
نفى القاضي الشرعي لـ «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد» المعروفة باسم بوكو حرام، صحة التقارير التي تحدثت عن توصل الجماعة إلى اتفاق سري لوقف إطلاق النار مع الحكومة النيجيرية، مؤكداً في الوقت نفسه عدم حصول الجماعة على أي أموال مقابل الهدنة المزعومة.
وجاء النفي في تسجيل مرئي نُشر الأحد 13 سبتمبر/أيلول، ظهر فيه رجل يُعرف باسم ملا عبد الرحمن، تحدث في بداية التسجيل باللغة العربية قبل أن ينتقل إلى لغة الهوسا، مؤكدا أن ما يتم تداوله بشأن الهدنة «كذب»، وكرر العبارة ثلاث مرات للتشديد على موقفه.
ويأتي التسجيل بعد أيام من تقرير نشرته صحيفة «The New Humanitarian» النيجيرية في السابع من سبتمبر/أيلول، تحدث عن وساطة سرية أفضت، منذ يونيو/حزيران الماضي، إلى وقف مؤقت لإطلاق النار بين الحكومة النيجيرية وجماعة بوكو حرام. وبحسب التقرير، ارتبط الاتفاق بالإفراج عن نحو 360 مدنيا اختطفتهم الجماعة من منطقة نغوشي في ولاية بورنو شمال شرقي نيجيريا.
كما أشار التقرير إلى أن التفاهم المزعوم تضمن دفع نحو خمسة مليارات بالعملة النيجيرية للجماعة، وهو ما نفته الحكومة النيجيرية.
رسالة باسم القائد أبي أميمة
قدّم عبد الرحمن نفسه في التسجيل باعتباره ناقلاً لرسالة باسم “جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد ، تحت قيادة المجاهد الإمام أبي أميمة” حسب تعبيره، وهو الاسم الذي يرتبط بالقائد المعروف على نطاق واسع باسم باكورا دورو، الذي يتولى قيادة الفصيل منذ عام 2022.
وقال عبد الرحمن إن الجماعة لم تعلم بوجود هذه الرواية إلا قبل يوم أو يومين من خلال ما نشرته وسائل الإعلام، معتبراً أن توقيت الحديث عن الهدنة مرتبط بالاستحقاقات السياسية في نيجيريا أكثر مما يرتبط بأي تطور ميداني داخل مناطق نشاط الجماعة.
واتهم الحكومة بمحاولة استغلال موسم الانتخابات لـ«خداع» الرأي العام، قائلا إن السياسة نفسها تقوم على الخداع، وإن السلطات اختارت هذا التوقيت لطرح ما وصفه بـ«الخديعة الجديدة» أمام المواطنين.
ورغم إقراره بأن مبدأ المصالحة موجود في الإسلام، شدد على أن ذلك لا يعني دخول جماعته في أي مفاوضات مع الحكومة، قائلا إن «المصالحة التي تتحدثون عنها مجرد كذب».
احتمال وجود اتفاق محدود
في المقابل، نقل موقع «HumAngle» عن مصادر مطلعة على الأحداث أن مجموعة صغيرة من مقاتلي بوكو حرام ربما وافقت على طلب الحكومة النيجيرية من دون الحصول مسبقا على موافقة قيادة الجماعة.
وبحسب هذه المصادر، جاء ذلك خلال المفاوضات التي جرت بهدف تأمين إطلاق سراح المختطفين، ما يفتح الباب أمام احتمال أن يكون ما وصف بأنه «هدنة» قد نتج عن تفاهم محدود مع عناصر ميدانية، وليس عن قرار صادر عن القيادة العليا للجماعة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء النفي الصريح الصادر عن الرجل الذي قدم نفسه ممثلا لقيادة أبي أميمة، إذ تشير إلى احتمال وجود فجوة بين القيادة المركزية وبعض العناصر أو القادة الميدانيين بشأن طبيعة التفاهمات التي جرت حول قضية المختطفين.
تأكيد على الاستمرارية الأيديولوجية
خصص عبد الرحمن جزءا مهما من رسالته للتأكيد على استمرار الجماعة في نهجها الأيديولوجي، مستحضرا مؤسس الحركة محمد يوسف، الذي قُتل عام 2009، ومذكّرا بموقفه الرافض للنظام الديمقراطي النيجيري.
كما استحضر قائد الجماعة السابق أبو بكر شيكاو، الذي قُتل عام 2021 خلال مواجهات مع تنظيم “الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا” ، مقدما إياه باعتباره نموذجاً لقائد رفض التراجع أو القبول بعروض الحكومة حتى النهاية.
وقال عبد الرحمن إن الجماعة موجودة اليوم تحت قيادة أبي أميمة، مضيفا أن الأخير، وفقا لتعبيره، سيبقى متمسكا بالقضية «حتى آخر نفس».
ويعكس استدعاء أسماء محمد يوسف وشيكاو محاولة واضحة لتأكيد الاستمرارية الأيديولوجية والتنظيمية للجماعة، والرد على الروايات التي قد توحي بحدوث تحول في موقفها أو استعدادها للتفاوض مع الحكومة.
تهديد باستمرار الهجمات
اختتم عبد الرحمن رسالته بتوجيه تهديد مباشر إلى الحكومة النيجيرية، داعياً مسؤوليها إلى «الموت في غضبهم»، ومؤكداً أن الجماعة ستواصل تنفيذ الهجمات متى وأينما سنحت لها الفرصة، بغض النظر عن الحديث عن وجود هدنة.
كما شدد على أن قيادة الجماعة، بمن في ذلك أبو أميمة والقادة الآخرون، لا علاقة لها «داخليا أو خارجيا» بما وصفه بالحديث عن المصالحة، داعيا أنصار الجماعة إلى عدم التأثر بالتقارير المتداولة، واصفا إياها بأنها مجرد «خداع».
ويؤكد التسجيل، في المقابل، أن قيادة جماعة بوكو حرام أو جهة داخل الجماعة تتحدث باسمها أصبحت على علم بالتقارير المتعلقة بالهدنة واختارت الرد عليها بصورة سريعة وعلنية.
ويبقى العامل الميداني هو الاختبار الأهم لتحديد طبيعة ما حدث فعليا. فاستمرار الهدوء النسبي في محيط نغوشي، حيث تنشط الجماعة، خلال الأسابيع المقبلة، سيكون مؤشراً أكثر دلالة من البيانات والتصريحات، سواء الصادرة عن الجماعة أو الحكومة النيجيرية، على ما إذا كان قد جرى بالفعل تفاهم محدود، أو ما إذا كانت الهدنة المزعومة قد انتهت فعلياً مع صدور هذا النفي.



