
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن قوات أمريكية ونيجيرية نفذت عملية مشتركة أسفرت عن مقتل القيادي البارز في تنظيم “داعش” أبو بلال المينوكي، الذي وصفه بأنه “الشخص الثاني في قيادة العمليات العالمية لتنظيم داعش”، في خطوة اعتُبرت ضربة قوية لأحد أكثر فروع التنظيم نشاطًا في العالم.
وقال ترامب، في منشور على منصة “تروث سوشيال”، إن العملية “شديدة التعقيد” نُفذت بتوجيه مباشر منه، وبالتعاون بين القوات الأمريكية والنيجيرية، مضيفًا أن مقتل المينوكي سيؤدي إلى إضعاف “كبير” في العمليات العالمية للتنظيم. وأضاف: “كان يعتقد أنه يستطيع الاختباء في إفريقيا، لكنه لم يكن يعلم أن لدينا مصادر تطلعنا على ما يفعله”.
من جهته، أكد الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو مقتل المينوكي خلال عملية مشتركة جرت ليل الجمعة ـ السبت، موضحًا أن التقييمات الأولية تشير إلى مقتله مع عدد من مساعديه في هجوم استهدف مواقعهم بمنطقة حوض بحيرة تشاد.
ويُعد أبو بلال المينوكي من أبرز الشخصيات القيادية في تنظيم “داعش”، إذ أشرف على العمليات والملفات المرتبطة بمنطقتي نيجيريا والساحل، وهما المنطقتان اللتان تحولتا خلال السنوات الأخيرة إلى الثقل العملياتي الأكبر للتنظيم على المستوى العالمي.
وينحدر المينوكي من بلدة مينوك الواقعة في ولاية بورنو شمال شرقي نيجيريا، وبرز اسمه مبكرًا داخل التنظيمات المتشددة عبر انخراطه في جماعة “بوكو حرام”، قبل أن يلتحق بالجناح المنشق عنها عام 2016 بقيادة أبو مصعب البرناوي، والذي أعلن مبايعته لتنظيم “داعش” وأسّس ما عُرف لاحقًا بـ”ولاية غرب إفريقيا؟.
وتولى المينوكي قيادة التنظيم خلفًا للبرناوي، في مرحلة شهدت تحولًا نوعيًا في نشاط “داعش” بمنطقة الساحل وغرب إفريقيا. ففي عهده، أصبحت المنطقة تمثل المركز الأكثر نشاطًا للتنظيم عالميًا، حيث تضاعفت وتيرة العمليات المسلحة بشكل ملحوظ، وباتت هجمات غرب إفريقيا تستحوذ على أكثر من 60 في المائة من مجمل العمليات التي يعلنها التنظيم حول العالم، إلى درجة دفعت بعض المتابعين إلى وصف نشرة “النبأ” الأسبوعية التابعة لـ”داعش” بأنها تحولت عمليًا إلى “نشرة غرب إفريقيا”، بالنظر إلى التركيز الكبير على العمليات المنفذة في نيجيريا ومحيطها.
وتكمن أهمية المينوكي أيضًا في إشرافه على “مكتب الفرقان”، وهو الجهاز المسؤول عن إدارة شؤون الساحل وغرب إفريقيا داخل التنظيم، وذلك بعد إلغاء “مكتب الأنفال” الذي كان يتولى سابقًا إدارة عمليات الساحل، وإلحاق صلاحياته بمكتب الفرقان.
وخلال فترة قيادته، شهدت عمليات “داعش” في غرب إفريقيا طفرة لافتة من حيث الكم والنوع، مع توسع التنظيم في استخدام تكتيكات عسكرية أكثر دموية، مثل العمليات الانتحارية والعمليات الانغماسية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستويات العنف في المنطقة.
ووفقًا لتقديرات “مؤشر الإرهاب العالمي” لعام 2023، سجلت منطقة غرب إفريقيا وحوض بحيرة تشاد ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات القتل المرتبطة بالهجمات الإرهابية، إذ قفز عدد الضحايا بنسبة بلغت نحو 2000 في المائة مقارنة بالسنوات التي سبقت تولي المينوكي منصبه، في مؤشر على تصاعد النهج العسكري العنيف الذي تبناه التنظيم تحت قيادته.
كما شهدت نيجيريا خلال عام 2025 ارتفاعًا حادًا في عدد القتلى الناتجين عن العمليات الإرهابية بنسبة بلغت 46 في المائة، حيث ارتفع العدد من 513 قتيلًا إلى 750 قتيلًا، وفق بيانات قاعدة ACLED المتخصصة في تتبع النزاعات المسلحة. واستمر هذا التصاعد بوتيرة أكبر خلال الربع الأول من عام 2026، الذي وُصف بأنه الأكثر دموية منذ نحو عقد كامل، مدفوعًا بزيادة كبيرة في كثافة الهجمات المسلحة.
لا شك أن مقتل المينوكي سيترك أثرا سلبيا واضحا على تنظيم “داعش” في غرب إفريقيا والساحل، خصوصا أن المنطقة تشهد تنافسا حادا بين عدة جماعات مسلحة، من بينها جماعة “بوكو حرام” في نيجيريا وحوض بحيرة تشاد، إضافة إلى جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” الناشطة في منطقة الساحل.
كما يُتوقع أن يؤدي غيابه إلى إرباك عدد من الملفات التنظيمية الحساسة، بالنظر إلى تعدد المناصب التي كان يشغلها داخل داعش. وتشير تقارير إلى أنه كان يرأس أيضًا ما يُعرف بـ”الإدارة العامة للولايات”، وهي الهيئة المسؤولة عن التنسيق بين القيادة المركزية للتنظيم وقادة الولايات والفروع الأخرى.
وفي الجانب الإعلامي، شهدت فترة قيادته نشاطا ملحوظا في آلة الدعاية التابعة للتنظيم، مع تداول تقارير تفيد بأن فرع نيجيريا أصبح يشرف بصورة مباشرة على إصدار نشرة “النبأ” الأسبوعية، التي تُعد المنصة الإعلامية الأبرز لـ”داعش”.
ويعتقد متابعون أن غياب المينوكي لن يقتصر تأثيره على الجانب العسكري فقط، بل سيمتد إلى الجوانب التنظيمية والإعلامية وشبكات التنسيق بين فروع التنظيم المختلفة، ما يجعل مقتله خسارة كبيرة لـ”داعش” في واحدة من أكثر مراحله نشاطًا في القارة الإفريقية.
ولغاية الآن، لم يصدر تنظيم “داعش” أي تعليق رسمي بشأن مقتل المينوكي، وهو أمر ينسجم مع سياسة التنظيم الإعلامية المعتادة، إذ نادرًا ما يعلن عن مقتل قادة الصف الأول بشكل مباشر، باستثناء حالة “الخليفة” أو القائد العام، حيث يكون الإعلان ضروريًا لإتاحة المجال أمام الأنصار والعناصر لتجديد البيعة للخليفة الجديد. أما بقية القيادات، فعادة ما يُعلن عن مقتلها بعد فترات طويلة ضمن إصدارات دعائية تتناول “مآثرهم” وأدوارهم داخل التنظيم. ويُذكر في هذا السياق أن التنظيم لم يعلن رسميًا حتى الآن عن مقتل سلف المينوكي، أبو مصعب البرناوي، رغم مرور سنوات على تداول أنباء مقتله.



