جماعة نصرة الإسلام تتمدد في بوركينافاسو

يبدو أن جماعة نصرة الاسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة -صاحبة النفوذ القويّ في منطقة الساحل الأفريقي- تسعى إلى تكريس هذا النفوذ، عبر تكثيف هجماتها في بوركينافاسو، التي تريد أن تجعلها منطقة نفوذ خالصة لها، في ظل التنافس الشرس بينه وبين تنظيم داعش على صدارة مشهد الإرهابي في تلك المنطقة، وقد تمكنت الجماعة من شن هجمات نوعية وغير تقليدية داخل البلاد، والتي كان من أبرزها إعلان الجماعة، في أكتوبر 2024، السيطرة على موقع عسكري متقدم تابع لجيش بوركينافاسو، في منطقة «توغوري»، التي لا تبعد سوى مئة كيلومتر فقط من العاصمة واغادوغو في وسط البلاد، وهو ما أثار المخاوف وقتها من وصول مقاتلي «القاعدة» إلى محيط العاصمة واغادوغو، البالغ تعداد سكانها ثلاثة ملايين نسمة، وتتمركز فيها أجهزة الدولة والمؤسسات الاقتصادية الحيوية.

هذا الأمر هو ما أثار العديد من التساؤلات حول أسباب ودوافع تنظيم القاعدة لاستهداف بوركينافاسو بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة، عبر فصائل جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين التي أصبحت تُعَدُّ التنظيم الإرهابي الأكبر في المنطقة؛ لذا تتناول هذه الدراسة أبرز التحوُّلات التي شهدها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والتي حوَّلته إلى واحد من أكبر التنظيمات العابرة للحدود في القارة الأفريقية، وتستعرض الدوافع التي تقف وراء تكثيف التنظيم هجماته في بوركينافاسو، ولاسيّما بعد إعلان سلطاتها العسكرية الحاكمة منذ عامين عن إعادة هيكلة الجيش، وشن حرب «لا هوادة فيها» ضد الإرهاب، بالتعاون مع روسيا التي أرسلت عناصر من «فاغنر»، وبعد الحصول على صفقات سلاح كبيرة من موسكو.

أولًا: سمات تنظيمية غير تقليدية

قام تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي يُعَدُّ من أقوى فروع القاعدة على مستوى العالم، بمجموعة من الخطوات التنظيمية المهمة خلال السنوات الماضية، ساهمت في تمدده وانتشاره بشكل متسارع في منطقة الساحل والصحراء، التي صارت واحدة من أبرز بؤر الإرهاب العالمية؛ بسبب تعدد المجموعات الإرهابية المنتشرة بها. وكان من أبرز تلك الخطوات نجاح التنظيم عام 2020 في تجاوز أزمة القيادة التي امتدت قرابة خمسة أشهر، بعد مقتل زعيمه عبدالمالك دروكدال، إثر عملية عسكرية نفذتها وحدة من القوات الخاصة الفرنسية بشمال غرب منطقة تساليت في مالي، قرب الحدود مع الجزائر.

ويُذكر أن التنظيم أعلن، في نوفمبر 2020، عن تعيين القيادي البارز مبارك يزيد، المُلَقَّب بـ«أبوعبيدة يوسف العنابي»، والمعروف بخبرته التنظيمية والإعلامية الواسعة، زعيمًا جديدًا له، وهو مُدرج منذ سبتمبر 2015 على القائمة الأمريكية للإرهابيين العالميين، وقد عرضت الولايات المتحدة مكافأة قدرها 7 ملايين دولار مقابل أي معلومة تؤدي إلى تحديد مكان زعيم “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، أبوعبيدة يوسف العنابي.

وعقب تولى القيادة الجديدة، بات من الواضح أن التنظيم لا يسعى فحسب إلى حالة من الانفراد التنظيمي وتصدُّر مشهد الإرهاب في الساحل الأفريقي، وإنما يسعى أيضًا إلى صدارة المشهد الجهادي العالمي، حيث أصبح من اللافت أنه بدأ يطرح نفسه كوريث لتنظيم القاعدة الأم، الذي صار يعاني التراجعَ والانحسارَ بشكل ملحوظ، وذلك من خلال تصوير نفسه أنه “تنظيم عابر للحدود”؛ كونه ينشط في كل من بوركينافاسو ومالي والنيجر، فضلًا عن وجود مجموعات موالية له في تونس وبحيرة تشاد، ولاسيّما بعد أن اتحد مع عدد من التنظيمات الإرهابية الأخرى من خلال ما أُطلق عليه جماعة “نُصرة الإسلام والمسلمين”، والتي أُعلن عنها في مارس 2017، والتي أصبحت تنظيمًا إرهابيًّا غير تقليدي، ليس فقط بسبب قوتها العسكرية وكثافة أعداد مقاتليها مقارنة بالمجموعات الإرهابية الأخرى، وإنما أيضًا لكونها خليطًا من عدة مجموعات إرهابية متنوعة عرقيًّا، يجمعها الولاء لتنظيم القاعدة، وهي جماعة “أنصار الدين” التي تعبر عن قبائل الطوارق، و”كتيبة المرابطين”، و”إمارة منطقة الصحراء الكبرى”، وكُلٌّ منها يُعَبِّر عن المجموعات العربية، إضافةً إلى “جبهة تحرير ماسينا”، التي تعبر عن عِرقية الفولاني، وهو ما ساعد الجماعة على الانتشار في مناطق متعددة من الساحل الأفريقي، وإن كان ثقلها التنظيمي يتركز في شمال مالي.

ومن الملاحظ أنه عقب الإعلان عن الجماعة، خاصة بعد أن قامت بالعديد من الهجمات في الساحل الأفريقي، وخصوصًا في بوركينافاسو، ركز تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي إعلاميًّا على تمدد الجماعة الجديدة -أي جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين- وعلى إنجازاتها العسكرية والتنظيمية، كما ركز أيضًا على زعيمها الجديد “إياد أغا غالي”، الملقب بثعلب الساحل الأفريقي المالي، وهو يُعَدُّ من أخطر زعماء تنظيم القاعدة بالمنطقي. في مقابل ذلك تراجع اهتمام التنظيم إعلاميًّا بالقاعدة الأم وارتباطه بها تنظيميًّا، في محاولة للإيحاء بأنه تنظيم عابر للحدود شبه مستقل، وهو ما فرض على التنظيم تأكيد قوته في المنطقة من خلال شن هجمات إرهابية نوعية، ولاسيّما في بوركينافاسو التي يعتبرها التنظيم مجاله الحيوي، ومن ثم بات يسعى إلى تكريس هيمنته التنظيمية والعملياتية عليها، خاصةً في ظل التنافس الجهادي بينه وبين تنظيم داعش على النفوذ ومصادر التمويل في الساحل الأفريقي.

 ويُذكر في هذا الصدد أن هناك تقارير أشارت إلى رغبة قيادة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في انتقال زعامة القاعدة الأم إليها بعد مقتل أيمن الظواهري، خاصة وأن التنظيم الأم شهد في عهده عملية تفكيك لا مركزية نتيجة الشُّحّ في الموارد بسبب التشديد الدولي في مكافحة الإرهاب إبان ظهور تنظيم “داعش”، وانتقال الثقل التنظيمي الى فروع التنظيم، مثل حركة الشباب الصومالية، والقاعدة في اليمن، فضلًا عن القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وهو ما حوَّل التنظيم الأم الى مجرد راية، أو واجهة، تجتمع حولها الفروع خوفًا من انفراط العقد التنظيمي.

وربما كان هذا الأمر هو ما دفع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) إلى تسريع العمل من أجل تفعيل قوة عسكرية مشتركة، هدفها الأول مواجهة خطر الجماعات الإرهابية التي بدأت تتوسع، قادمةً من منطقة الساحل التي تحولت منذ سنوات إلى بؤرة لنشر الإرهاب في القارة الأفريقية، بعد أن كان نفوذ الجماعات الإرهابية يتركز على مدى سنوات في منطقة الساحل، وتحديدًا في مالي والنيجر وبوركينافاسو، بالإضافة إلى نيجيريا. ولكن هذه التنظيمات الإرهابية -وفى مقدمتها تنظيم القاعدة- ظلت دومًا تخطط للتوسع نحو دول جديدة، خاصةً تلك المطلة على خليج غينيا، حيث ثروات النفط والغاز، وواحد من أكثر خطوط الملاحة البحرية نشاطًا في العالم.

ثانيًا: دوافع القاعدة لاستهداف بوركينافاسو

يمكن القول إن هناك مجموعة من الدوافع والأسباب التي شجعت تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على تكثيف هجماته داخل بوركينافاسو، التي واجهت خلال السنوات الأخيرة -تحت قيادة المجلس العسكري- تنظيمات إرهابية متعددة يغلب عليها الطابع القاعدي، منذ تَمَدُّدها إلى أراضي بوركينافاسو من مالي المجاورة قبل نحو 10 سنوات، ويمكن تحديد أبرز تلك الدوافع في النقاط التالية:

  • الرغبة في توسيع النفوذ: منذ أن تولَّى يوسف العنابي قيادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وهو يعمل على توسيع انتشاره الجغرافي داخل القارة الأفريقية، ويتبيّن ذلك من خلال الحوار الصحفي الذي أجراه العنابي في مارس 2023، والذي قال فيه إن القيادات الغربية تعرف وتعي ما هي أهداف جماعة “نُصرة الإسلام والمسلمين”، وتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، في تلميح إلى أنها “تركز على القتال في أفريقيا، ولم تجهز لأي عمليات في الغرب أو على الأراضي الفرنسية”. والعنابي يُحسب من بين القيادات المتشددة في التنظيم، ويُعرف بميوله الدموية في التعامل مع خصومه، فضلًا عن أنه أحد العقول المدبرة للتنظيم. وتشير بعض التقارير إلى أن العنابي نجح في إعادة جمع فروع التنظيمات الإرهابية المنتشرة في شمال مالي تحت لواء القاعدة، وتكثيف عملياته الإرهابية ضد الجنود من جيوش المنطقة، وبناء علاقات اجتماعية مع لوبيات الاتجار في السلاح والمخدرات والهجرة السرية التي يستحوذ عليها كبار القبائل في المنطقة، وهو ما يشجعه على مد نفوذ التنظيم على أوسع نطاق جغرافي ممكن.ومما يؤيد ما سبق، محاولات التنظيم مَدَّ نفوذه إلى بوركينافاسو، بالتوازي مع تكريس وجوده التقليدي في كُلٍّ من النيجر ومالي وتشاد وجنوب الجزائر، معتمدًا في ذلك على تحالفاته التنظيمية والقبلية، حتى يتمكن التنظيم من تحقيق أوسع انتشار جغرافي ممكن داخل القارة السمراء، وذلك من خلال هجمات دموية يسقط فيها المئات من الضحايا، على غرار الهجوم الدموي الذى تبنته جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين، في أغسطس 2024، والذي أسفر عن مقتل ما يصل إلى 200 شخص، وإصابة ما لا يقل عن 140 آخرين في منطقة بارسالوغو، على بُعْد حوالي 40 كيلومترًا شمال مدينة كايا الاستراتيجية، التي يقول محللون إنها آخر الحصون المنيعة التي تحمي العاصمة واغادوغو، وفتح عناصر الجماعة النار على مجموعة من الأفراد كانوا يحفرون خنادق مصممة لحماية المواقع الأمنية.
  • تدهور الأوضاع الأمنية: من العوامل التي شجعت تنظيم القاعدة على مد نفوذه إلى بوركينافاسو، وتكثيف هجماته الإرهابية بها، هو تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد منذ عام 2015 بشكل مطَّرد، حيث بدأت أعمال العنف من المتطرفين المسلحين، وخاصة المجموعات الموالية للقاعدة، تجتاح أقاليم الساحل (إقليم في بوركينافاسو) والشرق والوسط الشمالي. وفي عام 2018 توسّعت أنشطة التنظيم نحو إقليمَيْ الشمال وبوكلي دو موهون، خاصة في ظل تواضع قدرات الجيش في مواجهة الإرهاب، الذي اضطر إلى تجنيد المدنيين لمواجهة الإرهاب، من خلال ما يُعرف باسم «المتطوعين للدفاع عن الوطن»، حيث جنّدت الحكومة عشرات الآلاف من الرجال في ميليشيا مدنية، وهم يفتقرون إلى التدريب والتسليح الجيد والخبرة في القتال؛ ما جعلهم عرضة لهجمات التنظيم وسقوط أعداد كبيرة منهم في تلك الهجمات، وهو ما دفع العديد منهم إلى إلقاء أسلحتهم بعدما قدموا للجيش لائحة مطالب تم رفضها.وهذا ما شجع التنظيم على شن هجمات إرهابية نوعية تستهدف قوات الجيش وثكناته العسكرية، على غرار الهجوم الذي شنه التنظيم، في ديسمبر 2023، على مجموعة من جنود جيش بوركينافاسو؛ ما أسفر عن مقتل نحو 50 جنديًّا. كما قام التنظيم بعدها بالهجوم على قاعدة عسكرية للجيش في منطقة شولي بولاية وهوجيا، أسفرت عن السيطرة عليها بالكامل، ومقتل 60 جنديًّا من جيش بوركينافاسو، والاستيلاء على كميات هائلة من الأسلحة والذخائر.
  • انتشار عناصر “تحرير ماسينا”: تشير العديد من التقارير الى أن الفصيل الأكثر نشاطًا، الموالي لتنظيم القاعدة في بوركينافاسو، هو “جبهة تحرير ماسينا”، وهي إحدى مكونات جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين -ذراع القاعدة في الساحل الأفريقي- ويتمركز العديد من مقاتلي الجبهة بشكل أساسي في منطقة وسط مالي وشمال بوركينافاسو، وتسعى «تحرير ماسينا» إلى توسيع دائرة نفوذها في دول أخرى من غرب أفريقيا، وقد نجحت بالفعل في الوصول إلى بوركينافاسو، التي تشن فيها هجمات ضد مقرات تابعة لميليشيات محلية موالية لجيش بوركينافاسو. وبالنظر إلى قرب وسط مالي من بوركينافاسو؛ فقد استطاعت جبهة تحرير ماسينا، التي أسسها الفولاني أمادو كوفا، أن تؤدي دورًا في زعزعة استقرار شمال بوركينافاسو.ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن كوفا -مؤسس جبهة ماسينا- كان قد صرح بأن “الانتهاكات التي يرتكبها المجلس العسكري في بوركينافاسو تدفع الفولانيين إلى الانضمام للجماعات الإرهابية”، حيث يحاول الرجل استقطاب عناصر عِرقية الفولاني إلى صفوف تنظيم القاعدة، ولاسيّما أنهم يعانون تعرضَّهم لهجمات، سواء من قِبَل الجيوش المحلية أو الجماعات المسلحة المناوئة للعِرقية، إضافة إلى تهميشهم المتزايد، فضلًا عن عمليات التحريض ضدهم، على غرار انتشار تسجيل صوتي على شبكات الإعلام الاجتماعي في بوركينافاسو، في أغسطس 2022، يدعو مواطني بوركينافاسو ”الأصليين“ إلى الانتفاض، و”إبادة“ أبناء عِرقية الفولاني. ولم تكن تلك حادثة منفصلة، إذ تتسبب الاشتباكات التي تقع بين رعاة الفولاني والمجتمعات الزراعية في أرجاء القارة في تأجيج مشاعر الكراهية وتفشي العنف ضدهم، وبات الفولانيون عرضة للتجنيد في صفوف الجماعات الإرهابية؛ بسبب عزلتهم ونبذ الآخرين لهم.
  • الرغبة في الوصول إلى مناجم الذهب: يسعى تنظيم القاعدة في الساحل الأفريقي إلى تعزيز مصادر تمويله، بشكل يتناسب مع رغبته في التوسع والتمدد والانتشار في الساحل وغرب أفريقيا، حيث لم يَعُدْ يكتفي بمصادر تمويله التقليدية، مثل التهريب وتجارة الأدخنة وفرض الإتاوات على التجار والمهربين في الطرق التي يسيطر عليها، لذا بدأ ينظر خلال السنوات الأخيرة صوب مناجم الذهب في بوركينافاسو، على غرار تلك الموجودة في منطقة «تاباركو»، حيث يقع واحد من أكبر مناجم الذهب في بوركينافاسو، وتتولى استغلاله شركة روسية تدعى «نورد جولد»، أي «ذهب الشمال»، وقد حاول التنظيم الوصول إليها في أكتوبر 2024. وقالت الشركة، في بيان، إنه بسبب الهجمات الإرهابية المتصاعدة أصبح الوصول إلى المنجم أو الخروج منه شبه مستحيل، ما دفعها إلى وضع خطة لإخلاء المنجم من جميع العاملين فيه.وتعتبر المناجم ملاذًا ومصدر دخل للجماعات الإرهابية، لذا فإن الكثير من الهجمات الإرهابية التي شهدتها بوركينافاسو وقعت في مناطق للتعدين الحِرَفي، تبلغ مساحتها نحو 25 كيلومترًا مربعًا. وفضلًا عن تجنيد المجندين الجدد، تزود مناجم الذهب أيضًا الجماعات بمصدر جاهز للمتفجرات، التي يمكن استخدامها في هجمات في أماكن أخرى. يُذكر أيضًا أن المتطرفين الذين يبسطون سيطرتهم على مناجم الذهب -إمّا سيطرة مباشرةً أو من خلال فرض الإتاوات- يقومون بتهريب كمية كبيرة من الذهب إلى خارج البلاد. وكشفت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية أن الجماعات الإرهابية تؤمن بأهمية السيطرة على مناطق تعدين الذهب وطرق النقل؛ لضمان شرعيتها وإخضاع رقاب الناس لها.
  • محاصرة نفوذ داعش: شهد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تحوُّلًا ملحوظًا للغاية خلال الفترة الماضية، وهو التحوُّل في أولوية العداء، وهو ما يطلق عليه في أدبيات التنظيمات الإرهابية “التغيُّر في أولوية الاستهداف”، حيث من المتبادر للذهن أن تكون الأولوية في العداء مُوَجَّهَةً للقوات الأجنبية أو الحكومية في تلك المنطقة. لكن في ظل المنافسة الشرسة مع تنظيم داعش، تحوَّل هذا العداء، لتكون الأولوية فيه لشن الهجمات ضد المجموعات الداعشية في الساحل، وذلك في اطار الصراع بين الطرفين على النفوذ والانتشار، وهو ما أدى الى سقوط العديد من القتلى من الطرفين، بعدما استعر الخلاف بينهما بعد الانسحاب الفرنسي من مالي، وبالتالي توقفت الطائرات الفرنسية التي كانت تعرقل بضرباتها تطوير الإرهابيين لعملياتهم، وتوسعت خريطة الهجمات إلى كُلٍّ من مالي وبوركينافاسو، وإلى حدود النيجر وتشاد، وتقدم بعضها نحو حدود توغو وغانا والسنغال وموريتانيا؛ ليبقى الصراع سِمَةً رئيسيةً للعلاقات بين التنظيمين، وهو ما كشف عنه إعلان الزعيم السابق لداعش في الساحل الأفريقي في 2021، قبل مقتله على يد القوات الفرنسية، بأن تنظيمه مصمم على وضع حد للنفوذ القاعدي المتزايد في الساحل والصحراء، وهو ما قابله تنظيم القاعدة بمجموعة من الهجمات ضد معاقل داعش.ومن هذا المنطلق، سعى تنظيم القاعدة إلى تقويض الانتشار الداعشي في منطقة الساحل، خاصة بعد وجود التنظيم في كل من النيجر ومالي، وعدم السماح له بالتمركز التنظيمي في بوركينافاسو، معتمدًا في ذلك على تعدد مجموعاته وانتشاره الجغرافي الواسع في تلك المنطقة، حيث ينتشر التنظيم عبر ذراعه -جماعة النُصرة- في مساحات شاسعة في إقليم أزواد شمالًا، وصولًا إلى جنوب البلاد، حتى الحدود الغربية مع موريتانيا والسنغال وغينيا، كما تنتشر شرقًا وجنوبًا في النيجر وبوركينافاسو، وتنفذ هجمات ضد جيوش هذه الدول.

أخيرًا، على ضوء ما سبق، يمكن القول إن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في ظل وجود قيادته الجديدة المعروفة بنزوعها للسيطرة والاستحواذ، سوف يسعى خلال الفترة القادمة لتقديم نفسه بأنه بديل للقاعدة الأم، وهو ما سيدفعه إلى تكريس وتعزيز نفوذه في الساحل الأفريقي بشكل عام، وبوركينافاسو بشكل خاص، ليس فقط من خلال تكثيف الهجمات الإرهابية، وإنما أيضًا من خلال التوسع في الاستقطاب والتجنيد، ولاسيّما من أفراد العِرقيات التي تنتمي إليها المجموعات المسلحة الموالية له وتنخرط في صفوف جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين، مع الاستمرار في تعزيز مصادر تمويله، وذلك في إطار رغبته في تصدُّر المشهد الجهادى في القارة الأفريقية، ولاسيّما في ظل التنافس الشرس بينه وبين تنظيم داعش على السيطرة والانتشار داخل القارة السمراء.

مشاركة المحتوى

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاشتراك في القائمة البريدية