
أثار مقتل أبو بلال المينوكي في عملية مشتركة خاصة بين الجيش النيجيري والقوات الأمريكية في 15 ماي الجاري بمنطقة ميتيلي التابعة لولاية بورنو ارتباكا واضحا في المنظومة الدعائية لتنظيم داعش، وهو ارتباك يبدو أنه تجاوز الجانب العسكري ليطال أحد أكثر الملفات حساسية داخل التنظيم، وهو ملف الإعلام والاتصال بالمؤسسات المركزية للدولة الإسلامية.
فخلافاً لما جرت عليه العادة في أعقاب مقتل قادة ميدانيين بارزين، لم يقتصر أثر العملية على النشاط العملياتي للتنظيم، بل امتد إلى تعطيل شبه كامل للقنوات الإعلامية التي تنقل أخبار “ولاية غرب أفريقيا” إلى وكالة أعماق وصحيفة النبأ، الذراعين الإعلاميين الرئيسيين لداعش.
ومنذ الليلة التي أعلن فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتل المينوكي، لم تنشر وكالة أعماق أي مادة خبرية تتعلق بعمليات التنظيم في نيجيريا. وبعد مرور أسبوعين على العملية، لا تزال أخبار ولاية غرب أفريقيا غائبة تماما عن منصات التنظيم الإعلامية، في سابقة لافتة إذا ما قورنت بالوتيرة المعتادة للنشر، حيث كانت أخبار الولاية تصل إلى وكالة أعماق بشكل شبه يومي.
ورغم أن العددين اللذين صدرا من صحيفة “النبأ” بعد العملية تضمنا إشارات إلى نشاطات للتنظيم في غرب أفريقيا، فإن مراجعة التواريخ الواردة في تلك الأخبار تكشف أنها تعود إلى عمليات نُفذت قبل يوم واحد فقط من مقتل المينوكي. ومنذ ذلك التاريخ لم تظهر أي مؤشرات على وصول مواد إعلامية جديدة من الولاية إلى المنصات المركزية للتنظيم.
هذا الانقطاع المفاجئ لا يمكن تفسيره بمجرد الاضطراب الأمني الذي عادة ما يعقب مقتل قائد بارز، بل يوحي بأن المينوكي كان يشغل موقعاً يتجاوز القيادة العسكرية التقليدية. فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن الرجل، أو على الأقل المجموعة التي قُتلت معه، كانت تضطلع بدور محوري في إدارة ملف الإعلام والتواصل مع وكالة أعماق، وهو ملف لا يُسند داخل داعش إلا إلى شخصيات تحظى بدرجة عالية من الثقة وتتمتع بإمكانية الوصول إلى قنوات الاتصال الحساسة مع القيادة المركزية.
وتكشف شهادات ومعلومات سابقة عن البنية الإعلامية لداعش في غرب أفريقيا أن هذه المنظومة تقوم على تقسيم دقيق للمهام. فهناك عناصر متخصصة في التصوير الميداني، وأخرى مسؤولة عن تشغيل الحواسيب ومعالجة البيانات، فيما يتولى فريق ثالث أعمال الكتابة والتحرير، ويختص فريق رابع بإنتاج المواد الإذاعية. وبعد كل عملية عسكرية تُجمع المواد المصورة وتُفرغ من الكاميرات، ثم تُحال إلى فرق المونتاج والتحرير قبل أن تخضع للمراجعة النهائية. وفي المرحلة الأخيرة تُرسل المواد المعتمدة إلى وكالة أعماق عبر قنوات اتصال خاصة.
ويبدو أن هذه الحلقة الأخيرة تحديدا هي التي تعرضت للانهيار عقب مقتل المينوكي. فاستمرار العمليات العسكرية للتنظيم في الميدان، مقابل التوقف الكامل لتدفق المواد الإعلامية، يشير إلى وجود خلل في منظومة الاتصال والإشراف أكثر من كونه توقفاً في النشاط القتالي نفسه. وهذا ما يعزز فرضية أن المينوكي كان يؤدي دوراً مركزياً في إدارة العلاقة بين ولاية غرب أفريقيا والمؤسسات الإعلامية التابعة لداعش.
ولا يقتصر تأثير هذا الفراغ على الجانب الإعلامي فحسب، بل يمتد إلى البنية التنظيمية الأوسع. فقبل استعادة النشاط الإعلامي المعتاد، سيكون على التنظيم أولاً حسم ملف الخلافة واختيار أمير جديد قادر على فرض سلطته داخل الولاية، ثم إعادة بناء شبكات الاتصال الآمنة التي تضررت جراء العملية، وإعادة توزيع المسؤوليات داخل الجهاز الإعلامي. وهي عملية قد تستغرق أسابيع وربما أشهراً، خصوصاً إذا كانت الضربة قد استهدفت عدداً من الكوادر التقنية والإدارية المرتبطة بالمنظومة الإعلامية.
وحتى الآن، لم يصدر تنظيم داعش أي بيان رسمي يؤكد أو ينفي مقتل المينوكي. غير أن جملة من المؤشرات المتراكمة تجعل فرضية مقتله الأكثر ترجيحاً. فإلى جانب الصمت الإعلامي غير المسبوق الذي أعقب العملية، حملت افتتاحية صحيفة “النبأ” الصادرة بعد الغارة إشارات بدت أقرب إلى رثاء غير مباشر لأحد القادة البارزين، في ما يمكن اعتباره محاولة من التنظيم للتعامل مع الحدث دون الاعتراف الصريح بالخسارة.
وبينما يواصل التنظيم التزام الصمت، فإن الشلل الذي أصاب آلته الإعلامية يقدم دليلا عمليا على أن العملية لم تستهدف قائدا ميدانياً فحسب، بل أصابت إحدى العقد الأساسية التي كانت تربط بين نشاط داعش في غرب أفريقيا ومنظومته الإعلامية العالمية.




