الوصول السريع للمحتويات

رحيل العدناني.. الخلافة الآفلة

مقتل أبو محمد العدناني

عبد الغني مزوز—

في الثلاثين من أغسطس الماضي قُتل أبو محمد العدناني الرجل الثاني في تنظيم الدولة في قصف جوي تبنته القوات الروسية،(هكذا الأجواء السوري مترعة بالأجسام الطائرة المختلفة؛ في كل قصف نوعي تنتظر جهة تتبناه) وكما هو معلوم فالرجل مُثقل بأجندة وبرامج وقد باغته الموت ولم يُنجز منها الكثير، بل شاهد كيف أن دولته التي راهن على (صناديدها) في فتح روما وضرب الجزية وخوض ملاحم دابق باتت تشرق عليها شمس كل يوم وقد انحسر نفوذها عن مدن وقرى ومساحات مترامية.

لا شك أن بعض المتابعين لشؤون تنظيم الدولة لاحظ شدة حماس العدناني ” لدولته” فلم يتردد في تكفير الجميع ووعد بإفناء كل الفصائل خصوصا الجهادية منها حتى لا تبقى جماعة تحمل السلاح إلا ” دولته”، ورمى بالردة أي فصيل قاتل “دولته” أو لم يُقر لها بالخلافة والولاية. و قد وظف العدناني في خطاباته لغة شديدة الصرامة، ولهجة تصعيدية لا تخلو فقرة منها من اتهام بالكفر ووعد بالقتل والذبح. في البيان الذي أعلن فيه التنظيم عن مقتله تكشفت دواعي الحماس والاندفاع؛ حيث أشاد التنظيم بمناقب ” الشيخ القريشي الحسيني..”، وهي إشارة واضحة أن الرجل كان يرى في نفسه ” مشروع خليفة” هذا إن لم يكن هو نفسه الخليفة. فالنسب القرشي شرط من شروط انعقاد الولاية، وقد حاز هذا الشرط. وكان بعض العارفين بخبايا التنظيم و شخصياته كتبوا أن البغدادي لم يكن مرتاحا لكثير من القرارات التي اتخذها التنظيم، لكنه وجد نفسه مضطرا لقبولها إذ كان محاطا بأخطر قيادات التنظيم، وبما أن العدناني قرشي النسب أو زعم ذلك لنفسه، فليس مستبعدا أن يبعث بإشارات معينة إلى البغدادي بأن يواكب ما يبرمه صقور التنظيم أو يجد نفسه معزولا بتهمة الردة أو العجز ، ويحل هو مكانه.

ما يعلنه العدناني في خطاباته المرئية والمسموعة من قرارات ومواقف، وغالبا ما تكون تكفيرا للحركات الإسلامية كالإخوان المسلمين والقاعدة وحركة الطالبان والفصائل الإسلامية الثورية في ليبيا واتهامها بالخيانة والعمالة وتوعدها بالحرب والإفناء وشق صفوفها، يعود ليستكمله بمزيد من التفصيل وبجرعات أكثر من السباب و الشتيمة في مقالاته التي ينشرها باسم مستعار وهو ” أبو ميسرة الشامي “. إضافة إلى تشابه اللغة والأسلوب وتوظيف الجهاز المفاهمي واللفظي نفسه، وطبيعة المقالات من حيث تناولها حصرا للشخصيات الإسلامية تكفيرا واستهزاء وقدحا، فإن اختيار العدناني لاسم ” أبو ميسرة الشامي” له دلالة أيضا، فأبي ميسرة هو أول شخصية جهادية في العراق كانت تشغل منصب المسؤول الإعلامي، وكان ذلك في عهد أبي مصعب الزرقاوي عندما كان أميرا لجماعة التوحيد والجهاد، إذ لم يكن متاحا معرفة أي شيء عن جماعة الزرقاوي ونشاطاتها وعملياتها إلا عبر ” أبي ميسرة العراقي” الذي يمتلك معرفات على المنتديات الجهادية آنذاك، فيقوم بنشر البيانات والإصدارات المرئية والمسموعة التي تنتجها اللجنة الإعلامية لجماعة التوحيد والجهاد. ويبدو أن العدناني باعتباره أول مسؤول إعلامي ” للخلافة” استعار اسم “أبو ميسرة ” وأضاف عليه ” الشامي ” بدلا من ” العراقي”، ليوقع به مقالاته التي كشفت الجزء الأكبر من انحراف تنظيم الدولة وشذوذه.

لا تحتاج إلى كثير من البحث والتقصي، لتستنتج أن تنظيم الدولة يعيش أسوء أيامه إن لم تكن أيامه الأخيرة، ليس لأنه يفقد أهم معاقله في العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان، بل لأن شرعية التنظيم عند عناصره أصبحت تتآكل، وبات قادة صفه الثاني يشعرون بأنهم يخوضون معارك خاطئة تفتقد للجدوى والمشروعية، دون أن ننسى الصراع والتنافس على زعامة الولايات البعيدة، والمثير أكثر أن التنظيم عاجز عن إصدار ورقة واحدة يبرر فيها لأنصاره بالأدلة ما يقوم به ويعلنه من قرارات ومواقف، فيستعيض عن ذلك بسيل من الأفلام المرئية التي تتضمن مشاهد قتالية وأناشيد حماسية، وإن لم يجد مقاطع قتالية فبركها عبر مشاهد تمثيلية كما يفعل فرع التنظيم في اليمن. وهذه بعض المؤشرات التي لا يمكن أن تُقرأ إلا في سياق نهاية تنظيم الدولة وتفكك سرديته، تماما كما انتهت صيغ جهادية سابقة ظهرت بنفس الصيغة التي ظهر بها التنظيم من ناحية الصعود السريع و الزخم القتالي والفاعلية الميدانية ثم انتهت واختفت بنفس سرعة ظهورها.

أولا: تفكك الهيئة الشرعية لتنظيم الدولة بسبب الاختيارات الفقهية والعقدية الشاذة، ولعل واقعة استتابة المسؤول الشرعي الأول بالتنظيم دليل على هذا، فقد تبت أن البحريني تركي البنعلي حوكم بتهمة الردة لأنه لا يرى كفر العاذر بالجهل، (ومن لم يكفر الكافر فهو كافر حسب التنظيم)، ما استدعى استتابة الرجل وقد رجع عن رأيه خوفا من القتل، وقيل إنه يتحين الفرص للهروب، إن لم يكن قد صُفي.

ثانيا: مقتل الشخصيات الفاعلة في التنظيم، إذ فقد التنظيم في فترة قصيرة كل من أبي علي الأنباري أحد القيادات المخضرمة في التنظيم و عمر الشيشاني العقل العسكري ومهندس انتصارات التنظيم في سوريا والعراق، و أخيرا العدناني مسؤوله الإعلامي الذي يلهب حماس عناصره بخطبه النارية. جدير بالإشارة هنا أن الأنباري هو نفسه عبد الله بن رشيد البغدادي رئيس مجلس شورى المجاهدين في العراق الذي كان الزرقاوي عضوا فيه، ولم يكشف التنظيم عن هذه الحقيقة إلا بعد مقتله. هذا دون ذكر العشرات من قيادات التنظيم الذين قتلوا مند إعلان الخلافة.

ثالثا: التنافس و الصراع على زعامة الولايات البعيدة، ولعل ما حدث في ولاية غرب إفريقيا نموذج واضح على هذه الأزمة التي تهدد بفصل أطراف التنظيم المترامية، حيث قام البغدادي بتعيين أبا مصعب البرناوي واليا جديدا على ولاية غرب إفريقيا خلفا لأبي بكر الشكوي، غير أن هذا الأخير تمرد على قرار البغدادي وأعلن في رسالة صوتية أنه مازال واليا على والولاية ضدا عن إرادة البغدادي، واتهم في الرسالة نفسها أبا مصعب البرناوي بالكفر والردة لأنه ” لا يرى إعلان العداوة للكفار شرطا من شروط الإيمان”. وحصل قريب من هذا في اليمن عندما اعتزل العشرات من عناصر التنظيم وتمردوا على أميرهم هناك، وطالبوا البغدادي باستبداله.

رابعا: الانشقاقات المستفحلة في صفوف التنظيم، إذ نشرت مصادر كثيرة أن العشرات من عناصر التنظيم ينشقون عنه يوميا، وقال عبد الله المحيسني القاضي العام بجيش الفتح إن الفصائل الثوري تواجه صعوبات في الطريقة التي ينبغي أن تتعامل بها مع هؤلاء المنشقين، وقد وجد فصيل فيلق الشام نفسه أمام مشكلة مستعصية عندما أمن انشقاق العشرات من عناصر التنظيم وعائلاتهم في وقت سابق، وتحدث الكثير من المنشقين أن الجزء الأكبر من قوات التنظيم ستنشق وتسلم نفسها في أول فرصة تتاح لها، وآخر من انشق من قيادات التنظيم المدعو أبو ذر عزام وهو من شرعيي التنظيم في أفغانستان.

يضاف إلى المؤشرات المذكورة – وغيرها الكثير – خسارة التنظيم لأبرز معاقله في سوريا والعراق وليبيا وتراجع فعاليته القتالية، إذ من المعلوم أن زخم الانتصارات عامل رئيسي من عوامل الحشد والتعبئة، ويكاد يكون وهج الإنجاز العامل الوحيد الذي اعتمد عليه التنظيم في جذب المقاتلين إليه.






مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية