الوصول السريع للمحتويات

أيقونة الثورة في عهدة البغدادي


عبد الغني مزوز—

إعلان صادم ذلك الذي خرج به أحد رموز الثورة في سوريا وبالضبط في مدينة حمص، حيث تأكدت الأخبار التي أشارت إلى مبايعة عبد الباسط الساروت وأفراد كتيبته “شهداء البياضة” لأبي بكر البغدادي، ودخولهم في كنف تنظيم الدولة الإسلامية. وأنا أقرأ سيرة الساروت ومناقبه تذكرت عبارة للكاتب الصحفي سليم عزوز كتبها في حق الشيخ حازم أبو إسماعيل حيت قال: ” لا أحد كان يمثل الاستقامة الثورية، غير حازم صلاح أبو إسماعيل، وكل الذين من دونه، يؤخذ من ثوريتهم ويرد.. ” نفس العبارة يمكن أن تصدق في عبد الباسط الساروت حيث النقاء والعذرية الثورية بعيدا عن حسابات الأرض واكراهات المادة.

كثيرون كتبوا قدحا في الرجل لأنهم يعتقدون أنه ” أحبط” عمله ورصيده الثوري بانحيازه إلى معسكر البغدادي، ولسنا مبالغين إن قلنا بأن هذه وقاحة لا تنبغي، فالرجل ليس زائدة ثورية ولا متطفلا على جنابها، فالثورة قد تلبست به مند بدايتها وكان تجسيدا نادرا لمسارها من لحظة سلميتها إلى أوج عنفوانها الجهادي. شهد الساروت مشاهد حمص كلها وكان رمزا من رموز الصمود إبان حصارها، فلا أحد إذن يملك تصريح الطعن في الرجل بأي وجه كان، فمواعظنا الثورية كلها تحث قدمه، وهو من قرب للثورة أربعة من أشقاءه وجمعا من معارفه وأهل داره، وأكل العشب ولحم القطط طيلة 600 يوم من الحصار الخانق لحمص رافضا ترك مسجد خالد بن الوليد لعصابات الأسد، فقاتل دونه طاوي البطن في ليالي الشتاء وبردها القارص، حتى خرج منها مع من خرج عزيزا كريما مع عهد بالعودة إليها في قريب الـأيام.

لا شك أن عبد الباسط الساروت تأثر كثيرا بما يعتبره موقفا متخاذلا من الجميع اتجاه حمص وقضية حصارها، و يعتقد أن ولاءه للبغدادي سيكون أكبر رد على هؤلاء. فبعد خروج الساروت مباشرة من حمص سرت أخبار عن بيعته للبغدادي غير أن صديقه أبو بلال الحمصي نفاها لكنه أكد في المقابل أن الساروت يكن حبا كبيرا لتنظيم الدولة.

الساروت ثائر غير مؤدلج يمارس واجبه الثوري بعيدا عن كل الاعتبارات الأيديولوجية والتنظيمية، لم يكن قبل الثورة اخوانيا ولا سلفيا ولا تحريريا كان لا عبا لكرة القدم في نادي الكرامة ومنتخب الشباب، أذن مؤذن الثورة فكان أول الملتحقين، هتف بالسلمية وغنى على إيقاع الطبول، ولما دُشن مسار العسكرة كان رجل الحرب بامتياز و مرتبة شرف.

لم يكن الساروت ناشطا على مواقع التواصل الاجتماعي كما هو حال معظم رموز وقادة الثورة، فلا يكاد يصل من أخباره سوى القليل، لم يكن مفتونا بالظهور والتعليق على الأحداث حتى تلك المتعلقة بشخصه، وعندما يظهر في مقطع أو صورة يظهر ببساطته المعهودة من غير صنعة ولا تكلف، متواضعا في لباسه وهيئته، متحدثا بلهجة عامية صادقة ومؤثرة.

لا يستطيع أحد أن ينكر أن جماعة البغدادي تتمتع بجاذبية كبيرة بسبب وضوح رؤيتها وصراحة طرحها ودعايتها الجبارة وبطشها في الحرب ، وهو ما تفتقده غالبية الفصائل الثورية في سوريا, وقد يفتتن المرء بها إذا لم يتمتع بالمناعة الشرعية والفكرية الكافية. والساروت قد يكون من بين هؤلاء المفتونين الذين مسهم طائف من البغدادي وأملنا أن يكون من الذين تذكروا فإذا هم مبصرون.

أسوء ما يمكن أن يحدث هو أن يزج تنظيم الدولة بالساروت في معاركه ضد الثوار وهو سيناريو غير مستبعد في ظل سعي التنظيم إلى بسط سيطرته على كافة المناطق المحررة وإصراره على تكفير وتبديع كل الجماعات والفصائل الثورية. أو أن يقرر الساروت الانشقاق عنه إذا كلف بمهمات قذرة فتترصده مخالب الأمنيين القاتلة، ولا نتمنى لبلبل الثورة وأيقونتها كلى المصيرين.

البغدادي سيكرم وفادة الساروت وسيعينه في منصب مرموق قائدا عسكريا أو حتى واليا، فهذه استراتيجية تنظيم الدولة وسيرته مع كل الملتحقين به من الشخصيات الثورية الهامة و المعروفة، تأليفا لقلوبهم وتشجيعا لنظرائهم، فلا شك أن ولاء رمز ثوري كالساروت لتنظيم الدولة هو بمثابة نصر كبير للتنظيم في أمس الحاجة إليه و سيسعى لتوظيفه في سياق حروبه الدعائية إلى أبعد ما يمكن، وسيبرزه كشاهد على صحة منهجه وصواب خياراته. 

             
                  
تابعني على تويتر 
مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية