الوصول السريع للمحتويات

تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين

رافد فاضل محمد علي—
  السجلت حرب الخليج الأولى التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها عام 1991 لإنهاء احتلال العراق للكويت نقطة تحول في تاريخ منطقة الشرق الأوسط وتياراتها السياسية. وبالنسبة للتيار السلفي الجهادي فقد سجلت تلك الأزمة دخوله مرحلة جديدة بعد نهاية حقبة حرب أفغانستان وبدء عودة عناصر ذلك التيار إلى بلدانهم.

وبرغم كل تعقيدات الوضع يومها، فقد ركز السلفيون الجهاديون على قضية وجود قوات أجنبية على أراضي المملكة العربية
السعودية. وهو ما أدانوه وسعوا إلى مقاومته وتغييره وإن لم تتوفر لهم الوسائل أو الظروف حينذاك. وقد شهدت سنوات التسعينيات اللاحقة تطورات مهمة لمسار التيار السلفي الجهادي على مستوى إستراتيجيته العالمية أو مواجهاته مع أنظمة الحكم الإقليمية.

دخول أول عناصر السلفية الجهادية إلى العراق
القاعدة والصراع الطائفي في العراق
مستقبل القاعدة في العراق

أما في العراق، فقد لعبت عوامل عديدة دورها في ألا يكون للسلفية الجهادية نشاط سياسي أو عسكري ملحوظ في حقبة حكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، ومن أبرز تلك العوامل:

1. القبضة الأمنية الصارمة التي حكم بها حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة صدام حسين العراق.
2. التركيبة الطائفية للشعب العراقي التي جعلت من الصعب على التيار أن يجد له تأييدا شعبيا، إذ انعدم وجود السلفية الجهادية، وهي تيار سني، بين شيعة العراق.
3. لم تكن للتيار السلفي الجهادي الذي دخل مرحلة المواجهة مع الغرب في التسعينيات مصلحة في خوض صراع مع نظام صدام حسين الذي كان هو الآخر يواجه حصارا دوليا وضغوطا أميركية على شتى المستويات.

وربما يضاف إلى تلك العوامل قيام نظام صدام حسين بالابتعاد عن الأيديولوجيا القومية العلمانية التقليدية للبعث نحو سياسات تقترب من الاتجاه الإسلامي المحافظ، إذ قام بإطلاق ما أسماه بالحملة الإيمانية ابتداء من عام 1994. وقد شملت تلك السياسة فرض المزيد من المناهج الدينية في المدارس، وتشجيع الدراسات الدينية، وحفظ القران الكريم، وزيادة البرامج الدينية في وسائل الإعلام، وتقييد استهلاك الكحول في المرافق العامة.

دخول أول عناصر السلفية الجهادية إلى العراق

ومع اقتراب الفصل الأخير من حكم صدام حسين وبدء العد التنازلي لحرب العراق دخلت أولى عناصر التيار السلفي الجهادي إلى العراق من منطقة كردستان التي كانت خارج سلطة بغداد منذ عام 1991 إذ فرضت القوات الأميركية والبريطانية منطقة حظر للطيران العراقي فوق خط العرض 36 لحماية حكومة الإقليم التي سيطر عليها الحزبان الكرديان الرئيسيان, الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني.(1)

كانت جماعات كردية صغيرة تعتنق الفكر السلفي قد نشطت في الإقليم منذ ثمانينات القرن الماضي، وخصوصا في منطقة حلبجة المحاذية لإيران, إلا أن العام 2001 شهد توحد أكثر من واحدة من تلك المجاميع تحت لواء مجموعة (أنصار الإسلام) التي تزعمها فاتح نجم الدين فرج الذي اشتهر باسم الملا كريكار، ولم يكن هناك علاقة تنظيمية بين الملا كريكار وجماعته، وبين تنظيم القاعدة أو أبو مصعب الزرقاوي.(2)

خاضت أنصار الإسلام مواجهات عسكرية مع قوات حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي كان يسيطر على محافظة السليمانية التي تعد حلبجة جزءا منها في بدء العام 2001. واختارت مجموعة من السلفيين يتزعمها أبو مصعب الزرقاوي تلك المنطقة لدخول العراق في عام 2002 عندما كان الوضع السياسي الدولي يتجه نحو الحرب على العراق. ورغم أن مجموعة الزرقاوي لم تكن تنظيميا جزءا من تنظيم القاعدة، فقد أتى هذا التحرك مطابقا للتصور الذي وضعته القاعدة للحرب المقبلة في العراق إذ كانت نداءات قادة التنظيم قد حثت المسلمين في أنحاء العالم إلى دخول العراق لمواجهة القوات الأميركية وحلفائها.(3)

وبرغم الضربة التي كانت القاعدة قد تلقتها للتو بسقوط نظام طالبان المتحالف معها في أفغانستان، فقد أفرد قادتها للمواجهة في العراق مكانة إستراتيجية مهمة في صراعهم مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة.

الزرقاوي:
انشغلت الولايات المتحدة في الأشهر السابقة للحرب بالبحث عن أي دليل يدين نظام صدام حسين بالتعاون مع القاعدة من أجل تبرير الحرب عليه وغزوه. وكانت أبرز المحطات في هذا السياق هو العرض الذي قدمه وزير الخارجية الأميركي (كولن باول) في مجلس الأمن حول أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة. يومها خصص باول جزءا من حديثه عن الزرقاوي مدعيا بأن للأخير علاقة بنظام صدام.

إلا أن ما أثبتته الوقائع اللاحقة هو أن الزرقاوي كان يتحرك وفق أجندته الخاصة كقائد لمجموعة سلفية جهادية، رأت في العراق فرصتها لمواجهة الأمريكان، ونقل الصراع إلى قلب منطقة الشرق الأوسط. ولم يختلف تصنيف الزرقاوي لنظام البعث العراقي عن الرأي التقليدي للسلفية الجهادية، إذ رأي فيه نظاما علمانيا معاديا للإسلام.(4)

أعطى جو الفوضى الذي أعقب السقوط السريع لنظام صدام حسين فرصة ذهبية لمجموعة الزرقاوي لأن تنشط في عملياتها ضد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وضد الأحزاب والشخصيات العراقية التي برزت في العراق بعد سقوط النظام.

نشطت مجموعة الزرقاوي على طول المحافظات التي تسكنها غالبية سنية وخصوصا محافظة الأنبار الشاسعة (150 كم مربع) غربي العراق.

أضحت الأنبار معقلا للزرقاوي وتنظيمه الذي أطلق عليه أول الأمر اسم (التوحيد والجهاد). وقد ساعد في ذلك الطبيعة العشائرية المحافظة لأهل الأنبار المجاورة لبلد الزرقاوي, الأردن, ولسوريا التي تعد المعبر الأساسي للمقاتلين غير العراقيين الملتحقين بالمقاومة العراقية آنذاك.

امتازت مجموعة الزرقاوي بامتلاكها إطارا أيديولوجيا مثلته العقيدة السلفية الجهادية، فيما عاشت تنظيمات المقاومة الأخرى التي كانت أغلبية عناصرها من العراقيين نوعا من الارتباك النظري في تلك المرحلة، إذ جمعت أفكارها ما بين العقيدة القومية للبعث، والاتجاه الإسلامي المحافظ، والمشاعر الوطنية العراقية.

وبالإضافة إلى هذا فقد كان لتنظيم الزرقاوي, حتى قبل انضمامه للتنظيم الرئيس للقاعدة, علاقات مع العناصر الإسلامية في دول الجوار وحول العالم مكنته من التنسيق واستقبال المتطوعين من غير العراقيين.

أدت كل تلك العوامل إلى أن تتميز ضربات تنظيم الزرقاوي بالدقة وأن تحصل على تغطية إعلامية واسعة لأهمية أهدافها والحجم الكبير للضحايا.

استخدم تنظيم الزرقاوي أسلوب الهجمات باستخدام السيارات المفخخة التي يقودها انتحاريون. ومن أبرز الهجمات في الأشهر التي أعقبت الاحتلال اغتيال الزعيم الشيعي محمد باقر الحكيم وحوالي مائتي شخص في النجف (23 يوليو/ تموز 2003), اغتيال رئيس بعثة الأمم المتحدة في بغداد سيرجيو دي ميللو وعشرات آخرين في بغداد (19 أغسطس/ آب 2003) وتفجير السفارة الأردنية في بغداد.

وقد رأى خبراء استخبارات أميركيون أن الزرقاوي اتبع إستراتيجيتين، تمثلت الأولى في محاولة عزل الأميركيين باستهداف أي وجود أجنبي في العراق، وخصوصا المتعاون مع الأمريكان أو غير المعادي لهم ( الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والسفارات). أما الثانية، فتمثلت في محاولة إشعال حرب طائفية شيعية سنية في العراق عن طريق استهداف الشيعة (المراقد المقدسة لديهم, زعمائهم الدينيين والسياسيين, أجهزة الجيش والشرطة التي تطوعوا فيها بينما أحجم معظم السنة, استهداف المدنيين عموما في الأسواق والتجمعات السكنية).(5)


بررت القاعدة على الدوام هجماتها على الهيئات الدولية بكونها جزءا من المشروع الصليبي. أما فيما يخص الشيعة فقد اتهمهم الزرقاوي بأنهم هم من بدأ بقتال السنة واضطهادهم ورأى أن خطرهم أكبر من الأمريكان.


وفيما يخص النقطة الأولى فقد بررت القاعدة على الدوام هجماتها على الهيئات الدولية بكونها جزءا من المشروع الصليبي. أما فيما يخص الشيعة فقد اتهمهم الزرقاوي بأنهم هم من بدأ بقتال السنة واضطهادهم ورأى أن خطرهم أكبر من الأمريكان.

