سوريا الجديدة تعيد تفجير الخلافات بين المرجعيات الجهادية

شهدت المرجعيات الفكرية داخل التيار السلفي الجهادي خلال الفترة الأخيرة انقسامات متزايدة، أعادت إلى الواجهة خلافات قديمة بين أبرز منظري التيار، ولا سيما حول الموقف من التحولات التي طرأت على الساحة السورية، وصولاً إلى سقوط نظام بشار الأسد وصعود السلطة الجديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع. وفي أحدث فصول هذه الخلافات، شن المنظر الجهادي المصري طارق عبد الحليم هجوماً حاداً على أبو قتادة الفلسطيني، متهماً إياه بالمسؤولية الفكرية عن التحولات التي قادت، بحسب رؤيته، إلى انحراف هيئة تحرير الشام ثم السلطة الجديدة في سوريا.

ففي منشور نشره عبد الحليم على قناته في تطبيق تيليغرام «هداية الساري» في 20 يونيو/حزيران 2026، هاجم أبو قتادة بشدة بسبب مواقفه السابقة من أحمد الشرع، الذي كان يعرف باسم أبي محمد الجولاني، ومن هيئة تحرير الشام. وسخر عبد الحليم من التوقعات التي كان أبو قتادة قد أطلقها بشأن مستقبل الجولاني والهيئة، متسائلاً: «أين استشرافه بأن الجولاني هو فاتح القدس، وأن هيئته هم الفاتحون الذين سيحررون فلسطين؟!». واعتبر أن على أبي قتادة أن يخرج «ليعتذر عن استشرافاته الكارثية، التي أعان بها طاغوتاً عميلاً مرتداً»، متهماً إياه بأنه لا يزال يرفض الاعتراف بـ«غبائه وقلة فهمه». ويكشف المنشور عن حجم القطيعة بين الرجلين، وعن تحميل عبد الحليم أبا قتادة مسؤولية فكرية عن المسار الذي انتهت إليه هيئة تحرير الشام والسلطة الجديدة في دمشق.

واللافت أن علاقة عبد الحليم بأبي قتادة لم تكن دائماً على صورة القطيعة الحالية. ففي مراحل سابقة كان الرجلان ينتميان إلى الدائرة الأوسع للمرجعيات الجهادية التي كان لها تأثير على التيار، فيما كان عبد الحليم نفسه من المنتقدين لمسارات داخل هيئة تحرير الشام. وتظهر كتاباته القديمة أنه كان يرى في بعض مواقف أبي قتادة تجاه قيادة الهيئة إشكالية تستحق النقد، كما سبق أن دعا قادة الهيئة وشرعييها إلى الاستماع إلى مواقف أبي قتادة وهاني السباعي خلال إحدى مراحل الخلافات داخل الساحة السورية.

ولا يمثل الخلاف مع أبي قتادة حالة منفردة في مسيرة طارق عبد الحليم. فقد خاض الرجل قبل سنوات مواجهة حادة مع المنظر الأردني أبي محمد المقدسي، وصلت إلى حد تبادل الاتهامات والهجوم الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي عام 2016 طالب عبد الحليم بمناظرة المقدسي بشأن موقفه من تنظيم الدولة، ووصفه بأوصاف شديدة اللهجة، فيما رد المقدسي بانتقاد عبد الحليم واتهامه بالتجريح وفاحش القول.

وبمرور الوقت تغيرت طبيعة العلاقة بين الرجلين. ففي كتاب صدر حديثاً عن عبد الحليم، أشار إلى أن السجال بينه وبين المقدسي حول تنظيم الدولة انتهى لاحقاً بـ«التآخي على محبة وتقدير»، في حين أكد استمرار الخلاف بينه وبين المقدسي وهاني السباعي من جهة وأبي قتادة من جهة أخرى، خصوصاً بشأن موقف الأخير من هيئة تحرير الشام. وتكشف هذه التحولات عن طبيعة متغيرة للعلاقات بين المرجعيات الجهادية؛ إذ يمكن أن تنتقل العلاقة من التحالف الفكري إلى الخصومة الحادة ثم إلى التقارب مجدداً تبعاً لتطور المواقف من التنظيمات والأحداث.

وتعود جذور هذه الانقسامات إلى ما قبل التحولات الأخيرة في سوريا. فقد رصدت دراسات عن المرجعيات الفكرية للتيار الجهادي خلافات عميقة بين أبي محمد المقدسي وأبي قتادة وطارق عبد الحليم وغيرهم، خصوصاً بشأن تنظيم الدولة، وجبهة النصرة، وهيئة تحرير الشام، ومفهوم «المميعة» والموقف من الفصائل السورية الأخرى. كما وصفت مصادر بحثية عبد الحليم بأنه كان في خصومة شديدة مع المقدسي على مواقع التواصل الاجتماعي، في حين كان الثلاثة من الشخصيات التي أثنى عليها أيمن الظواهري ووصفها ضمنياً بالمرجعيات العلمية في التيار.

وفي خلفية الخلاف الراهن، يقف موقف عبد الحليم المتشدد من السلطة السورية الجديدة. فقد اتخذ الرجل موقفاً رافضاً لأحمد الشرع والقيادة الجديدة في دمشق، واعتبر أن التحولات التي طرأت على هيئة تحرير الشام تجاوزت الخطوط التي كان التيار الجهادي التقليدي يضعها لنفسه. ويذهب هذا الموقف إلى أبعد من مجرد النقد السياسي، إذ يستخدم عبد الحليم خطاب التكفير تجاه الشرع وعدد من رموز السلطة الجديدة.

ومن بين الأسماء التي دخلت في دائرة انتقاداته مظهر الويس، وزير العدل في السلطة السورية الجديدة، على خلفية تصريحات تتعلق باحترام سوريا للمرجعيات الدولية في مجال حقوق الإنسان. ويرى عبد الحليم أن القبول بهذه المرجعيات يمثل، وفق تأصيله، مخالفة عقدية تصل إلى حد التكفير. ويكتسب هذا الخلاف دلالة إضافية بالنظر إلى أن العلاقة بين عبد الحليم والويس كانت في مرحلة سابقة مختلفة تماماً؛ فقد قدم عبد الحليم كتاباً لمظهر الويس، كما شارك هاني السباعي في تقديم كتاب آخر له، وهو ما يعكس مقدار التحول الذي يمكن أن تطرأ عليه العلاقات بين الشخصيات داخل هذا التيار.

ولا يقتصر الموقف الرافض للسلطة السورية الجديدة على عبد الحليم. فقد تبنى هاني السباعي، المقيم في لندن، خطاباً شديداً ضد أحمد الشرع، ووصف في مواد نشرها خلال عامي 2025 و2026 مسار السلطة الجديدة بأنه خروج عن المنهج الذي يراه صحيحاً، كما انتقد الدستور والسياسات التي اتخذتها دمشق. وتظهر مواقف السباعي أن رفض السلطة الجديدة تحول إلى موقف مشترك لدى أكثر من مرجعية جهادية، وإن اختلفت دوافع كل منهم وتفاصيل خطابه.

ويكشف ذلك عن انقسام أوسع في المرجعيات الجهادية بشأن السؤال المركزي الذي فرضته التجربة السورية: هل يمكن للحركة التي نشأت في بيئة جهادية مسلحة أن تتحول إلى سلطة سياسية، وأن تتعامل مع مؤسسات الدولة والقوانين والعلاقات الدولية، من دون أن يعني ذلك التخلي عن مرجعيتها السابقة؟ ففي حين تعامل بعض المنظرين مع التحول بوصفه استجابة للواقع السياسي وتغيراً في الأولويات، اعتبره آخرون تراجعاً عن المبادئ التي قامت عليها التجربة الجهادية السورية.

ويُعد طارق عبد الحليم من الشخصيات التي برز حضورها بشكل أكبر مع اندلاع الثورة السورية. ولم يكن معروفاً على نطاق واسع خارج دوائر التيار الجهادي قبل الثورة، إلا أن صعود النقاش حول مستقبل الجهاد السوري جعله أحد الأصوات المؤثرة في السجالات الفكرية المرتبطة به. وزاد من مكانته داخل التيار أن أيمن الظواهري ذكره ضمن مجموعة من الشخصيات التي وصفها بالعلماء والمرجعيات، إلى جانب أبي محمد المقدسي وأبي قتادة وهاني السباعي.

ومع ذلك، فإن أهمية عبد الحليم الحالية لا تكمن فقط في موقفه من السلطة السورية، وإنما في كونه نموذجاً لتحول المرجعية الجهادية من سلطة فكرية يفترض أن تقدم إجابات موحدة إلى طرف في صراع المرجعيات نفسه. فقد أصبحت الخلافات بين المنظرين تدور حول من يملك حق تحديد الموقف الشرعي من التنظيمات والتحالفات والسلطات، ومن يملك القدرة على تفسير التحولات السياسية باعتبارها «مرونة» تفرضها الظروف أو «انحرافاً» عن المنهج.

ويظهر من المسار الطويل للتيار الجهادي أن هذا الانقسام بين المرجعيات الجهادية ليس جديداً، بل كان ملازماً للتيار منذ سنوات، غير أن التحولات السورية أعادت إنتاجه بصورة أكثر حدة. فمن الخلاف حول تنظيم الدولة، إلى الموقف من تركيا والفصائل السورية، ثم فك ارتباط هيئة تحرير الشام بالقاعدة، وصولاً إلى تأسيس سلطة سياسية في دمشق، انتقلت الخلافات تدريجياً من مسائل تنظيمية إلى صراع على تعريف الشرعية نفسها.

وبذلك، تبدو المواجهة الأخيرة بين طارق عبد الحليم وأبي قتادة الفلسطيني جزءاً من مسار أطول من إعادة تشكل المرجعيات الجهادية. فالساحة السورية لم تنتج فقط تحولاً عسكرياً وسياسياً كبيراً، وإنما أحدثت أيضاً اختباراً غير مسبوق للمنظومة الفكرية التي رافقت الجهادية السورية منذ بداياتها. ومع اختلاف مواقف المنظرين من السلطة الجديدة، أصبح الانقسام بينهم أكثر وضوحاً، فيما تحولت العلاقات القديمة بين بعضهم من التحالف والتأييد إلى الخصومة، ثم في بعض الحالات إلى المصالحة، بما يعكس هشاشة البنية المرجعية داخل التيار وتعدد قراءاته للأحداث والتحولات السياسية.

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية