
تُمثل الفصائل العراقية التي ترفع شعار “المقاومة الإسلامية” التجلي الأحدث لشبكة الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران في العراق، وتعكس نزعة متجددة من التكيف المستمر مع مصالح الحرس الثوري في منطقة الشرق الأوسط التي لم يبرحها الاضطراب لعقود. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، انخرطت هذه المجموعات في مسار طويل من التحولات، تبدلت خلاله الأسماء والعناوين، غير أنّ سمة واحدة بقيت ثابتة لا تتغير: الولاء المطلق للولي الفقيه، الذي ظل المحدد الأبرز لمواقفها، والموجه الأساسي لتحركاتها وأنشطتها.
عقب سقوط نظام صدام حسين في 2003 دخل العراق نفقا مظلما، وكان التطهير الطائفي مطلبا إيرانيا ملحا ضمن مشروعها الرامي لوضع العراق تحت نفوذها، ورهن سيادته برغبات حكام طهران، فكان تأسيس فرق الموت الرهيبة من الوسائل التي لجأت إليها الميلشيات الإيرانية، لفرض خريطة ديمغرافية جديدة، وتصفية المكونات المذهبية والدينية الأخرى، وإطلاق شارة البداية لصراع طائفي مرير لم يتعافى العراق منه حتى الآن.
أصل واحد
معظم المجموعات والميلشيات الطائفية بمسمياتها المتنوعة تؤول إلى أصل واحد وهو حزب الدعوة الإسلامية الذي تأسس في العراق سنة 1957، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي خرج من رحمه عام 1982. كان للكيانين وجود عسكري ومراكز تدريب في إيران أهمها “معسكر الصدر” الذي تخرجت منه كثير من القيادات التاريخية التي تحولت لاحقا إلى وجوه معروفة في عراق مابعد 2003.
يعتبر فيلق بدر الذراع العسكرية الضاربة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وقد شارك في الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي وقاتل بحماس إلى جانب الجيش الإيراني. وتظهر مقاطع مرئية أرشيفية زعيمه “هادي العامري” في خطوط القتال وهو يقول :” نحن مع الإمام حتى آخر قطرة دم – يقصد الخميني- إذا قال حرب، حرب وإذا قال صلح، صلح.. ونحن نعلم أن الإمام هو الذي يمثل الإسلام الآن”.
الارتباط العضوي بين فيلق بدر والحرس الثوري الإيراني سيلقي بظلاله على معظم التشكيلات التي انبثقت لاحقا عن الفيلق، وحتى تلك التي أبدت تحفظها على حدود “ولاية الفقيه”، أو نادت باحترام هوية العراق وخصوصيته، لم تستطع أن تبتعد كثيرا عن دائرة التأثير الإيراني.
بعد سقوط نظام صدام في 2003 عاد قادة حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية إلى العراق، وانخرطوا في العملية السياسية، لتنطلق بعدها دينامية متواصلة من التشظي والانقسام، وتتأسس عشرات الفصائل والتشكيلات الطائفية، فرقتها كعكة المصالح وجمعها الولاء لطهران.
في 2004 غير فيلق بدر اسمه إلى منظمة بدر، وتأهب للعب دور محوري في العملية السياسية الجارية. ومن رحمه ستخرج في 2006 ميليشيا كتائب حزب الله العراقية بزعامة أبو مهدي المهندس التي ترى أن ” ولاية الفقيه هي الطريق الأمثل لتحقيق الإسلام في زمن الغيبة.. وأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة أساسية في التمهيد لدولة العدل الإلهي”.
ومن رحم هذه الميليشيا ستظهر أيضا ميليشيا كتائب سيد الشهداء العابرة للحدود بزعامة أبو مصطفى الشيباني المدرج على لوائح الإرهاب، وستؤول قيادتها إلى المدعو أبو آلاء الولائي.
التيار الصدري الذي عبر أكثر من مرة عن مواقف مناهضة لبعض سياسيات إيران في العراق، بقي رغم ذلك رقما رابحا في معادلة إيران في المنطقة، من خلال دراعه العسكرية “جيش المهدي” والفصائل التي انشقت عنه وشكلت إحدى أكثر الميليشيات المسلحة ولاءً لطهران ووفاءا لمبدأ ولاية الفقيه مثل عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، وحركة النجباء العابرة للحدود بقيادة أكرم الكعبي.
فرق الموت
بعد سقوط نظام صدام حسين، عاد رجال حزب الدعوة وقوات فيلق بدر من إيران ودخلوا العراق وتصدروا المشهد كأبطال عارضوا ديكتاتورية صدام لسنوات طويلة. كان أمل العراقيين أن تتحول لحظة زوال البعث إلى بداية عهد مدني تعددي وديمقراطي، لكن كان لرجال إيران في العراق رأي آخر.
السيطرة على مفاصل العراق الجديد، والهيمنة على مراكز الحكم والقرار فيه، وتسييد طائفة واحدة على حساب تعددية العراق وتنوع مكوناته لن ينجح دون خريطة ديمغرافية جديدة، وتعديل جذري في بنيته الاجتماعية خاصة في بغداد قلب العراق النابض، ومن هنا جاءت فكرة ” فرق الموت”.
شكلت الميلشيات الموالية لإيران فرقا سرية مهمتها القيام بتصفيات جماعية ضد المكونات الدينية والمذهبية الأخرى لاسيما العرب السنة. في كل يوم يتم العثور على عشرات الجثث مجهولة الهوية، مكبلة الأيدي وعليها آثار التعذيب، وطلقة في الرأس. أكوام من الجثث ملقات على الرصيف أو مكبات القمامة، وفي زوايا المدن النائية. أطفال ونساء وشيوخ وشبان يافعين وأطباء ومهندسين وعلماء ذرة، عمال نظافة وموظفون بسطاء، وعابروا سبيل ساقهم حظهم التعيس إلى نقطة تفتيش تشرف عليها فرق الموت الرهيبة، فصاروا أرقاما في مشارح بغداد، وجثثا في براداتها تنتظر من يتعرف عليها.
في 2006 بلغت القتل على الهوية ذروته، وأصبح إحصاء الجثث والتعرف عليها تحديا كبيرا أمام مصالح الطب الشرعي. لقد اضطر مدير مشرحة بغداد “فايق بكير” إلى اللجوء للمنفى، بعد تلقيه تهديدات بالقتل بسبب افصاحه عن أعداد الضحايا الذين تستقبلهم مشرحة بغداد المركزية وحدها. فايق كان قد صرح بأنهم يستقبلون حوالي 1100 جثة مجهولة الهوية كل شهر.
ونقلت صحيفة الغارديان في مارس 2006 عن جون بيس، المدير السابق لمكتب الامم المتحدة لحقوق الإنسان بالعراق قوله أن غالبية الجثث التي تلقتها مشرحة العاصمة في الشهور الماضية، تظهر عليها علامات تعذيب، وخروق بالمسبار الكهربائي (الدريل) وآثار حروق. وأضاف بأن غالبية الجثث تظهر تعرض أصحابها لإعدامات فورية، حيث بقيت أيدي الضحايا مقيدة بالحبال والأصفاد البلاستيكية.
الناجون، وعائلات الضحايا، وبيانات الأمم المتحدة، وإفادات الجيش الأمريكي الموثقة، وتقارير الهيئات الحقوقية الدولية وأخير الآلاف من وثائق ويكيلكس كلها تؤكد أن منظمة بدر وجيش المهدي وميليشيات أخرى تابعة لحزب الدعوة ونوري المالكي هم من يقف وراء حملات القتل هذه.
الكثير من عمليات الإعدام قامت بها مجموعات مسلحة ترتدي زي الشرطة والجيش العراقيين نتيجة دمج الميليشيات في أسلاك الجيش والشرطة، ونقلت صحيفة الواشنطن بوست حينها عن الكابتن ألكسندر شو رئيس فريق تدريب الشرطة العراقية قوله إن ” 70% من قوات الشرطة العراقية تعاني من اختراقات المليشيات وخاصة جيش المهدي”.
وبإشراف من قادة هذه الميلشيات تم إنشاء عشرات السجون والمعتقلات السرية ضمت حسب وثائق ويكيلكس أكثر من 100.000 سجين، سجل اختفائهم القسري ضد مجهول، وعثر لاحقا على جثث كثير منهم ملقاة على قارعة الطريق أو مطمورة في مقابر جماعية.
شرارة العنف الطائفي
ساد اعتقاد خاطئ مفاده أن تفجير مرقدي الهادي والحسن العسكريين في سامراء في فبراير 2006 كان بمثابة الشرارة التي أحرقت العراق بنار الحرب الطائفية المريرة. لكن الوقائع التاريخية تؤكد أن ظهور فرق الموت سبقت تفجير المرقدين. وقد أكد جون بيس، المدير السابق لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الانسان بالعراق في حديث لصحيفة الاندبندنت البريطانية أن الجثث كانت تصل الى المشرحة المركزية بمعدلات كبيرة، قبل الهجوم علي مسجد الامامين الهادي والعسكري في مدينة سامراء.
الزرقاوي أجج نار الصراع الطائفي بسياراته المفخخة وهجماته المميتة بعدما أطلقت فرق الموت شرارتها الأولى عبر جرائم الخطف والتعذيب والقتل الجماعي. لقد تم التخطيط لبرنامج القتل على الهوية في بغداد وغيرها من مدن العراق والزرقاوي لا يزال حينها تائها في جبال كردستان، ولما نزل إلى الداخل العراقي وجد الظرف هناك مناسبا لإعلان مشروعه الطائفي المضاد، وأسس ما سماه “فيلق عمر” في محاكاة دموية لفيلق بدر.
المجموعات التي ترفع لواء “المقاومة الإسلامية” وتجر العراق إلى دائرة حرب اقليمية مدمرة نزولا عند رغبة ” الولي الفقيه” تحت ذريعة الدفاع عن فلسطين هي نفسها التي أذاقت الفلسطينيين الويلات في العراق زمن فرق الموت. ومشكلتها الأساسية أن ولائها لإيران مقدم على انتمائها للعراق، وهي مشكلة عبر عنها بوضوح قائد حركة النجباء في لقاء تلفزيوني له في 2015 فقال “أنه مطيع لأوامر مرشد الثورة علي خامنئي، حتى لو أمره بالإطاحة بالحكومة العراقية أو القتال بأي دولة أخرى”.