“إننا لا نقاتل الرافضة لأنهم رافضة -هذا مع أننا نعتقد أنهم شر من تحت أديم السماء- لكن كنا في غنى عن قتالهم، وكنا نتمنى أن نقاتل العدو الصائل (الأمريكان وقوات التحالف)… نحن لم نقاتلهم ابتداءً بل هم بدؤوا بقتال أهل السنة”.(6)

وكانت هذه القضية واحدة من أهم نقاط الخلاف بين الزرقاوي وبين شيخه السابق المفكر السلفي الجهادي الأردني من أصل فلسطيني أبو محمد المقدسي. فقد وجه المقدسي رسالة إلى الزرقاوي انتقد فيها نقاطا عديدة في أفعال تنظيم الزرقاوي ومنها استهداف الشيعة وتكفيرهم على وجه العموم، ورد عليه الزرقاوي في مواقع عديدة.(7)

القاعدة والصراع الطائفي في العراق

قدمت القاعدة نفسها في العراق كمدافع عن أهل السنة فيه. وكان خطابها متوجها لهم على وجه الخصوص، بينما وُضع الشيعة كعدو وهدف للعنف بذريعة تعاونهم مع الاحتلال واستهدافهم للسنة. وبرغم الفوضى الكبيرة التي أعقبت سقوط نظام صدام، فإن العنف الطائفي بين الشيعة والسنة لم يندلع على نطاق واسع إلا في العام 2005. فقد شهدت فترة ولاية الحاكم المدني الأميركي (بول بريمر) مواجهات لقوات التحالف وقوى الأمن العراقية الناشئة مع تنظيمات المقاومة السنية والشيعية على حد سواء واستمر هذا الوضع أثناء ولاية رئيس الوزراء المؤقت (إياد علاوي). وقد تعاطف السنة العرب في تلك الفترة مع الزعيم الشيعي المعادي للأمريكان مقتدى الصدر وتياره، فيما كانوا مستائين من موقف المرجعية الشيعية التقليدية، ومن المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عبد العزيز الحكيم وجناحه العسكري (فيلق بدر) الذي رأوا فيه تيارا مواليا لإيران.

لم تستطع القاعدة رغم اتساع نشاطها من منع أو عرقلة إجراء أول انتخابات عامة في عراق ما بعد صدام حسين في يناير/ كانون الثاني 2005. إلا أن تلك الانتخابات جرت وسط مقاطعة واسعة من العرب السنة وأفرزت جمعية وطنية وحكومة تهيمن عليها الأحزاب الدينية الشيعية ترأسها الأمين العام لحزب الدعوة (إبراهيم الجعفري) بعد تحالفه مع الأكراد.

ثارت ثائرة السنة العرب في العراق في الأشهر اللاحقة على ما رأوا أنه اختراق من الميليشيات الشيعية للأجهزة الأمنية للدولة. وقد اتهموا تلك الميليشيات التي أسموها فرق الموت بالقيام بأعمال قتل طائفي ضدهم. وبدأت أعمال القتل المتبادل تتصاعد بين الجانبين، وقد أعلن الزرقاوي في هذه المرحلة عن تأسيس (فيلق عمر) الذي قال إنه سيقوم باجتثاث رموز وكوادر (فيلق بدر).

وقد شهد العام 2005 تحولا مهما للسنة العرب، وسجل بداية الاختلاف مع أساليب تنظيم القاعدة وإستراتيجياته. فقد شارك السنة بكثافة في الانتخابات العامة التي جرت نهاية العام في محاولة للحصول على تمثيل في البرلمان والحكومة. وقد سجلت المحافظات التي تقطنها غالبية سنية وسط وغربي العراق مشاركة كثيفة للناخبين. لم تغير القاعدة طبعا من موقفها الشاجب للعملية السياسية، والمدين للديمقراطية التي تعتبرها كفرا. مع ذلك لم يسجل أي حادث أمني ضد الناخبين في المناطق السنية التي كانت القاعدة تنشط فيها. وقد أظهرت تلك المرحلة القوة الحقيقية لتنظيمات المقاومة المسلحة السنية العراقية بالمقارنة مع القاعدة. إذ أكد سياسيون عراقيون سنة أن المقاومة كانت تحرس مراكز الانتخاب بعد أن تبلور رأي عام شعبي في تلك المناطق يؤيد المشاركة في الانتخابات. وعلى أي حال، فإنه لم تكن الانتخابات لتجري بتلك المشاركة الواسعة لولا موافقة القوى الفاعلة في الجماعات المسلحة التي كانت تسيطر على تلك المناطق.

تفجير سامراء:
يعد تفجير قبة مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري المقدس لدى الشيعة والواقع في مدينة سامراء ذات الغالبية السنية في صباح يوم الثاني والعشرين من فبراير/ شباط عام 2006 أخطر حدث شهده مسار العنف الطائفي في العراق. فقد شهدت الساعات اللاحقة ردود فعل منفلتة من مسلحين شيعة في أنحاء مختلفة من العراق, ولكن في بغداد على وجه الخصوص, شملت إحراق مساجد سنية وقتل أشخاص واعتداءات على ممتلكات. دفع تفجير سامراء والأحداث التي تلته بالعنف الطائفي في العراق إلى مستويات جديدة فاقت كل ما كان قد وصل إليه. فقد انتشرت أعمال التهجير المتبادل التي قام بها مسلحون من الطائفتين ضد الأخرى كما أصبح تراشق القصف بمدافع الهاون أمرا غير مستغرب بين الأحياء الشيعية والسنية المتجاورة. في الوقت نفسه تصاعدت أساليب العنف الطائفي الأخرى من قتل على الهوية وتفجيرات ضخمة تستهدف التجمعات السكانية وأعمال خطف.

اتهمت الحكومة العراقية تنظيم القاعدة بالقيام بالتفجير الذي أدانته معظم الفعاليات السياسية الشيعية والسنية. استمرت دائرة العنف الطائفي بالاتساع، وبعد أشهر من التجاذبات السياسية ولدت حكومة عراقية تمثل فيها السنة بوزراء رشحتهم قوى سياسية منتخبة لأول مرة منذ الحرب. إلا أن الفوضى كانت سائدة في معظم أنحاء العراق وفي بغداد على وجه الخصوص. بعد أسابيع قليلة من تسلم نوري المالكي رئاسة الوزراء، أعلنت القوات الأميركية قيامها بقتل أبو مصعب الزرقاوي في غارة جوية على منزل في مدينة هبهب في محافظة ديالي شمال شرقي بغداد.

القاعدة بعد الزرقاوي:
يعتقد خبراء استخبارات أميركيون أن الزرقاوي نجى أكثر من مرة من محاولات قتل أو اعتقال على يد القوات الأميركية والعراقية على حد سواء. وكان الزرقاوي قد بدأ يوسع نشاطه ليمتد إلى الدول المجاورة وتحديدا بلده الأردن، فتبنى عملية إطلاق صواريخ على ميناء إيلات الإسرائيلي انطلاقا من مدينة العقبة الأردنية في عام 2004. وقام بإرسال أربعة انتحاريين هاجموا فنادق في وسط العاصمة الأردنية عمان. أدى الحادث الأخير إلى أن تشترك أجهزة المخابرات الأردنية في عملية تتبع تحركاته والإيقاع به مما أدى إلى تمكن القوات الأميركية من رصده وقتله. (8)

لم يؤثر مقتل الزرقاوي على فاعلية تحركات القاعدة في العراق، إذ استمرت عملياتها ضد القوات الأميركية والعراقية والأهداف الحكومية والمدنية بوتيرة ربما كانت أعلى مما كانت عليه أيام الزرقاوي. وقد أعلن التنظيم عن تعيين أبو حمزة المهاجر(المعروف أيضا باسم أبو أيوب المصري) كخليفة للزرقاوي وبدأ المهاجر بإصدار البيانات التي حملت نفس سمات خطاب التنظيم من دون تغيير واضح.

كان من السمات الغريبة للوضع في العراق هو أن تصاعد العنف الطائفي لم يؤد إلى انخفاض في استهداف القوات الأميركية، فقد كانت الفترة ما بين عامي 2006 والنصف الأول من عام 2007 أسوأ فترة بالنسبة للجيش الأميركي من ناحية الخسائر التي تعرض إليها.(9)

يعود هذا, بنظرنا, إلى ضعف الأجهزة الأمنية للدولة العراقية، وإلى احتضان المجتمعات المحلية للتنظيمات المتشددة والنظر إليها كمدافعة عنه، (القاعدة في الجانب السني، وجيش المهدي والمجموعات الخاصة عند الشيعة) مما مكن هذه المجاميع من التحرك وتوجيه الضربات للقوات الأميركية.

دولة العراق الإسلامية:

ترتب على إعلان “دولة العراق الإسلامية” وتحرك القاعدة لأخذ البيعة لأميرها إلى خلاف بين القاعدة وسنة العراق. إذ امتنع معظمهم عن هذه البيعة لأسباب عديدة. مما أدى إلى تناقض أفضى إلى اندلاع العنف بينهما.


في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2006 أقر مجلس النواب العراقي قانون الأقاليم الذي فتح المجال أمام إقامة أقاليم فدرالية تتمتع بحكم ذاتي واسع النطاق ضمن العراق. أثار قانون الأقاليم قلقا واسعا لدى السنة من أن يؤدي القانون إلى قيام الشيعة بتشكيل إقليم يضم محافظات الوسط والجنوب التسعة ذات الغالبية الشيعية لينضم إلى إقليم كردستان الموجود أصلا في الشمال، مما سيؤدي إلى نهاية العراق الموحد المحكوم من قبل حكومة مركزية قوية في بغداد, وهو النظام السياسي الذي يفضلونه ويؤمنون به.

بعد أيام قليلة من صدور القانون، أعلن تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين, بالإضافة إلى تنظيمات أخرى أهمها مجلس شورى المجاهدين, قيام دولة العراق الإسلامية على الأجزاء التي قال إنه يسيطر عليها, وهي بطبيعة الحال تقع في المناطق ذات الغالبية السنية في العراق. الإعلان جاء في استعراض نظمه التنظيم لمقاتليه وسط مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار. وإذا كان التنظيم قد قال بأنه أعلن دولته ردا على إقليم الأكراد الموجود وإقليم الشيعة المتوقع، فإن الوثائق التي صدرت فيما بعد كشفت أنه كان يخشى بصورة رئيسية من القوى السنية في أن تسبقه وتعلن إقليما فدراليا في مناطقها فيخسر السلفيون الجهاديون فرصة إقامة إطار سياسي لوجودهم في العراق.(10)

كان إعلان دولة العراق الإسلامية أكبر خطإ إستراتيجي وقعت به القاعدة فيما يتعلق بعلاقتها بالمجتمع السني العراقي. فالسنة العراقيون بغالبيتهم يؤمنون بالوطنية العراقية لأسباب سياسية واقتصادية فرضتها ظروف تاريخية وموضوعية، والشكل السياسي لهذا الوطنية عندهم هو دولة مركزية عاصمتها بغداد، وتركيز على الوحدة الوطنية والهوية العربية للعراق. ومن المهم ملاحظة أن أي نظام آخر كان ليتركهم معزولين في مناطق لا تملك الكثير من الثروات الطبيعية.

ترتب على إعلان الدولة تحرك القاعدة من أجل تحصيل البيعة لأميرها (أبو عمر البغدادي) وهو شخصية لم يعرف عنها الكثير. أثارت تلك المسألة موضعا آخر للخلاف بين القاعدة وسنة العراق. إذ امتنع معظمهم عن هذه البيعة لأسباب عديدة. ولم تعد الصيغة السابقة التي تحكم العلاقة بين القاعدة ومخالفيها من سنة العراق التي تمثلت بالتغاضي والتعايش (والتعاون أحيانا) حتى تلك المرحلة صالحة الآن. فالقاعدة تدعي أن لديها دولة تجب طاعتها، فيما يعارضها غالبية المجتمع. أدى هذا التناقض إلى اندلاع العنف بينهما. فبدأت شخصيات وتنظيمات سنة تتهم القاعدة بقتل عناصرها وأبناءها، فيما اتهمت القاعدة بالمقابل من خالفها بالخروج عن الطريق الصحيح والمنهج النقي.

على الجانب السياسي، لم يؤد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لأي تحسن في الوضع الأمني على الإطلاق. أما على الجانب الأميركي فإن عام 2006 شكل عام إحساس الإدارة الأميركية بحجم مأزقها في العراق الأمر الذي دفع الكونغرس الأميركي إلى تكليف لجنة تضم سياسيين وخبراء من كلا الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة لدراسة الوضع في العراق واقتراح آلية لتحسينه.

وقد خلص تقرير تلك اللجنة إلى توصيات عديدة من أهمها اقتراح زيادة القوات لفترة مؤقتة لأنها رأت أن الانسحاب الأميركي سينظر له من قبل القاعدة على أنه هزيمة للولايات المتحدة وستكون له نتائج كارثية في إطار الصراع بين الطرفين.(11)

وقد أسفرت نتائج انتخابات الكونغرس في نهاية العام عن فوز الحزب الديمقراطي بالغالبية في كل من مجلسي الكونغرس دافعا بحزب الرئيس بوش, الحزب الجمهوري, إلى مواقع الأقلية للمرة الأولى منذ اثني عشر عاما.

إستراتيجية أميركا الجديدة
وبرغم دعوات الانسحاب من العراق التي علت داخل الولايات المتحدة في ظل الوضع السياسي الجديد، فقد أطلق بوش في مطلع العام 2007 إستراتيجيته الجديدة في العراق التي تضمنت الدفع بقوات جديدة في محاولة لضبط الأمور في العراق وفي بغداد تحديدا. وقد قدر لهذه الإستراتيجية أن تنجح، وفي مدة قصيرة نسبيا، في تحسين الوضع الأمني، مما استوقف الكثيرين من متابعي الشأن العراقي.

وفي الحقيقة، لم تكن تلك القوات الإضافية التي لم تتجاوز الثلاثين ألف جندي السبب الوحيد في انخفاض وتيرة العنف، ونزعم أنها لم تكن حتى السبب الرئيس في ذلك، فالواقع أن الانقلاب الذي حصل في المجتمع السني ضد عناصر القاعدة هو الذي غير كل الموازين، فقد بدأت مجموعة من رجال العشائر السنية في الأنبار يتزعمهم الشيخ عبد الستار أبو ريشة وبدعم أميركي منذ نهاية العام 2006 بمقاتلة رجال القاعدة وطردهم من معاقلهم هناك.

وقد أدى نجاح تلك التجربة إلي انتشارها بسرعة في معظم المناطق السنية بالعراق، ولم تكن هذه الحركة لتنجح لولا انضمام عناصر ومجامع من الفصائل الوطنية في المقاومة العراقية. وفي ظرف أشهر قليلة، تحولت المناطق السنية من أخطر المناطق التي كان الجيش الأميركي يتعرض فيها لأسوأ الهجمات، وبكل الوسائل يوميا، إلى مناطق صديقة تجوبها قواته جنبا إلى جنب مع مقاتلي الصحوة لمطاردة عناصر “دولة العراق الإسلامية”.

وكان من مؤشرات التغير الكبير الذي طرأ على الوضع الميداني والاجتماعي، قيام الرئيس الأميركي جورج بوش بزيارة إلى مدينة الرمادي بعد أقل من سنة من استعراض مقاتلي القاعدة وإعلان دولتهم فيها, حيث التقى بأبو ريشة في سبتمبر/ أيلول 2007. ورغم قيام القاعدة باغتيال أبو ريشة بعد عشرة أيام من هذا اللقاء فقد استمرت حركة الصحوة في مختلف المناطق بقيادات محلية.

ومن الممكن أن نضع الأسباب الرئيسية التي أدت إلى التحول الكبير في موقف السنة العرب كما يأتي:

1. التناقضات والمشاكل المتراكمة مع القاعدة كما تم شرحه آنفا.
2. إحساس السنة بأنهم أصبحوا تحت مطرقة ثلاثة أعداء هم القوات الأميركية, وقوات الأمن العراقية التي كانوا يرون أنها مخترقة من قبل الميليشيات الشيعية بالإضافة إلى القاعدة التي كانت تضغط عليهم للدخول في دولتها. فاختار بعض السنة أقل الأعداء أذى بنظرهم والأكثر فائدة لهم من الناحية التسليحية والاقتصادية والإستراتيجية وهم الأمريكان.
3.

تولدت قناعة لدى بعض الوطنيين العراقيين بأن المحصلة العامة للضغط العسكري الهائل الذي فرضته المقاومة العراقية على الأمريكان كان لمصلحة إيران من الناحية الإستراتيجية، إذ ارتاحت طهران برؤية القوات الأميركية غارقة في تعقيدات الوضع العراقي.


تولد قناعة لدى البعض بأن المحصلة العامة للضغط العسكري الهائل الذي فرضته المقاومة العراقية على الأمريكان كان لمصلحة إيران من الناحية الإستراتيجية، إذ ارتاحت طهران برؤية القوات الأميركية غارقة في تعقيدات الوضع العراقي، الأمر الذي أدى إلى تخفيف الضغوط الأميركية عليها في إطار الصراع الإقليمي والدولي بين الدولتين. وهنا يجب ملاحظة أنه وبرغم الزلزال السياسي والإستراتيجي الذي أحدثه قيام الأمريكان بإسقاط نظام صدام حسين وتأثر السنة العراقيين بذلك فان إيران تمثل تاريخيا بالنسبة لقطاع من النخبة السياسية العراقية الخطر الجيوبولوتيكي الأكبر والعدو الإقليمي الأقرب في العراق.
4. أدت نتائج انتخابات الكونغرس إلى طرح احتمال انسحاب أميركي وشيك للمرة الأولى منذ الغزو، الأمر الذي وضع السنة أمام سؤال: ماذا لو تم ذلك؟ فأدى هذا إلى الدفع للتعاون مع الأميركيين على اعتبار أنهم راحلون عاجلا أو آجلا، ويجب الاستعداد للتعامل مع مرحلة ما بعد انسحابهم.

وإذا كانت الكثير من المصادر والشخصيات قد أشارت إلى السياسات المتشددة والإفراط في استخدام العنف مع السكان المحليين كسبب لانطلاق الصحوات، فان القاعدة ترفض هذا التحليل وتقول إنه يأتي بدفع من “الصليبيين وأذنابهم”.

وبغض النظر عن ما قالته كل الأطراف فقد تمكنت الصحوات من توجيه ضربات قوية لدولة العراق الإسلامية وطردتها من معظم المناطق ذات الغالبية السنية في العراق بحلول العام 2008. ورغم بدء الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية في عام 2009 فإن هذه الحقيقة لم تتغير واستمرت الأوضاع مستقرة بصورة عامة في معظم مناطق العراق مقارنة بالفترة ما بين 2005 و2007.

وبرغم الدور الكبير الذي لعبته قوات الصحوة، فلم تكن الحكومة العراقية مرتاحة لوجودها وطالما نظرت إليها بعين القلق. لهذا فقد ثار جدل بين الحكومة والصحوات بعد أن سلمت القوات الأميركية مسؤوليتهم إلى الحكومة العراقية نهاية العام 2008. رفضت الحكومة العراقية طلب عناصر الصحوة بإدماجهم في القوات الأمنية العراقية وتمسكت بعرضها قبول 20% منهم فقط في تلك القوات. وقد بقي هذا الملف من الملفات الشائكة في مسار المصالحة الوطنية في العراق.

دعوات للوحدة:
أدى التدهور في العلاقة بين “دولة العراق الإسلامية” وفصائل المقاومة العراقية الأخرى إلى تدخل زعيمي تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري اللذين أصدرا نداءات تدعو للوحدة والتفاهم. فبرغم تراجع العنف في العراق فقد استمرت القاعدة تنظر للعراق باعتباره الجبهة الرئيسة في مواجهة الأمريكان في عام 2008.

أسلوب الهجمات الكبرى:

أدت الصحوات إلى انحسار معظم النشاطات العسكرية التي كانت عناصر تنظيم “دولة العراق الإسلامية” يقومون بها ضد القوات الأميركية والعراقية، كما طردتهم من المناطق السكانية التي كانوا يحتكون فيها بالسكان. إلا أن التنظيم أثبت أنه أقوى من أن ينهار بصورة كاملة.


أدت الصحوات إلى انحسار معظم النشاطات العسكرية التي كانت عناصر تنظيم “دولة العراق الإسلامية” يقومون بها ضد القوات الأميركية والعراقية، كما طردتهم من المناطق السكانية التي كانوا يحتكون فيها بالسكان. إلا أن التنظيم أثبت أنه أقوى من أن ينهار بصورة كاملة. فقد عاد في العام 2009 مستخدما إستراتيجية قديمة جديدة، تمثلت بشن هجمات بسيارات مفخخة يقودوها انتحاريون، محدثين خسائر كبيرة. تلك الهجمات وإن لم تحدث بنفس وتيرة الأعوام الأولى للاحتلال إلا أنها شكلت خطرا ملحوظا على الدولة العراقية، إذ استهدفت بصورة خاصة المؤسسات والمباني الحكومية. أسمَى التنظيم حملته تلك بـ “غزوة الأسير”، وكانت أبرز محطاتها الهجمات على وزارة الخارجية والمالية في أغسطس/ آب 2009 فيما سمي حينها بالأربعاء الدامي, وموجتين أخريين من الهجمات في أكتوبر/ تشرين الأول، وديسمبر/ كانون الأول.

وثيقة الخطة الإستراتيجية:
مع حلول العام 2010 أصدرت “دولة العراق الإسلامية”مراجعتها للموقف، ورؤيتها المستقبلية للتعامل مع الأحداث في العراق. فقد أشارت وثيقة ظهرت مطلع العام (2010) أصدرتها دولة العراق الإسلامية تحت عنوان (خطة إستراتيجية لتعزيز الموقف السياسي لدولة العراق الإسلامية) إلى ما رأت أنه الأسباب الحقيقية وراء ظهور الصحوات، وأوجزتها في عاملين رئيسيين هما العصبية القبلية التي تحكم سلوك أبناء العشائر ونصرتهم لبعضهم ضد أي عدو، وعامل صغر السن الذي ميز عناصر الصحوات وحبهم للظهور.

كما أدانت القاعدة في تلك الوثيقة ترديد فصائل المقاومة الوطنية لاتهام القاعدة بالإتيان بتصرفات خاطئة أدت إلى ظهور الصحوات. ووجهت القاعدة بالمقابل اتهاما للفصائل الوطنية بأنها مرتع “لتفريخ الصحوات”.

وإذا كانت الوثيقة قد اعترفت بسقوط “دولتها الإسلامية” في كثير من المناطق فإنها اتهمت الأمريكان بأنهم شنوا عليها “حربا قذرة” تضمنت القيام بتفجيرات في الأسواق والمحال العامة والمساجد وقتل المخالفين للدولة وإلصاق كل ذاك بـ “دولة العراق الإسلامية”.

لقد كان من اللافت أن يصدر هذا الاتهام عن القاعدة، إلا أنه لم يتضمن تفاصيل عن أحداث أو تفجيرات بعينها. يذكر أن التنظيم تجنب في العادة أن يتبنى علنا وببيانات رسمية الهجمات على الأهداف المدنية. إلا أنه أحجم أيضا عن نفي الاتهامات التي توجه له عادة باستهداف المدنيين ودور العبادة.

تتحدث الوثيقة عن نجاح إستراتيجية القاعدة في ضرب الصحوات مما أدى إلى تراجع الأخيرة. كما تشير إلى أن “دولة العراق الإسلامية” تستعيد نفوذها تدريجيا.

إلا أن الغرض الأساسي للوثيقة هو وضع إستراتيجية للتنظيم لمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي. وقد وضعت الوثيقة خمسة أعمدة لهذه الإستراتيجية:

1. السعي الجاد لتوحيد الجهود: ومن الواضح هنا أن الوحدة تعني بصورة أساسية انضمام الفصائل الأخرى إلى “دولة العراق الإسلامية” التي ترى القاعدة أنها ضحت وتنازلت في سبيل إقامتها، إذ تنقل عن وزير الحرب أبو حمزة المهاجر قوله للجماعات الأخرى: “يا عباد الله هذا مشروعكم ومشروع الأمة وليس حكرا علينا. ولقد تخلينا عن أسماء جماعاتنا وتركنا إمارتها لصالح هذا المشروع الكبير”.
2. التخطيط العسكري المتوازن: وفي هذا الجانب تضع الوثيقة الملامح الأبرز للإستراتيجية المقبلة للجماعة، حيث تلاحظ الوثيقة أن القوات الأميركية قد أجمعت أمرها على الرحيل، ولم تعد تطيق البقاء في العراق. وعلى هذا الأساس تدعو الوثيقة لتركيز الجهود على استهداف من أسمتهم الأعداء الداخليين، إذ تضع مبدأ (تسع رصاصات على المرتدين ورصاصة على الصليبيين). كما تحدثت على التركيز على قصف مراكز وتجمعات القوات العراقية واستهداف وحدات النخب منها خصوصا.
3. تقر الوثيقة بذكاء فكرة قيام الصحوات العشائرية، وتضع ملامح لخطة معاكسة للتعامل مع هذا الموضوع تتمثل بما أسمته بالصحوات الجهادية، وهي كما يبدو أسلوب إدارة لا مركزي، يعطي صلاحية واسعة لشيوخ العشائر في إدارة الوضع الأمني لمناطقهم في ظل “دولة العراق الإسلامية”.
4. العناية بالرمز السياسي: تقول الوثيقة هنا إن أمير “دولتها” أبو عمر البغدادي قد أصبحت له رمزية بسبب السياسة الإعلامية الحكومية العراقية التي تصفها الوثيقة بالحمقاء بسب كثرة الأخبار عن ملاحقة البغدادي واعتقاله مما أدى إلى أن يصبح محط اهتمام الإعلام. ولكن الوثيقة تدعو إلى الاهتمام بتعيين نواب للأمير حتى لا يعتمد مشروعها على رجل واحد. وكانت الوثيقة صدرت قبل شهرين من مقتل البغدادي ووزير حربه أبو حمزة المهاجر في أبريل/ نيسان 2010 . وقد كان من اللافت مسارعة التنظيم بإعلان مبايعته لأمير ونائب معا (أبو بكر البغدادي). كما سبق هذا الإعلان بيان أصدره وزير الحرب الجديد (الناصر لدين الله أبو سليمان) يتوعد فيه بمواصلة القتال.
5. طمأنة المخالفين بما تصفه الوثيقة بالحكم العادل. ويعني الاهتمام بالجوانب الإدارية ومحاولة إقامة الاستقرار وبناء الجبهة الداخلية عن طريق إرساء هياكل قانونية لتنظيم الاقتصاد والقانون الجنائي وفق الشريعة الإسلامية. وتدعو الوثيقة هنا إلى تنظيم التعامل مع الجماعات الأخرى وتثني على تجربة تقول إنها حسنة حين دفع المسيحيون الجزية لتنظيمهم من أجل العيش في الأراضي التي يسيطر عليها.(12)

