
شهدت ولاية بورنو في شمال شرق نيجيريا موجة هجمات عنيفة تبناها تنظيم ما يعرف بـ”ولاية غرب أفريقيا” التابعة لتنظيم داعش، استهدفت عدداً من مواقع الجيش النيجيري خلال فترة زمنية قصيرة، وفق بيانات نشرها التنظيم عبر وكالة أعماق.
وتشير المعطيات الواردة في البيانات إلى أن الهجمات جاءت ضمن سلسلة عمليات متزامنة أو متقاربة زمنياً، شملت اقتحام معسكرات عسكرية، إحراق آليات، الاستيلاء على أسلحة، إضافة إلى تنفيذ هجوم بسيارة مفخخة قرب منطقة غابات سامبيسا.
هجوم واسع على معسكر كندوجا
أفادت البيانات بأن مسلحي التنظيم شنوا هجوماً واسعاً على مواقع للجيش في بلدة كندوجا، استهدف معسكراً للجيش ومواقع تابعة لميليشيات محلية موالية للحكومة.
ووفق الرواية الواردة في البيانات، بدأ الهجوم ليلاً واقتحم المهاجمون المعسكر بعد اشتباكات مع القوات المتمركزة فيه. وتحدثت المصادر عن مقتل ضابط وستة جنود خلال العملية، إضافة إلى إحراق عدد من الآليات العسكرية.
كما أشار البيان إلى أن المهاجمين أحرقوا ثكنة عسكرية واستولوا على أربع آليات عسكرية، إضافة إلى عدد من الأسلحة الفردية والذخائر، قبل أن ينسحبوا من الموقع.
وبالتزامن مع ذلك، ذكر البيان أن المهاجمين استهدفوا منزلاً يعود إلى أحد قادة الميليشيات المحلية في البلدة، حيث تم إحراق آليته بعد فراره.
هجوم على معسكر مالينوك
وفي عملية أخرى وقعت خلال الليلة نفسها، قال التنظيم إن مسلحيه هاجموا معسكراً تابعاً للجيش النيجيري في بلدة مالينوك.
ووفق التفاصيل الواردة في البيان، تمكن المهاجمون من اقتحام المعسكر بعد اشتباكات قصيرة مع القوات الموجودة فيه، ما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود، بينما فرّ بقية الجنود من الموقع.
وأضاف البيان أن المهاجمين قاموا بعد السيطرة المؤقتة على المعسكر بإحراق عدد من الثكنات العسكرية وإتلاف سبع آليات عسكرية.
كما تحدثت البيانات عن استيلاء المهاجمين على أسلحة وعتاد عسكري شمل عشر بنادق وأربع رشاشات متوسطة وثقيلة، إضافة إلى قاذفي صواريخ ومدفع هاون، قبل أن ينسحبوا من الموقع.
اقتحام معسكر جاكانا واشتباكات مع دورية عسكرية
وفي عملية ثالثة، ذكر التنظيم أن مقاتليه شنوا هجوماً على معسكر للجيش في بلدة جاكانا.
ووفق البيانات، اقتحم المهاجمون المعسكر بعد اشتباكات مع الجنود داخله، ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود وإحراق ثكناتهم العسكرية.
كما أشار البيان إلى إحراق ثلاث عشرة آلية عسكرية وأربع دراجات نارية خلال العملية.
وخلال انسحاب المهاجمين، قال التنظيم إن اشتباكاً وقع مع دورية عسكرية حاولت الوصول إلى الموقع، حيث تم تفجير عبوة ناسفة في مركبتين مدرعتين، ما أدى إلى إعطابهما وإصابة عدد من الجنود.
وأضاف البيان أن المهاجمين استولوا خلال العملية على 32 بندقية وخمسة رشاشات متوسطة وثقيلة وثلاث دراجات نارية قبل الانسحاب.
هجوم رابع على معسكر مارتي
كما أعلن التنظيم عن تنفيذ هجوم آخر استهدف معسكراً للجيش في بلدة مارتي.
ووفق الرواية الواردة في البيانات، اندلعت اشتباكات عنيفة بين المهاجمين والقوات المتمركزة في المعسكر، أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة آخرين.
وأشار البيان إلى أن المهاجمين تمكنوا من إحراق مدرعتين عسكريتين وإعطاب مدرعتين أخريين باستخدام قذائف صاروخية.
كما تحدثت البيانات عن استيلاء المهاجمين على خمس آليات عسكرية وعدد من البنادق والرشاشات، إضافة إلى قاذفي صواريخ وقاذف قنابل ومدفع هاون، قبل انسحابهم من الموقع.
وذكرت الرواية أيضاً أن عدداً من المهاجمين قُتلوا خلال الاشتباكات نتيجة قصف جوي نفذته طائرات عسكرية أثناء العملية.
تفجير سيارة مفخخة قرب غابات سامبيسا
وفي عملية منفصلة، أعلن التنظيم تنفيذ هجوم انتحاري بسيارة مفخخة استهدف تجمعاً للقوات النيجيرية قرب قرية نجيميا في محيط غابات سامبيسا.
وبحسب البيان، انطلقت سيارة مفخخة يقودها أحد المهاجمين باتجاه موقع تمركز للقوات النيجيرية التي كانت قد أنشأت موقعاً عسكرياً حديثاً في المنطقة.
وأشار البيان إلى أن قوة إسناد من المهاجمين اشتبكت مع الجنود لإشغالهم بنيران الأسلحة، ما أتاح للمركبة المفخخة التقدم نحو الهدف.
وأضاف البيان أن المهاجم تمكن من تفجير السيارة داخل موقع القوات، ما أدى – بحسب الرواية – إلى مقتل نحو عشرين جندياً وإصابة آخرين، إضافة إلى تدمير عدد من الآليات العسكرية.
كما ذكر أن القوات النيجيرية اضطرت إلى إخلاء الموقع والانسحاب منه بعد ساعات من الهجوم.
دلالات التصعيد
لا يُنظر إلى سلسلة الهجمات التي شهدتها ولاية بورنو باعتبارها مجرد عمليات عسكرية منفصلة، بل يرى مراقبون أنها تحمل دلالات أوسع تتعلق باستراتيجية تنظيم ما يعرف بـ”ولاية غرب أفريقيا” التابعة لتنظيم داعش في نيجيريا والمنطقة المحيطة بحوض بحيرة تشاد.
إظهار القدرة العملياتية بعد سنوات من الضغط العسكري
تشير كثافة الهجمات وتزامنها إلى محاولة التنظيم إظهار أنه لا يزال يحتفظ بقدرات عملياتية معتبرة رغم سنوات من العمليات العسكرية التي تقودها الحكومة النيجيرية بدعم إقليمي ودولي.
فاستهداف عدة معسكرات خلال فترة زمنية قصيرة يوحي بقدرة على التخطيط والتنسيق والحشد، كما يعكس امتلاك التنظيم شبكة تحركات ولوجستيات تسمح بتنفيذ عمليات متفرقة في مناطق مختلفة.
ويرى بعض الباحثين في شؤون الجماعات المسلحة أن هذا النوع من العمليات المركبة غالباً ما يكون محاولة لإعادة فرض الحضور الميداني للتنظيم، خاصة بعد فترات من الهدوء النسبي أو بعد خسائر سابقة.
إحراج الحكومة النيجيرية داخليا
يحمل التصعيد أيضاً بعداً سياسياً داخلياً، إذ إن تكرار الهجمات على مواقع عسكرية يسلط الضوء على التحديات التي تواجهها الدولة في بسط السيطرة الأمنية في شمال شرق البلاد.
فمنذ أكثر من عقد تخوض الحكومة النيجيرية حرباً ضد الجماعات المتشددة، ومع ذلك ما زالت هذه الجماعات قادرة على شن هجمات مؤثرة على مواقع الجيش.
وتؤدي مثل هذه العمليات غالباً إلى زيادة الانتقادات الداخلية الموجهة للحكومة والمؤسسة العسكرية بشأن فعالية الاستراتيجية الأمنية في المنطقة.
كما أن استهداف المعسكرات العسكرية تحديداً، بدلاً من الاقتصار على أهداف مدنية، يحمل رسالة واضحة مفادها أن التنظيم يسعى إلى إظهار قدرته على مواجهة الدولة مباشرة.
حرب إعلامية وبناء صورة القوة
يلعب البعد الإعلامي دوراً مهماً في مثل هذه العمليات. فالإعلانات المتتابعة عن الهجمات عبر وكالة أعماق تهدف إلى تضخيم أثر العمليات وإيصال رسالة إلى جمهور التنظيم ومناصريه بأن الفرع النيجيري ما يزال نشطاً وقادراً على تنفيذ عمليات كبيرة.
ويُعد هذا البعد جزءاً من التنافس داخل المشهد الجهادي العالمي، حيث تحاول الفروع المختلفة للتنظيم إبراز نشاطها الميداني للحفاظ على مكانتها داخل الشبكة العالمية للتنظيم.
استدراج اهتمام دولي بالصراع
من بين التفسيرات المطروحة أيضاً أن تكثيف الهجمات قد يكون محاولة لاستدراج اهتمام دولي أكبر بالصراع في شمال شرق نيجيريا.
ففي حال تصاعدت الهجمات بشكل ملحوظ وارتفعت الخسائر العسكرية، قد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على الحكومة النيجيرية للحصول على دعم أمني أكبر من شركائها الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.
ويرى بعض المحللين أن التنظيم قد يسعى إلى جر أطراف دولية إلى الصراع، على غرار ما حدث في مناطق أخرى، بهدف توسيع نطاق المواجهة وإضفاء بعد دولي على عملياته.
تثبيت النفوذ في منطقة بحيرة تشاد
كما تعكس هذه العمليات محاولة التنظيم الحفاظ على نفوذه في منطقة حوض بحيرة تشاد، التي تشمل أجزاء من نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون.
فاستهداف القواعد العسكرية والاستيلاء على أسلحة وعتاد يساهم في تعزيز قدرات التنظيم القتالية، كما يسمح له بالحفاظ على موارده في بيئة صراع طويلة الأمد.
مرحلة جديدة من التصعيد؟
في ضوء هذه المعطيات، يرى مراقبون أن ما جرى قد يمثل بداية موجة تصعيد جديدة في شمال شرق نيجيريا، خاصة إذا استمرت الهجمات المركبة ضد مواقع الجيش خلال الأسابيع المقبلة.
ويحذر خبراء أمنيون من أن استمرار هذا النمط من العمليات قد يشير إلى محاولة التنظيم استعادة زمام المبادرة في بعض مناطق الصراع، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية المعقدة للمنطقة، وخاصة في محيط غابات سامبيسا التي لطالما شكلت ملاذاً للجماعات المسلحة.



