الوصول السريع للمحتويات

دلالات التصعيد الجهادي في الصحراء الكبرى

تنظيم القاعدة في غرب إفريقيا

عبد الغني مزوز —         تابِع @MAZOUZABDOLGHAN



في 15 من الشهر الجاري قام مسلحون من تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي بالهجوم على مواقع بالعاصمة البوركينابية وغادوغو، فأسفر الهجوم عن قتلى وجرحى أكثرهم من الأجانب. وقبل أقل من شهرين على هذا الهجوم قام مسلحون من نفس التنظيم باحتجاز عشرات الرهائن من مختلف الجنسيات في فندق بالعاصمة المالية باماكو أسفر أيضا عن قتلى وجرحى معظمهم من الأجانب. فما هي دلالات هذا التصعيد في منطقة الصحراء الكبرى؟


عرف الوجود الجهادي في الصحراء الكبرى في السنوات الأخيرة حالة من التصدع وعدم الإستقرار، حيث انشق عن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي تجمعان جهاديان؛ الأول بقيادة أحمد ولد العامر تحث إسم ” حركة التوحيد والجهاد في غرب افريقيا “، والثاني بقيادة مختار بلمخار المعروف أيضا بخالد أبو العباس تحث اسم ” جماعة الملثمون “، غير أن فرقاء الصحراء استطاعوا طمر خلافاتهم وتنسيق تحركاتهم وإن تباينت وجهات نظرهم في الكثير من المسائل والقضايا. وشكل السيطرة على إقليم أزواد في شمال مالي الإختبار الصعب لهذه القوى الجهادية؛ ومدى قدرتها على استيعاب بعضها البعض، واحتواء خلافاتها. وقد نجحت في ذلك إلى حد ما، إذ لم تسجل حوادث اشتباك أو نزاع على النفوذ طيلة فترة سيطرتها على الإقليم، لكن لاحقا ظهرت وثيقة مهمة حررتها قيادة تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، كشفت أن القاعدة كانت لها تحفظات كثيرة على السياسة التي نهجها حلفائها في أزواد، ورصدت الوثيقة أخطاء في إدارة الإقليم من أهمها ” التسرع في تطبيق الشريعة وعدم مراعاة التدرج.. و إقامة الحدود وهدم الأضرحة ومنع اللعب المباح..وتفتيش البيوت..ومنع النساء من التجول..واللجوء إلى خيار الحرب مع الحركة الوطنية الأزوادية مع وجود إمكانية الحوار و التفاهم معها بالوسائل السلمية..”. هذه الوثيقة تكشف بوضوح أن القاعدة ليست في وارد الإشتباك مع أي فصيل في الصحراء، بقدر ما تريد أن تحافظ على علاقات ودية مع الجميع بما فيها تلك الجماعات التي كانت في يوم من الأيام كتائب في صفوفها، واختارت الإنشقاق والإستقلال في العمل والحركة.

تطورت العلاقة بين القوى الجهادية في الصحراء بعد سلسلة من الحوارات والمشاورات، رامت تقريب المواقف، وتعزيز التنسيق القائم عبر تأسيس إطار موحد لهذه القوى، فكان الإعلان عن إندماج كل من ” حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا ” و ” جماعة الملثمون ” في كيان واحد يحمل إسم ” جماعة المرابطون ” وعُين أبو بكر المهاجر قائدا له.

لم تكد دينامية الإندماج والإلتئام ترسو، وتستقر حالة الإستقطاب، مع تسيد المشهد الجهادي في الصحراء ثلاث قوى رئيسة وهي: القاعدة وأنصار الدين والمرابطون، حتى عادت من جديد حالة الإستقطاب بالتفاقم آخذة أبعادا خطيرة، على خلفية إعلان أبو بكر البغدادي للخلافة ودعوته جميع الجماعات الجهادية إلى الإلتحاق بها والعمل تحث مظلتها.

أبو الوليد الصحراوي الرجل الذي تولى قيادة “جماعة المرابطون” خلفا لأحمد ولد العامر التلمسي قرر إعلان بيعته لأبي بكر البغدادي وهي الخطوة التي رفضها خالد أبو العباس رفضا قاطعا، فشهدت الجماعة تصدعات عميقة، وتوزعا للولاءات بين أبي بكر البغدادي وأيمن الظواهري. أصدر خالد أبو العباس بيانا باسم ” جماعة المرابطون ” نفى فيه بيعة هذه الأخيرة لتنظيم الدولة الإسلامية، مجددا ولائه لأيمن الظواهري. من جهته تمسك أبو الوليد الصحراوي ببيعته للبغدادي، مؤكدا أن المرابطين امتداد لتنظيم الدولة الإسلامية.

تصاعد الصراع وحمي التنافس بين الجهاديين في الصحراء وتعزز موقف أبو الوليد الصحراوي بانضمام كل من جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد ” بوكو حرام” بنيجريا وأفراد من المنطقة الوسطى بتنظيم القاعدة إلى الخلافة وبيعتهم لأميرها ، لكن خالد أبو العباس تدارك الوضع؛ وسارع إلى الإندماج مع تنظيم القاعدة والعودة إلى أحضانها من جديد فأعلن في بيان له عن تأسيس تنظيم القاعدة في غرب إفريقيا، معرقلا بذلك إمكانية استحواذ البغدادي على منطقة الغرب الإفريقي وهي المنطقة التي ينشط فيها أبو الوليد الصحراوي وعناصر حركة التوحيد والجهاد.

لقد وصل الإستقطاب بين شركاء السلاح إلى مستويات تندر بأشد السيناريوهات كارثية، وشكل تنظيم الدولة الإسلامية ودعايته المتقنة عامل جدب لجهاديي شمال إفريقيا، خصوصا للشباب ممن لم يخض تجارب جهادية سابقة، وأوشك تنظيم القاعدة على فقدان أهم جبهاته، من حيث المخزون البشري وعراقة التجربة. لقد عبر أبو عياض التونسي أمير أنصار الشريعة بتونس عن هذه الأزمة في الرسالة التي بعث بها إلى أيمن الظواهري، مقترحا عليه إعلان بيعته للبغدادي حفاظا على وحدة الصف الجهادي بالمنطقة وعلى أمل نجاعة الإصلاح من الداخل فقال :” وإني ناصح لك بأن تعجل بالدخول في هذا الأمر بإعلان بيعتك للبغدادي مع استحضار النية أن تكون بيعة من أجل إنقاذ الأمة وتصحيح المسار قربة إلى الله وأملا في إصلاح الفساد المستشري “.

حسم بعد ذلك أبو عياض التونسي موقفه من تنظيم الدولة الإسلامية بعد مراسلات مع شيوخ التيار الجهادي، واقتنع أن مفاصلته، والبراءة من مساره هي الخيار المناسب.

بعد هجمات باماكو ووغادوغو التي تبنتهما القاعدة، كان واضحا أن الرسالة الأولى التي يريد مختار بلمختار إرسالها هي أنه مازال رجل الصحراء الكبرى القوي، وأن تنظيمه استعاد زمام المبادرة وبإمكانه أن يضرب في أكثر المواقع حساسية وأشدها تحصينا. والمعني الأول بهذه الرسالة هو البغدادي الذي سعى لعزل بلمختار عن فضائه الحيوي، وساحة عملياته، فلا شك أن بلمختار لا ينظر إلى تنظيم الدولة نظرة ود، وسُجلت له مواقف مناوئة لتشدد الجماعة الإسلامية المسلحة بقيادة عبد الرحمن أمين، وهذا الأخير هو النسخة الجزائرية لأبي بكر البغدادي. هذا الرفض القاطع لأفكار تنظيم الدولة أجج نار العداء بين ممثلي تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى وبين مختار بلمختار، وهذا ما يفسر إدراج إسم هذا الأخير في لائحة المطلوبين لتنظيم الدولة، وقد عمم التنظيم صورة بلمختار وبعض المعلومات عنه، مطالبا جميع من يستطيع اغتياله أن يقوم بذلك.

في خضم الاستعداد الدولي للتدخل في ليبيا, وتدشين عمل دولي خاص بهذه الدولة التي ينشط على ترابها تحالف من القوى الإسلامية والجهادية المتنوعة، إضافة إلى تنظيم الدولة الإسلامية، كان لا بد من إرسال رسائل للأطراف الدولية المتحمسة لهذا العمل، ولما كان مختار بلمختار أبرز المطلوبين في المنطقة، وقد اُعلن عن استهدافه في ليبيا بواسطة طائرة بدون طيار، قبل أن يتبين أنه لم يكن في الموقع المستهدف، فقد انخرط بلمختار في ما يمكن أن نسميه عمليات إستباقية، طالت أفرادا ومنشئات وبعثات سياحية ودبلوماسية أجنبية في منطقة الصحراء، واختياره مناطق بعيدة عن ليبيا إشارة إلى أن التعامل مع التحالف الدولي المزمع إنشاءه لن يكون على مستوى التراب الليبي فقط، بل إن الوجود الأجنبي على امتداد دول الصحراء الكبرى سيكون تحث طائلة الإستهداف.

إذن، ما يمكن استنتاجه من عمليات المرابطون في الصحراء هي أن خالد أبا العباس نجح في ترتيب بيته الداخلي، واستطاع عزل المجموعات الموالية لأبي بكر البغدادي، و يُفهم مما يكتبه عناصر تنظيم الدولة في ليبيا على الإنترنت، أن أبا العباس كان له دور في التحريض أو حتى المشاركة الفعلية في العملية الناجحة التي تكللت بطرد تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة درنة، ويبدو خالد أبو العباس الذي كان عضوا في القاعدة ثم أميرا على الملثمين ثم قائدا للمرابطين فانتهاء بأمير للقاعدة في غرب إفريقيا يبدو أنه حسم في انتمائه الجهادي، بتثبيت ولائه لأيمن الظواهري، وبالتالي فهو على استعداد معنوي تام لكل السيناريوهات المحتملة مع وضع القوى الدولية لمساتهم الأخيرة على تحالفهم العسكري الموجه ضد الوجود الجهادي في ليبيا.

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية