
تداولت حسابات إلكترونية مقربة من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في الساحل ما قالت إنها صور مفبركة نشرها تنظيم داعش في الساحل بخصوص الاشتباكات الجارية بين التنظيم والجماعة شمال بوركينافاسو، متهمة التنظيم باستخدام صور قديمة لتوثيق خسائر ميدانية قال إنها تكبدتها الجماعة خلال المعارك الأخيرة.
وكان التنظيم قد نشر، عبر وكالة أعماق التابعة له، صورا قال إنها توثق قتلى من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين سقطوا خلال هجوم شنه مقاتلوه قرب قرية «غانادوري» بمحافظة أودلان شمال بوركينافاسو. غير أن الصور المتداولة تضمنت مؤشرا زمنيا يعود إلى 23 مايو/أيار 2019، ما يشير إلى أنها مرتبطة باشتباكات سابقة بين الطرفين، وليست توثيقا للمعارك الدائرة حاليا.
وتُظهر الصور المتداولة جثثا لمقاتلين في منطقة عشبية، فيما تضمنت إحدى النسخ تاريخا قديما يعود إلى عام 2019، قبل أن يعاد نشرها ضمن مادة إخبارية مؤرخة في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تحدثت عن مقتل مئات من عناصر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وقادتها في الهجمات الأخيرة.
ولم يتضح حتى الآن ما إذا كان استخدام الصور القديمة ناتجا عن خطأ في النشر أم أنه تم بصورة متعمدة. ومع ذلك، فإن تداول صور تعود إلى اشتباكات سابقة بوصفها توثيقا للأحداث الحالية يثير تساؤلات بشأن دقة المواد البصرية التي ينشرها التنظيم عن المعارك في المنطقة.
وتأتي هذه الواقعة في ظل تشكيك حسابات مقربة من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في روايات تنظيم داعش بشأن المعارك التي يخوضها الطرفان منذ أيام شمال بوركينافاسو. وكان التنظيم قد أعلن، عبر وكالة أعماق وصحيفة «النبأ» التابعة له، مقتل أكثر من 600 عنصر من الجماعة خلال الاشتباكات، وهي أكدت صفحات جهادية أنها مبالغ فيها إلى حد كبير
ويعكس التباين بين روايات الطرفين طبيعة الحرب الإعلامية المصاحبة للمواجهات الميدانية، إذ يسعى كل طرف إلى تقديم خسائر خصمه على أنها كبيرة، وإبراز قدرته على تحقيق مكاسب عسكرية. وفي هذا السياق، تثير الصور القديمة المنشورة ضمن التغطية الحالية شكوكا بشأن مدى دقة بعض التفاصيل التي يقدمها تنظيم داعش عن نتائج عملياته.
ومن المرجح أن تكون المبالغة في عرض النشاط العسكري والخسائر التي يتكبدها الخصوم جزءا من جهود التنظيم لتقديم صورة مغلوطة عن قوته وانتشاره في منطقة الساحل. فإظهار القدرة على إلحاق خسائر كبيرة بجماعة منافسة قد يساعده في تعزيز حضوره الدعائي، وإعطاء انطباع بأنه يمتلك زمام المبادرة على الأرض، في ظل صعوبة التحقق من حصيلة المعارك من خلال أطراف محايدة.
ولا تقتصر أهمية هذه الدعاية على المنافسة بين التنظيم والجماعة، بل تمتد إلى المجتمعات المحلية الخاضعة لنفوذ التنظيم أو التي يسعى إلى توسيع حضوره فيها. إذ يمكن لتضخيم الانتصارات العسكرية أن يُستخدم في بث الخوف، وتعزيز صورة التنظيم بوصفه قوة قادرة على فرض إرادتها، ولا سيما في المناطق التي يفرض فيها جبايات مالية ضمن ما يسميه «الكلفة السلطانية»، إلى جانب إتاوات أخرى، بما يتيح له الاستحواذ على جزء من موارد السكان ومقدراتهم.
كما قد ترتبط هذه الدعاية باعتبارات داخلية تخص ولاية الساحل في تنظيم داعش، إذ يمكن أن تسعى إلى إظهار مستوى مرتفع من النشاط والفاعلية الميدانية أمام القيادة العليا للتنظيم، بما يعزز موقعها في المنافسة على الموارد والتمويل المخصص للفروع. وفي هذا الإطار، يُحتمل أن يكون إبراز الإنجازات العسكرية وسيلة لتحسين فرص الولاية في الحصول على حصة أكبر من التمويل الذي يديره “مكتب الكرار” في الصومال.
كذلك، قد يسعى التنظيم من خلال هذه الروايات إلى استقطاب مجندين جدد، عبر تقديم نفسه باعتباره قوة تحقق انتصارات متتالية وتلحق خسائر كبيرة بمنافسيها. فالدعاية التي تركز على المكاسب العسكرية، سواء كانت دقيقة أو مبالغا فيها، يمكن أن تُستخدم للتأثير في الأفراد الذين يتابعون نشاط التنظيم ويقيّمون قدرته على الصمود والتوسع.
وتبقى الحصيلة الفعلية للاشتباكات الأخيرة بين تنظيم داعش وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين شمال بوركينافاسو غير محسومة، في ظل تضارب روايات الطرفين وغياب تحقق مستقل من الأرقام المعلنة. لكن ظهور صور تحمل تاريخاً يعود إلى عام 2019 ضمن تغطية مؤرخة في أكتوبر/تشرين الأول 2026 يسلط الضوء على ضرورة التمييز بين الدعاية المبالغ فيها وبين التوثيق الموضوعي للأحداث، وعدم التعامل مع الصور والبيانات الصادرة عن أطراف النزاع باعتبارها أدلة كافية بذاتها على حجم الخسائر أو نتائج المعارك.




