الوصول السريع للمحتويات

كيف أخفى البغدادي أجندته عن أسامة بن لادن

عبد الغني مزوز—



بعد الانشقاق الحاصل في بنية التيار الجهادي، والذي أسفر عن استقلال المدرسة العراقية الموسومة بالمفاصلة والتشدد عن المدرسة الأفغانية التي ينظر إليها الجميع على أنها نموذج للتعايش والانسجام الجهادي رغم اختلاف المشارب الفكرية والفقهية وحتى العقدية للفاعلين فيها ” سلفيون،أحناف، شافعية، صوفية، ماتريدية، حنابلة, ديوبوندية”. بعد هذا الانشقاق سارع طرفي الصراع إلى استغلال المجال الافتراضي من أجل تدعيم موقفه وتحميل الطرف الآخر المسؤولية عما آلت إليه أوضاع المشروع الجهادي الذي دشنه أسامة بن لادن قبل عقود. وكلا الفريقين يزعم أنه الوريث الشرعي لمشروع بن لادن.

عدد من قيادات التيار الجهادي يرى أن أسامة بن لادن لم يكن ليقر مطلقا خطوة كالتي أعلن عنها أبو بكر البغدادي في يونيو الماضي بتنصيب نفسه خليفة على المسلمين, وقبله إعلان دولة العراق والشام الإسلامية الذي تسبب بحالة من الإرباك داخل الصف الجهادي. وأن مجموعات من القرارات التي اتخذتها قيادة دولة العراق الإسلامية, لم يخطر بها أسامة بن لادن إلا بعد اتخاذها وسريان مفعولها. ولعل أبرز مثال على ذلك – كما توضحه وثائق أبوت أباد المصادرة في بيت أسامة بن لادن بعد اغتياله – خطوة تنصيب أبي بكر البغدادي أميرا على دولة العراق الإسلامية بعد مقتل أميرها أبو عمر البغدادي, حيث طالب أسامة بن لادن بعد مدة طويلة من تنصيب البغدادي الثاني بمزيد من المعلومات عنه وعن سيرته الجهادية. وهو ما يعكس حجم مساحة الظل التي يعمل عليها الجهاديون في العراق. كما أنه انعكاس أيضا لحجم الحرج الذي يمثله أسامة بن لادن وتوصياته وخطوطه الحمراء للقيادة الجهادية في العراق, هذه التوصيات والخطوط الحمراء هي التي خرج العدناني ليعلن كم كانوا متحفظين عليها ورافضين لها عبر رسالته الشهيرة ” عذرا أمير القاعدة ” .

لا يخفى على الجميع أن بيعة الزرقاوي لأسامة بن لادن كانت بيعة مشروطة فقد أرسل الزرقاوي رسالة سرية إلى أسامة بن لادن يعرض فيها إستراتيجيته القتالية ورؤيته للصراع وأولوياته الجهادية واشترط على أسامة بن لادن القبول بشروطه مقابل البيعة حيث ختم رسالته بالقول :” هذه رؤيتنا قد شرحنها، وهذا سبيلنا قد جليناه، فإن وافقتمونا عليه وارتضيتموه لنا منهاجاً وطريقا، واقتنعتم بفكرة قتال طوائف الردة فنحن لكم جنـد محضرون، نعمل تحت رايتكم وننـزل على أمركم، بل ونبايعكم علانية على الملأ وفي وسائل الإعلام”. قد لا يكون أسامة بن لادن قد قبل بكل أفكار الزرقاوي بدليل رسالة العدناني ” عذرا أمير القاعدة ” لكن الثابت أن البيعة قد تمت واندمجت جماعة التوحيد والجهاد بتنظيم القاعدة.

يعتقد الكثير من المتابعين للشأن الجهادي وحتى داخل أروقة التيار الجهادي نفسه أن قيادة دولة العراق الإسلامية قد تعمدت إرسال معلومات وتقارير مغلوطة عن الأوضاع في العراق والمنطقة إلى أسامة بن لادن. وأن المكلفين بنقل الرسائل إلى القيادة في أفغانستان يعمدون إلى حجب بعضها والحيلولة دون وصولها إلى الجهات المعنية.

“مجاهد خرساني” ناشط جهادي مخضرم عمل في كثير من الساحات بما فيها أفغانستان واطلع على كثير مما يجري في دوائر صنع القرار بتنظيم القاعدة, وهو الآن قيادي في جبهة النصرة (القاعدة في سوريا) نشر على حسابه على تويتر يوم 29 أغسطس معلومة في غاية الأهمية حيث قال:” للأمة ثم للتاريخ…تعمد أحد المجاهدين تأخير وصول رسالة أبو سليمان العتيبي إلى الشيخ أسامة بن لادن عن الدولة خصوصا بعد عمله بشريط مدح الشيخ لها ” و أضاف :” للأمة ثم للتاريخ…والله الذي لا اله غيره أن الشيخ أسامة تقبله الله ندم على مدح الدولة بعد اطلاعه على رسالة قاضيها السابق وحاول إصلاح ذلك…” وأكد أن أسامة بن لادن كان غاضبا من تصرفات المسئول عن نقل الرسالة إليه وقام على الفور بعزله ومجموعة من المتواطئين معه :” للأمة ثم للتاريخ…الشيخ أسامة بن لادن تقبله الله قام بعزل عدد من الإخوة عن التنظيم بعدما ثبت له تعمد أحدهم في تأخير رسالة قاضي الدولة له…” . ورسالة أبو سليمان العتيبي المشار إليها هي الرسالة التي بعثها القاضي العام السابق بدولة العراق الإسلامية السعودي أبو سليمان العتيبي ونقل فيها لأسامة بن لادن حقيقة الأوضاع في العراق والأخطاء والتجاوزات التي ترتكبها دولة العراق الإسلامية, وهي الرسالة التي تسبب بعزله من منصبه وتعيين أبي إسحاق الجبوري خلفا له.

أبو سليمان العتيبي اعترف في رسالته أن التضليل والانتقائية في إرسال التقارير تطال حتى القادة المحليين الموجودين داخل العراق فما بالك بالقيادة العامة في أفغانستان فقال: ” ومن الجدير بالذكر أن السبب الرئيسي لهذا كله (يقصد الأخطاء والانحرافات) هو غياب أبي حمزة المهاجر عن الساحة تماماً واكتفاؤه بالتقارير التي ترفع له، مع أن “الولاة” و أمراء القواطع يصرحون بأنهم لا يرفعون الصحيح إلى الإمارة بل يرفعون الأخبار المفرحة فقط”. لا شك إذن أن هناك خطة مقصودة عملت بها قيادة دولة الإسلامية تقضي بعدم رفع أي تقرير يخرج عن سياق الثناء والإشادة والتمجيد، موازاة مع تفعيل برنامج عمل يخالف توصيات القيادة في أفغانستان وهو ما اعترف به العدناني عندما أقر بمخالفته أوامر القاعدة فيما يتعلق باستهداف عموم الشيعة.

قيادة دولة العراق الإسلامية تدرك جيدا أنها ستصطدم يوما بتنظيم القاعدة، لأنها تعتقد أن بيعة أبي عمر البغدادي هي بيعة عامة وهذا الأخير يقوم مقال الإمام الأعظم (الخليفة)، وبما أن القاعدة قد بايعت الملا عمر بيعة عامة باعتراف أسامة بن لادن نفسه فستأتي لحظة المفاصلة والمواجهة يوما ما, لأن البغدادي هو الإمام الشرعي الوحيد الذي تجب له البيعة كما أعلن لاحقا. ولم تصارح قيادة دولة العراق الإسلامية بنواياها مند البداية لأنها تريد المزيد من الاستغلال الرمزي والمعنوي للقاعدة وقائدها الروحي المطاع أسامة بن لادن.

أبو ماريا القحطاني القيادي في جبهة النصرة ورجلها القوي، أرسل رسالة مفتوحة إلى أيمن الظواهري معللا نشرها على الإعلام بخوفه من أن لا تصله كما لم تصله رسائل سابقة أرسلها إليه فقال في رسالته المفتوحة منوها إلى ذلك : ” ولقد أرسلنا لكم قبل شهرين عدة رسائل نبين فيه الواقع لكن لم يصلنا ولو جواب وخلال هذه الأشهر الماضية أرسلت لكم صوتيات أبين فيها ما يجري ولعل من هي عنده كتمها كما كتم اليهود الحق” وأضاف القحطاني الذي يتولى أيضا منصب الشرعي العام بجبهة النصرة مخاطبا أيمن الظواهري :” ولقد أرسلت لك موقفنا الشرعي من الخوارج عبر من خولتهم بالتواصل وبعد أن اطلع عليه أعاده إلى شيخنا الجولاني “.

إذن هناك خلل في منظومة التواصل والاتصال بين قيادة القاعدة وبين فرعها في العراق وسوريا, هناك نقطة فلثرة لا تمرر عبرها إلا الرسائل والتقارير التي تنقل صورة ايجابية عن الجهاديين في العراق وسوريا. ولعل منظومة التواصل أو طرفيها في العراق وأفغانستان مخترقة من عناصر تحتفظ بولاء مطلق للبغدادي الأول والثاني، وقد يكون تسريب لقاء الظواهري مع السحاب قبل موعده، وخروج رسالة عزام الأمريكي التي يرثي فيها أستاذه أبي خالد السوري إلى الإعلام بدون شعار السحاب و عبر قنوات غير رسمية دليل على هذا الاختراق.

لا شك أن التواصل ركن خطير وأساسي في أي عمل عسكري وسياسي خصوصا إذا تشعبت المهام والمسؤوليات واتسعت رقعة الحركة وترامت أطرفها, وفي حالة القاعدة يبدوا التحدي مضاعفا لأن جميع أجهزة التنصت والمراقبة والرصد في العالم متأهبة لالتقاط أدنى معلومة يمكن استثمارها تحليلا ودراسة لعلها تتحول إلى طرف خيط يقود إلى كنز ثمين. وحالة التخبط والارتباك والتصدع التي أصابت منظومة التواصل عند الجهاديين ستكون أوسع منفذ وأفضل فرصة لمن يريد أن يفتح زجاجة الشمبانيا زهوا بانتصار جديد بعد صيد ثمين جديد.

تابعني على تويتر 

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية