بالقتل عبر تغطية الرأس بأكياس بلاستيكية، أو إطلاق خليط من غاز الطبخ وبعض المواد الكيميائية في المهاجع والزنازين، كما يروي سجناء سابقون في معتقلات داعش. وفي أحيان كثيرة يتم تسليم جثث من قضوا تحت التعذيب إلى عائلاتهم وقد طُمست تماما معالم الجثة لدرجة يصعب معها تحديد هوية صاحبها.

يؤكد أبو محمد الهاشمي أن أكثر من 700 شخص ممن ينحدرون فقط من دول شمال افريقيا قد قتلوا في سجون “ديوان الأمن العام” وكلهم كانوا أعضاء سابقون في داعش. وقد خرجت في الايام الماضية قوائم بعشرات الأشخاص الذين قتلوا على أيد الأمنيين، وألحقت أسماءهم بقوائم “شهداء” التنظيم!! وإذا كان هذا حال أشخاص بايعوا داعش وقاتلوا في صفوفه فكيف كان حال المواطنين العاديين ممن يصفهم التنظيم بالعوام.

بالنسبة للعراقيين والسوريين لا يوجد فرق بين سجن تدمر وفرع فلسطين وسجون صدام حسين وبين أوكار التعذيب التابعة لداعش. رواية القوقعة أشهر روايات أدب السجون اكتسبت سمعتها الأدبية من قصتها التي تحكي عن شاب سوري مسيحي قضى في سجون النظام السوري 13 سنة دون أن يعرف سبب اعتقاله. في زمن داعش سجن الآلاف وعذبوا ثم أعدموا دون أن يدري بقصتهم أحد، وكثير منهم لا يعرفون سبب اعتقالهم. ومع انهيار “دولة داعش” تحولت فلوله إلى مفارز أمنية بحتة تنشر الرعب والموت في العراق وسوريا، ويشكل التصدي لها وتفكيكها تحديا مضنيا لقوات الأمن والتحالف الدولي.

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية