
لم تكد الرصاصات الأولى تستقر في أجساد المتظاهرين السلميين في درعا ومناطق أخرى في سوريا ربيع 2011؛ حتى بدأ الحراك الشعبي يدخل رويدا طور العسكرة معتمدا على خبرة عشرات الضباط والعسكريين الذين انشقوا عن النظام واصطفوا مع قوى المعارضة، وفي محاولة منه لامتصاص الغضب الشعبي المتزايد وتأكيدا لنواياه الإصلاحية أطلق النظام السوري مئات المعتقلين السياسيين بمن بينهم الكثير من الشخصيات المحسوبة على التيار الجهادي، فساهمت الخطوة في تغليب الطابع الجهادي للمجموعات المسلحة التي أخذت على عاتقها صد تقدم الجيش السوري على القرى والبلدات المنتفضة. سريعا بدأت أفواج المتطوعين الأجانب تصل إلى سوريا متأثرة بالشعارات الجهادية التي رفعتها الفصائل المقاتلة واستجابة لفتاوى النفير العام التي أطلقها عدد من مشايخ التيار الجهادي.
جبهة النصرة
خلال العام الأول للثورة بدأت هوية المكونات المسلحة في التمايز، وبدا واضحا أن المكون السلفي الجهادي هو المتسيد للمشهد ممثلا بفصيل (جبهة النصرة لأهل الشام) الذي نجح في استقطاب العناصر المهاجرة إلى صفوفه. ازداد نفوذ جبهة النصرة مع الوقت وباتت قوة عسكرية كبيرة، وتمكنت بواسطة مكاتبها الدعوية ونشاطها التطوعي من الاندماج في نسيج المجتمعات المحلية، في المقابل عجزت القوى المدنية ممثلة في الجيش الحر والفصائل المعتدلة عن التوافق على صيغة تنظيمية موحدة للم شتاتها. كان الموقف الرسمي لتنظيم القاعدة في هذه المرحلة هو تجنب الانخراط العلني في الانتفاضات الشعبية التي عمت العالم العربي، حتى لا يكون ذلك سببا في وصفها بالإرهاب من قبل الأنظمة السياسية التي تبحث عن ذرائع مقنعة لخياراتها الأمنية.
تنظيم القاعدة في بلاد الشام
تبين أن النفوذ المتزايد لجبهة النصرة لم يثر فقط حفيظة المجتمع الدولي الذي رأى فيه صعودا غير محمود العواقب لفصيل مصنف على لوائح الإرهاب وإنما أثار أيضا قلق جماعة جهادية أخرى اعتبرت ظهور فصيل إسلامي قوي بمثابة تهديد لشرعيتها ومنافسا محتملا لسرديتها. زعم أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم دولة العراق الإسلامية والرجال المحيطون به أن الجولاني قائد جبهة النصرة كان مبعوثا من طرفهم إلى سوريا لتأسيس جماعة مقاتلة هناك تكون امتدادا لدولتهم، وأن الجولاني باتت تراوده نوايا الانفصال والاستقلال، واستباقا لأي خطوة في هذا الإطار خرج البغدادي في تسجيل صوتي في 9 من أبريل/ نيسان 2013 معلنا دمج تنظيمي جبهة النصرة ودولة العراق الاسلامية تحت مسمى (الدولة الإسلامي في العراق والشام).
في اليوم الموالي خرج أبو محمد الجولاني في تسجيل صوتي رفض فيه قرار البغدادي ومعلنا في المقابل عن بيعته لأيمن الظواهري، مدشنا بذلك مرحلة جديدة في تاريخ التيار الجهادي. ستعرف جبهة النصرة منذ ذلك التاريخ بتنظيم القاعدة في بلاد الشام، وستخوض صراعا داميا على النفوذ ضد تنظيم داعش. لقد شكل وجود تنظيم القاعدة ضمن مكونات الثورة السورية حرجا بالغا لفصائلها التي وجدت نفسها مرغمة على الدخول في تحالفات ظرفية معه، خصوصا والوضع العسكري المعقد للفصائل المسلحة يستلزم الانخراط في غرف عمليات مشتركة لتوحيد المجهود الحربي الموجه ضد نظام الأسد.
القطيعة مع القاعدة
تدهور وضع الفصائل الثورية وانحسرت الرقعة الجغرافية التي سيطرت عليها، ثم ازداد وضعها سوء بتقدم قوات النظام على مدينة حلب أهم معقل للمعارضة المسلحة. أمام وضعها المتردي هذا واستجابة للضغوط الشعبية المستمرة قررت الفصائل العسكرية بدء محادثات جادة تفضي إلى التوافق على كيان عسكري تتوحد ضمنه معظم المكونات العسكرية العاملة في الساحة. ولتحقيق هذه الغاية طالبت الفصائل جبهة النصرة بفك ارتباطها بتنظيم القاعدة أولا قبل الشروع في اجراءات الاندماج.
في هذه المرحلة أي بداية 2016 كان التواصل بين أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة وبين جبهة النصرة منقطعا لثلاث سنوات تقريبا، نتيجة الظروف الأمنية للظواهري. لكن أبا الخير المصري القيادي في القاعدة الذي أطلقت إيران سراحه في 2015 ودخل إلى سوريا مع قادة اخرين في التنظيم أبرز وثيقة لجبهة النصرة تشير إلى أنه بمثابة الرجل الثاني في تنظيم القاعدة وأن منصبه كنائب ومستخلف من الظواهري يخول له البث في قضية انفصال النصرة عن القاعدة.
اتفق أبو الخير مع قيادة جبهة النصرة على إعلان انفصال شكلي بين القاعدة والنصرة مع بقاء البيعة سرا، فإن نجح مشروع اندماج الفصائل تحول الانفصال الشكلي الى انفصال حقيقي وإلا فستبقى العلاقة التنظيمية قائمة بينهما. وتنفيذا لهذا الاتفاق تم الإعلان في 28 من يوليو/ تموز 2016 عن تأسيس جبهة فتح الشام في إصدار مرئي ظهر فيه الجولاني مكشوف الوجه لأول مرة، وقبل هذا الإعلان بساعات خرج أبو الخير المصري في تسجيل صوتي أعلن فيه موافقة تنظيم القاعدة على انفصال جبهة النصرة.
كتب أبو الخير الى كل من أبي محمد المصري وسيف العدل في إيران يخبرهما بما تم التوافق عليه مع جبهة النصرة، لكن جوابهما أتى برفض الخطوة وأخبراه أن التواصل مع أيمن الظواهري بات ممكنا وأن عليه انتظار رأيه في المسألة. لاحقا وصلت رسالة غاضبة من أيمن الظواهري لام فيها أبا الخير المصري على قراره، وأكد له أنه تجاوز صلاحياته كمستخلف وأمره بحث جبهة النصرة على العدول عن قرار الانفصال.
وجدت رسالة الظواهري قيادة جبهة فتح الشام وهي بصدد وضع اللمسات النهائية على مشروع فك الارتباط الكامل وتأسيس كيان يضم عدة فصائل مسلحة باسم (هيئة تحرير الشام). انتشر بين الجهاديين الموالين للقاعدة في سوريا خبر رفض الظواهري لقرار انفصال النصرة عن القاعدة، فشرع عدد من قادتهم لاسيما القادمين من إيران في ترتيب الصفوف استعدادا لإعادة القاعدة الى سوريا.
حراس الدين
توترت العلاقة بين هيئة تحرير الشام وبين الشخصيات المتمسكة بعلاقتها مع القاعدة، فأصدرت الهيئة في 27 من يوليو/تموز 2017 تعميما حظرت بموجبه تأسيس أي جماعة جديدة في الشمال المحرر لقطع الطريق أمام مساعي إعادة تأسيس القاعدة. وازداد الوضع احتقانا بخروج الظواهري في تسجيل بعنوان:” سنقاتلكم حتى لا تكون فتنة” في 4 من أكتوبر/تشرين الأول 2017 أدان فيه انفصال جبهة النصرة عن تنظيم القاعدة. حاول منظرو التيار الجهادي رأب الصدع بين طرفي الخلاف فأطلقوا (مبادرة أهل العلم في الصلح بين المجاهدين في 25 من أكتوبر/تشرين الأول2017 وقع بيانها الأول عدد من الشيوخ أبرزهم أبو قتادة الفلسطيني وأبو محمد المقدسي و عمر الحدوشي، لكن بعد شهر فقط من هذه المبادرة ستصل الخلافات إلى نقطة اللاعودة عندما أقدمت هيئة تحرير الشام على اعتقال شخصيات موالية للقاعدة منها سامي العريدي وإياد الطوباسي وأبي جليبيب الأردني، وسمتهم في بيان لها برؤوس الفتنة.
في 28 من نوفمبر/ تشرين الثاني 2017 أي بعد يوم واحد من هذا الاعتقال نشرت مؤسسة السحاب تسجيلا لأيمن الظواهري هاجم فيه قيادة هيئة تحرير الشام بلهجة حادة، ودعا أتباعه إلى التمسك ببيعة القاعدة مهما كانت الظروف. تفاعلا مع كلمة الظواهري بدأت المجموعات المسلحة المتأثرة بخطاب القاعدة في الاستقلال والانشقاق. إذ في 5 من ديسمبر/ كانون الأول 2017 ستظهر مجموعة مسلحة باسم (جيش البادية) ترفع علم القاعدة، وبعد أسابيع ستظهر مجموعة أخرى باسم (جيش الملاحم) والمجموعتان كانتا جزء من هيئة تحرير الشام. وفي 27 من فبراير/شباط 2018 سيعلن رسميا عن تأسيس تنظيم حراس الدين بقيادة أبو الهمام السوري، وسيضم التنظيم الجديد اضافة الى جيش البادية وجيش الملاحم تشكيلات أخرى أهمها جيش الساحل وكتيبة الغرباء وسرايا الساحل وسرية عبد الرحمن بن عوف وكتيبة البتار وسريتي الغوطة ودوما وغيرها.
انقسام الحراس
تولى أبو الهمام السوري القيادة العامة لتنظيم حراس الدين وأبو القسام الأردني مسؤولا عسكريا ونائبا له، بينما أسند الملف الشرعي إلى سامي العريدي. ولتعويض موارده القليلة وانتشاره المحدود، حاول التنظيم خلق توازنات للقوى عبر الدخول في تحالفات عدة مع فصائل عسكرية محسوبة على التيار السلفي بدأها بتحالفه مع جماعة أنصار التوحيد في 29 من أبريل/نيسان 2018 تحت اسم (تحالف نصرة الإسلام) ثم دخوله في (غرفة عمليات وحرض المؤمنين) مع كل من جماعة أنصار الإسلام و جبهة أنصار الدين في 17 من نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وأخير تحالفه مع تنسيقية الجهاد ولواء المقاتلين الأنصار وجبهة انصار الدين وجماعة أنصار الإسلام ضمن (غرفة عمليات فاثبتوا) في 12 من يونيو/حزيران 2020.
اعتمد التنظيم خلال فترة نشاطه على الاغارات الخاطفة وعمليات التفجير في عمق المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد، وأكد في مناسبات مختلفة انه يتبنى أسلوب حرب العصابات كاستراتيجية عسكرية ناجعة في المرحلة الراهنة. لكنه شارك في بعض المناسبات مع الفصائل السورية في صد تقدم النظام على الشمال المحرر، وكان ذلك من أسباب تصدعه وانقسامه.
خلال مشاركة التنظيم في معارك ريف حماة ربيع عام 2019 مع فصائل محسوبة على الجيش الحر لمنع قوات النظام من التقدم نحو إدلب، عبر كل من أبو يحيى الجزائري وأبو ذر المصري وهما عضوان في المجلس الشرعي لحراس الدين عن رفضهما انخراط التنظيم في المعارك مع فصائل قادمة من منطقة درع الفرات، لأن ذلك في اعتقادهما قتال “تحت رايات وطنية” لا تعتبر تطبيق الشريعة غايتها. ومع ازدياد حدة النقد الموجه إلى قيادة الحراس من قبل أبي يحيى الجزائري وأبي ذر المصري وأتباعها، قرر أبو الهمام السوري فصل الرجلين عن التنظيم، لكنهما تمردا على قرار الفصل واعتبراه من صلاحيات القضاء حصرا.
في غضون ذلك قام أكثر من 300 عضو في التنظيم من أتباع أبي ذر وأبي يحيى برفع دعوى الى القضاء الداخلي للمطالبة بالفصل في النزاع القائم، وتولى أبو عمرو التونسي قاضي الحدود والتعزيرات البث فيها، واعتبر هذا الأخير أن قرار الفصل غير نافذ حتى يصدر عن القضاء، واستدعى كل من أبي الهمام والعريدي وأبي يحيى وأبي ذر للمثول أمامه. قابلت قيادة التنظيم هذا الإجراء بإصدار تعميمات فصلت بموجبها من التنظيم عدد آخر من الشخصيات منها أبي عمرو التونسي نفسه. ولم يخفف من حدة الازمة سوى قيام طائرات التحالف الدولي بقصف اجتماع للشخصيات المفصولة عن التنظيم أسفر عن مقتل بعضها وإصابة الآخر، لاحقا انشقت هذه الشخصيات وأسست مجموعات قتالية مستقلة كجماعة أنصار الحق.
نكبة الحراس
كان التوجس والاحتقان السمتان البارزتان في علاقة هيئة تحرير الشام وتنظيم حراس الدين، وكانت نقاط الخلاف بينهما كثيرة منها: عدم اعتراف التنظيم بحكومة الإنقاذ التي تدير شؤون مدينة إدلب تحت إشراف الهيئة، ورفضه الانضمام إلى غرفة عمليات الفتح المبين التي تضم أغلب الفصائل العاملة في إدلب، إضافة الى استمرار مطالبته باستعادة الأسلحة والمعدات التي يقول إنها من حقوقه منذ فك جبهة النصرة ارتباطها بالقاعدة.
بعد تشكيل غرفة عمليات فاثبتوا اعتبرت هيئة تحرير الشام الخطوة تهديدا لها لأن الغرفة ضمت (لواء المقاتلين الأنصار) وهي مجموعة مسلحة انشقت لتوها من الهيئة ويقودها أبو مالك التلي، إضافة إلى أبي صلاح الأوزبكي القائد السابق لكتيبة التوحيد والجهاد والذي تقول الهيئة إنه كان موضوع حكم قضائي لم يمتثل له، فقامت باعتقال كل من الأوزبكي والتلي، لتثير بذلك حفيظة تنظيم حراس الدين.
في خطوة بدت غير محسوبة قام حراس الدين في المقابل باعتقال أعضاء في الهيئة من أجل الضغط عليها لإطلاق سراح القادة المعتقلين، فتطور الموقف سريعا إلى تصعيد عسكري طوقت فيه الهيئة مقرات وحواجز التنظيم في مناطق عدة، ووجد هذا الأخير نفسه بعد أقل من ثلاثة أيام من المعارك مجبرا على توقيع اتفاقيات استسلام أخلى بموجبها مقراته ومعسكراته وسلم أسلحته الثقيلة في 25 و26 من حزيران/يونيو 2020. وأصدرت هيئة تحرير الشام بيانا حظرت بموجبه أي نشاط عسكري خارج غرفة عمليات الفتح المبين أو استحداث أي كيان ذي طابع عسكري.
لم تكن العلاقة المتوترة مع الهيئة والانقسام الداخلي السببان الوحيدان في انهيار تنظيم حراس الدين بل كان لعمليات الاغتيال الدقيقة التي شنتها الولايات المتحدة ضد قادته دورها أيضا، فقد خسر التنظيم معظم قادته الكبار في عمليات اغتيال مركزة في مناطق مختلفة بإدلب لعل من أبرزهم، أبو القسام الأردني وخلاد المهندس، وأبو خديجة وأبو جليبيب الأردنيين، و أبو محمد السوداني وأبو عدنان الحمصي، وبلال الصنعاني، وأبو البراء التونسي وكل هؤلاء من قادة صفه الأول، وأغلبهم من جيل أبي مصعب الزرقاوي والأفغان العرب ومقتلهم خلف فراغا قطعا لن يستطيع الجيل الجديد ملأه.
حل حراس الدين
كان يناير 2025 محطة مفصلية في مسار التنظيم الذي كان يُعدّ حينها آخر التشكيلات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة في سوريا، إذ أعلن التنظيم بشكل رسمي حل نفسه بشكل نهائي، وانتهت بذلك تجربة تنظيم حراس الدين. ومنذ صدور بيان الحل، لم ينشر التنظيم أي بيانات أو مواقف رسمية جديدة باسمه، ما عُد مؤشرا على التزام قيادته بقرار إنهاء البنية التنظيمية. غير أن حضور بعض رموزه الفكرية استمر بصورة فردية، وفي مقدمتهم الشرعي البارز سامي العريدي الذي واصل إصدار الكتب والمنشورات بعيدا عن الأطر التنظيمية السابقة، ومن بينها كتابه “صفحات مشرقة من تاريخ تنظيم القاعدة في سوريا”، الذي تناول فيه تجربة تنظيم القاعدة في سوريا، وما اعتبره إسهاما من التنظيم في فعاليات الثورة السورية ودوره الإيجابي فيها حسب اعتقاده.
جاء قرار الحل بعد أسابيع من سقوط نظام بشار الأسد، في خطوة بدت محاولة منه لتجنب إحراج السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع أو الدخول في دورة صراع جديدة مع هيئة تحرير الشام وهي في موقع السلطة وإدارة الدولة، ولا سيما في ظل المساعي الرامية إلى إعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي السوري وتقليص المبررات التي قد تدفع إلى استمرار الضغوط الدولية المرتبطة بوجود تنظيمات جهادية عابرة للحدود. وخلال الفترة اللاحقة، اتسم نشاط القيادات السابقة للتنظيم بقدر كبير من السرية، إذ ظلت أماكن وجود معظمهم غير معروفة، كما غابت أي مؤشرات واضحة على استمرار هيكل تنظيمي فاعل أو نشاط معلن باسم حراس الدين. واستمر هذا الغموض إلى أن عاد اسم سامي العريدي إلى الواجهة عقب الإعلان عن تعرضه لمحاولة اغتيال في 20 يونيو 2026، وهو تطور أعاد طرح التساؤلات بشأن أوضاع القيادات السابقة للتنظيم ومستقبل الجهاديين المرتبطين بالقاعدة في سوريا بعد مرحلة حل حراس الدين.