مستقبل القاعدة في العراق

برغم تركيز القاعدة في العراق منذ دخولها هذا البلد على ثوابت الفكر السلفي الجهادي الرافض للعملية السياسية والمعادي إلى حد التكفير لمعظم رموزها، فإن التنظيم أثر وتأثر بمحطات تلك العملية. فبرغم نجاح التنظيم في إحداث خسائر كبيرة بالقوات الأميركية وحلفائها وبالقوات والأهداف العراقية فإنه لم يستطع إيقاف عجلة الانتخابات والمشاركة السياسية.


إذا أنتجت العملية السياسية في العراق حكومة ممثلة، وقادت إلى إتمام عملية مصالحة وطنية حقيقية يطمئن فيها السنة على وجودهم وتمثيلهم ضمن عراق واحد، فمن المستبعد أن تستعيد القاعدة السيطرة على معاقلها السابقة في مناطقهم.

وقد أدى إرساء النظام الفدرالي في العراق إلى قيام التنظيم بالاندفاع نحو تجربة جديدة هدفت إلى قيام دولة سلفية جهادية يسيطر عليها التنظيم على جزء من العراق. وقد حمل هذا الإعلان نفسه والظروف الموضوعية التي رافقته أسباب تراجع القاعدة في العراق إلا أنه ما زال يدعي قدرته على الصمود والعودة.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن القاعدة هنا وبحكم تركيبتها الأيديولوجية والطائفية لم تستطع أن تتجاوز الوسط السني العراقي، فظلت مناطق حراكها هي المناطق التي تقطنها غالبية سنية في وسط وغرب العراق. بينما كان الوسط والجنوب الشيعي منطقة مغلقة عليها. إلا أن اللافت أيضا أن القاعدة لم تستطع تحقيق اختراق في إقليم كردستان العراق الذي دخلت منه عناصرها أول مرة. ويعزى هذا إلى استتباب الوضع الأمني هناك ووجود منظومة استخبارات قوية، ولكن وبالدرجة الرئيسية إلى بروز الفكر القومي الكردي حتى عند التنظيمات السلفية الجهادية الكردية. كما ويعود أيضا إلى توفر إطار سياسي تتحرك ضمنه الجماعات السلفية الكردية التي اختارت جميعها -عدا أنصار الإسلام- أن تشارك في الانتخابات، وأصبح لها ممثلون في البرلمانين الإقليمي والوطني. ونشير هنا إلى أن للقاعدة فرعا كرديا يدعى كتائب كردستان لكن لم يعرف عنه نشاط عسكري لافت.

وقد وجهت القاعدة نداءً قبل الانتخابات الأخيرة (مارس/ أذار 2010) يدعو السنة إلى عدم المشاركة، ويذكرهم بسلبية التجربة السابقة، إلا أن ما حدث أن المشاركة كانت عالية بين العرب السنة الذين اختارت غالبيتهم الساحقة قائمة يتزعمها الزعيم الشيعي العلماني ذو الجذور البعثية إياد علاوي (وهي القائمة التي حققت أعلى معدل للأصوات على المستوى الوطني) مما يدل بوضوح على حجم التغير العميق الذي حصل في المجتمع السني العراقي في السنوات الأخيرة.

وعلى هذا، فإذا أنتجت العملية السياسية في العراق حكومة ممثلة، وقادت إلى إتمام عملية مصالحة وطنية حقيقية يطمئن فيها السنة على وجودهم وتمثيلهم ضمن عراق واحد، فمن المستبعد أن تستعيد القاعدة السيطرة على معاقلها السابقة في مناطقهم. أما إذا لم يحدث ذلك، فستعتمد قوة القاعدة على مدى ضعف الوجود الحكومي، والفوضى الإدارية والسياسية والأمنية.

______________
بقلم:
رافد فاضل محمد علي، صحفي وباحث عراقي مقيم في لندن. ساهم بتغطية حرب العراق والأحداث التي تبعتها كمراسل ومحلل في مجموعة من المؤسسات الإعلامية العربية والأجنبية في العراق بين عامي 2003-2007. يتابع رافد فاضل السياسة العراقية ويكتب عنها في مجلات ودوريات مختلفة عربية وأجنبية. كما ويعد من المتخصصين بالحركات المسلحة في العراق ومنطقة “الشرق الأوسط”. يكتب بانتظام باللغة الانجليزية في دوريات مثل (تيرورزم مونيتور) و(ميليتانت ليدرز مونيتور) الصادرتين عن مؤسسة جايمستاون فاونديشن المتخصصة بقضايا الأمن العالمي. كما ويكتب أيضا باللغة العربية لصحيفة الحياة اللندنية.

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية